رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكايتى مع قناة السويس

 

الوحدة الوطنية فى مواجهة قوات الاحتلال

التأييد العربى الكاسح لقرار التأميم

أول أغنية عن تأميم القناة لبنانية تأليفاً وغناء

 

منذ بدأت الكتابة في الصحف، عاهدت نفسى أن أتحاشى الحديث عن أمور شخصية تخصنى. والاستثناء من هذا الالتزام يبرره أن يكون الحديث عن أمور تتعلق بشخصى يلامس قضايا عامة.

واليوم.. أرجو أن يتقبل القارئ حديثاً له علاقة بتأثير «قناة السويس» في رحلة حياتى وأعتقد أن هذا التأثير لم يقتصر علي شخص، فلست أكثر من نموذج لشباب عايش الأحداث التي عشتها.

 

معسكرات تدريب الفدائيين

بدأت علاقتى بقناة السويس عام 1951 وأنا يومئذ طالب بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، في تلك الأيام كنت المسئول عن تنظيم «الإخوان المسلمين» بكلية الآداب ووكيلاً لاتحاد الطلبة بهذه الكلية. وكانت القوى الوطنية تتنافس في إقناع الشباب للتطوع في صفوف الفدائيين الذين يقاتلون قوات الاحتلال الإنجليزى في منطقة «قناة السويس».

أنشأنا معسكراً للتدريب علي الأسلحة المختلفة في ملاعب كلية الحقوق، وكان شباب الإخوان الجامعيين يمثلون النسبة الأكبر من المتطوعين. وكنا نجلب الأسلحة من بدو الصحراء الغربية خاصة من المناطق المحيطة بالعلمين.

وطرح بعض المسئولين عن جماعة الإخوان ببعض الكليات فكرة منع أي متطوعين من غير الإخوان من الانضمام إلي المعسكر بحجة احتمال تجنيدهم من قبل البوليس السياسي. وقاومت الفكرة مع بعض الأخوة الذين تبنوا نفس الموقف، ونجحنا في أن يفتح معسكر التدريب أبوابه لكل طالب يرغب في التطوع للانضمام إلي الفدائيين بمنطقة «قناة السويس» وبالفعل ضم المعسكر طلاباً من جميع الاتجاهات السياسية وكانت النسبة الأكبر بعد طلاب الإخوان المتطوعين من التنظيمات اليسارية بمختلف توجهاتها. وانصهر الجميع في بوتقة واحدة شعارها تحرير مصر من الاحتلال البريطانى.

في العالم التالى أسند إلىّ المكتب الإدارى للإخوان المسلمين بالإسكندرية المسئولية عن «جامعة الإسكندرية» وكان طلاب الإخوان في الجامعات (القاهرة/ الإسكندرية/ المنصورة) يهيمنون علي الجانب الأكبر من النشاط بالجامعات.

وقرر الإخوان إقامة احتفاليات لتأبين الشهداء من الفدائيين بالقناة، وعند مناقشة تنظيم احتفال جامعة الإسكندرية مع مسئولي الكليات اتجه البعض إلي عدم السماح للقوي السياسية من  غير الإخوان بحضور الاحتفال، واستشهدوا بما تم في جامعة القاهرة.

وبنفس المنطق الذي استندت إليه في مطالبتى بفتح أبواب معسكر التدريب لجميع المتطوعين من مختلف الاتجاهات السياسية، دافعت عن ضرورة مشاركة هذه القوى دون استثناء في احتفالية الشهداء، وكان طبيعياً التزام باقي الأخوة بوجهة نظرى كمسئول عن «الجامعة».

ودعوت للاحتفالية اثنين من رموز القوي السياسية الذين تربطني بهما -فى ذلك الوقت- صداقة شخصية وهما الأستاذ محمد عيد (وفدى) والأستاذ سعد الساعى (مسئول أحد التنظيمات الشيوعية) وكان الاحتفال نموذجاً رائعاً للوحدة الوطنية في أبهى صورها.

ملاحظة: كان هذا الاتجاه إحدى نقاط الخلاف بيني وبين أعضاء المكتب الإدارى بالإسكندرية إلي جانب نقاط أخرى انتهت باستقالتى من تنظيم الإخوان في عام 1953 وليس هنا مجال الحديث المفصل عن هذه الخلافات، فقد تمت الاستقالة في جو من الاحترام المتبادل وتفهم كل منا لموقف الآخر وإن كان بعض المتعصبين قد تجاوز في مهاجمته لموقفى، خاصة بعد أن انخرطت في العمل السياسي بعد فترة (أواخر 1956) منحازاً لتوجهات جمال عبدالناصر في مجملها.

