رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الصدام المرتقب بين روسيا والغرب

منذ نجحت عصابة اليمين الجديد المسيطرة على الحكم في أمريكا في إجبار أوباما على إزاحة وزير دفاعه واستبداله بأحد أشد الصقور تطرفا نحو اليمين وهو أشتون كارتر، أصبح الصدام العسكري بين روسيا والغرب بقيادة أمريكا ربما مسألة وقت، فبمجرد تقلد كارتر منصبه أصبح التهديد بالعمل العسكري والتصريحات العدوانية هى اللغة السائدة التي توجهها أمريكا لكل من روسيا والصين.. وقد نشر موقع انفرميشن كليرنج هاوس في 23 يونية مقالاً للكاتب الشهير باتريك بوكانان يشرح فيه ما يجري على الساحة العالمية وما تستعد أمريكا له، يقول بوكانان:

أمريكا تستعد لوضع أسلحة ثقيلة في شرق أوروبا كرسالة واضحة لروسيا، كما نشرت جريدة «نيويورك تايمز» ففي خطوة ذات مغزى لردع «العدوان» الروسي المحتمل في أوربا فإن وزارة الدفاع الامريكية تستعد لتخزين دبابات وعربات جنود مصفحة وغيرها من معدات القتال الثقيلة بما يكفي لتسليح خمسة آلاف جندي أمريكي في عدة دول في بحر البلطيق وشرق أوروبا، وكانت مصادر هذه المعلومات أمريكية ومن بعض حلفاء أمريكا.

وقد تلقى البنتاجون الامريكي الرد الروسي على هذه الخطوة يوم 16 يونية، فقد صرح الجنرال الروسي يوري ياكوبوف بأن الخطوة الامريكية هى أكبر حركة عدوانية من البنتاجون ومن حلف الناتو منذ نهاية الحرب الباردة، وأضاف ياكوبوف انه عندما لاحظت روسيا تحرك المعدات الحربية الثقيلة الى منطقة البلطيق، قررت روسيا تدعيم قواتها ومواردها على المسرح الغربي الاستراتيجي للعمليات.

وبصفة خاصة فإن روسيا ستزود لواء الصواريخ الموجود في كالينينجراد على حدود لتوانيا وبولندا بنظام جديد يسمى إسكندر لاطلاق الصواريخ ذات الرؤوس النووية.

ويبدو أن وزارة الدفاع الامريكية والكونجرس يعتقدان أن هذه مجرد خدعة من بوتين، وأنهم لو واجهوه بموقف حاسم فسيتراجع، فقد وافق الكونجرس على مشروع قدمه السيناتور جون ماكين يقضي بتزويد أوكرانيا بأسلحة مضادة للمدرعات، وبمدافع مورتار وقاذفات قنابل يدوية والذخيرة اللازمة لهذه الأسلحة.. ولا تستطيع ادارة أوباما إنفاق اكثر من نصف مبلغ الثلاثمائة مليون دولار المعتمدة لهذه العملية ما لم يخصص 20٪ من الميزانية للأسلحة الهجومية.

وسيصوت الكونجرس على إعطاء حكومة كييف التابعة لأمريكا الضوء الأخضر والسلاح اللازم لمحاولة إعادة احتلال منطقة دونتسك ومنطقة لوهانسك واستردادها من الثوار المؤيدين لروسيا الذين فصلوا هاتين المنطقتين عن أوكرانيا ومنطقة شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا لأرضها.

وإذا كانت وزارة الدفاع الأمريكية تحرك فعلاً قوات امريكية وأسلحة ثقيلة إلى بولندا ودول البلطيق، وإذا كانت على وشك تزويد حكومة أوكرانيا التابعة لها لمهاجمة الثوار في شرق أوكرانيا، فإننا نكون على وشك مواجهة أمريكية - روسية لامثيل لها منذ الحرب الباردة.. ولننظر الى نتيجة هذه المواجهة.

علينا ألا ننسى أنه كان الرئيس الروسي كروتشوف هو الذي تراجع في المواجهة التي تمت ايام ازمة الصواريخ الكوبية سنة 1962 بينما لم يفعل الرئيس أيزنهاور شيئاً عندما سحق الجيش الروسي ثورة المجر سنة 1956، كما قبل الرئيس جون كيندي اقامة الروس حائط برلين، ولم يرفع الرئيس ليندون جونسون اصبعا واحداً لانقاذ تشيكوسلوفاكيا في ثورة «ربيع براغ» سنة 1968 عندما غزا حلف وارسو بقيادة روسيا وسحقت دباباته ثورة «ربيع براغ» كان كل ما فعله جونسون هو الادانة اللفظية، وحتى الرئيس ريجان لم يكن رد فعله على سحق الروس لحركة سوليداريتي في بولندا خلال الثمانينيات سوى كلمات الادانة دون أي عمل عسكري.