 

التأميم.. التحدى والنجاح

حكايتي الثانية مع قناة السويس بدأت يوم تأميم قناة السويس.. كنت في بيتى أستمع إلي خطاب عبدالناصر الذي أعلن فيه تأميم قناة السويس، لحظة إعلان عبدالناصر قراره بتأميم القناة أصابني زلزال عنيف وتفجرت داخلي موجات هادرة من الكبرياء الوطنى، ولم أشعر إلا وأنا أسارع بالذهاب إلي مبني الإذاعة بالشريفين مطالباً لقاء رئيس الإذاعة (الأستاذ محمد أمين حماد).

في هذا اللقاء طلبت من رئيس الإذاعة أن أشارك في وصف الاستقبال الجماهيرى لعبدالناصر عندما يعود من الإسكندرية. أبدى الرجل تحفظه لأنه يعرف أنني لم أكن أتحمس سابقاً للمشاركة في مثل هذه الإذاعات، لكنه طلب كبير المذيعين (الأستاذ حسنى الحديدى) وأخبره بطلبى ورحب الأستاذ حسنى بمشاركتى وحدد لى موقعاً بميدان التحرير.

تم تركيب أجهزة البث فوق سطح مبني صغير يتوسط ميدان التحرير (بوفيه عايدة).

كان المشهد أسطورياً، فميدان التحرير لا يوجد فيه موطئ لقدم، مئات الآلاف من المواطنين ملأوا كل شبر في الميدان، والهتافات هادرة تشق عنان السماء، وما أن دخلت سيارة  عبدالناصر الميدان من شارع قصر النيل حتي أحاطت بها الجماهير وأزاحت الحرس وحملت الجماهير عبدالناصر الذي انتصب بقامته الفارعة وكأنه وسط هذه الجماهير أحد ملوك مصر الفرعونية أيام المجد المصرى.

تدفقت الكلمات معبرة عن هذا المشهد المهيب. وفي المساء طلبنى رئيس الإذاعة ليخبرنى أن عبدالناصر طلب أن أسافر إلى لبنان وسوريا فوراً لتسجيل ردود الفعل الجماهيرية علي قرار التأميم.

سافرت إلى لبنان ولم أدع سياسياً في سوريا ولبنان ولا لقيته بدءاً من رؤساء الجمهوريات ورؤساء الوزراء والوزراء والمفكرين وعامة الشعب، وكان رد الفعل الحماسى هو السمة الغالبة، وشعوراً قوياً بأن هذا التحدى المصرى لقوى الإمبريالية الجديدة يضخ في عروق العرب جميعاً شعوراً قوياً بالعزة والكرامة.

وفي اليوم التالى من وصولى إلي لبنان اتصل بي الفنان اللبنانى محمد سلمان ليخبرنى بأنه عندما سمع خطاب عبدالناصر لم يستطع أن ينام حتي أكمل كتابة أغنية تشيد بهذا القرار التاريخى، ولحنها ويريد تسجيلها لتذاع بإذاعات القاهرة.

قرأ لى محمد سلمان الكلمات، وفي صباح اليوم التالى كنت قد رتبت تسجيل الأغنية بصوت الفنانة نجاح سلام وفرقة موسيقى الإذاعة اللبنانية، وتبرع الجميع بتسجيل الأغنية مجاناً تعبيراً عن التأييد لقرار التأميم وأرسلت التسجيل إلي الإذاعة المصرية لتذاع هذه الأغنية ولتكون أول أغنية عن تأميم القناة تأليفاً وتلحيناً وغناء وتنفيذاً عربياً لبنانياً.

ومازلت أذكر مطلع الأغنية المحفوظة حتي الآن في مكتبة الإذاعة المصرية تقول الأغنية:

اليوم اليوم يوم النصر

عصرنا قلب إلا عدا مصر

نصر جديد وفجر جديد وكل العرب تؤيد مصر..

عبدالناصر يا جمال.. للغرب بنعطى أمثال

قالو السد العالى زال قلتم أممنا القنال

في هذه الرحلة عشت أياماً رائعة تحوطنى مشاعر دافئة من الشعب العربى في لبنان وسوريا. وكانت مصر علي كل لسان مقرونة بكل مشاعر الاعتزاز والفخر.

كان تأميم القناة نقطة التحول الكبرى في حياتى، فقد كنت عازفاً عن المشاركة فى أي عمل سياسي قبل هذه اللحظة.

وبعد التأميم ومشاركتى في وصف المشاعر الجماهيرية في مصر ولبنان وسوريا ومتابعتي لتدفق هذه المشاعر في كل ركن من أركان الوطن العربى قررت العودة إلي ممارسة النشاط السياسى.

حكايتى هذه مع قناة السويس أنعشتها أجواء الاحتفالات ببدء تشغيل القناة الموازية التي تمت بقرار مصرى وتخطيط مصرى وتنفيذ مصرى وتمويل مصرى.

هذه هي مصر عندما تنفض عنها ركام الإحباط الذي تسربت معه مشاعر اليأس.. واليوم آمل أن تكون هذه المناسبة هي البداية لعودة الثقة وبداية الانطلاق.