لم يكن أي من هؤلاء الرؤساء الامريكيين ضعيفاً يريد الاستسلام للروس، ولكنهم جميعاً احترموا حقائق الوضع الجيوستراتيجي التي تؤكد أن أي تحدي عسكري لروسيا على الجانب الآخر للخط الأحمر لحلف الناتو في ألمانيا يؤدي حتما الى المخاطرة بحرب كارثية لأسباب لا تبرر هذه المخاطرة.

ومع ذلك فنحن اليوم نخاطر بمواجهة مع روسيا في دول البلطيق وأوكرانيا حيث لا توجد مصالح حيوية لأمريكا في هذه المنطقة، ولم توجد أبداً في الماضي،وحيث يتمتع خصمنا بالتفوق العسكري في هذه المنطقة.

وكما كتب ليس جلب في مجلة «ناشتال انترست»: «إن يد الغرب العاجزة في البلطيق وتفوق روسيا العسكري على حدودها الغربية أمر مؤلم وواضح للجميع».

فإذا دفع حلف الناتو الأمور للمواجهة العسكرية تستطيع موسكو بسهولة مواجهته.. فروسيا لها ميزة واضحة في القوات التقليدية،تسندها أسلحة نووية تكتيكية قادرة ورغبة واضحة في استعمالها لتجنب الهزيمة، وآخر شىء يريده حلف الناتو هو أن يبدو ضعيفاً أو أن يخسر المواجهة، وخسارة الناتو في مثل هذه المواجهة هي النتيجة المحتملة لصدام يشعله البنتاجون أو جون ماكين.

فإذا تحركت أوكرانيا بأسلحة امريكية ضد الثوار في منطقتها الشرقية، وأرسلت روسيا طائراتها ودباباتها ومدفعيتها لابادتها فستسحقها تماما، فماذا نفعل في هذه الحالة؟ هل نرسل حاملات طائراتنا للبحر الأسود لمهاجمة الاسطول الروسي في سفاستبول ونحارب الصواريخ الروسية والطائرات؟

قبل أن نعد لهجوم من الناتو على روسيا يحسن ان ننظر خلفنا لنرى من سيتبع القيادة الامريكية.. فطبقاً لدراسة جديدة لمنظمة بيوجلوبال اتيتودس ومشروعها فإن أقل من نصف من ردوا على البحث في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا واسبانيا أجابوا أن على حلف الناتو أن يحارب إذا تعرض حلفاؤه في بحر البلطيق لهجوم روسي، وفي ألمانيا رد 58٪ ضد 38٪ أن حلف الناتو لايجب أن يستخدم القوة دفاعاً عن لتوانيا ولاتفيا واستونيا رغم أن المادة الخامسة من اتفاقية الناتو تحتم على ألمانيا ذلك.

أما امريكا فقد رد 56٪ ضد 37٪ بأن على امريكا استخدام القوة دفاعاً عن دول البلطيق، أما بالنسبة لتزويد أوكرانيا بالأسلحة، فالامريكيون منقسمون 43٪ ضد 46٪ يعارضون مد اوكرانيا بالأسلحة، أما في ألمانيا وايطاليا فأقل من 20٪ يؤيدون مد أوكرانيا بالسلاح ولا توافق أغلبية في أي دولة عضو بحلف الناتو على مد أوكرانيا بالأسلحة.

أما في واشنطن فصقور الكونجرس مصممون على أن يثبتوا لبوتين من منهم الأقوى، ولكن بالنسبة لمد أوكرانيا بالسلاح وإرسال جنود أمريكيين للدفاع عن دول البلطيق فالشعب الأمريكي منقسم وحلف الناتو نفسه لايريد التورط في مثل هذه المواجهة.

وبعكس الوضع خلال ازمة الصواريخ الكوبية سنة 1962 فإن روسيا هى التي لها التفوق العسكري في هذه المنطقة، وعلى رأسها قائد يبدو مستعداً لمواجهتنا، فهل نحن واثقون من أن الروس هم الذين سيتراجعون هذه المرة؟

وإلى هنا ينتهي عرض باتريك بوكازنان عن المواجهة بين روسيا والغرب، والمتتبع لتصرفات اليمين الامريكي الجديد مؤخراً يري بوضوح أن الضربة القاصمة التي وجهتها ثورة مصر في 30 يونية سنة 2013 التي اسقطت مؤامرة الشرق الأوسط الجديد بإسقاط حكم العملاء المتأسلمين الذين كادوا ينفذون المؤامرة لحساب امريكا، كان سقوط هذا المخطط ضربة قاصمة للمشروع الاستعماري الامريكي بالسيطرة على كل العالم بدءا بالشرق الأوسط وبحيرة النفط الهائلة في الخليج العربي، ومروراً ببحر قزوين وبحيرته النفطية، ثم تأتي الصدمة الكبري للاستعمار الامريكي عن طريق الحرير الجديد الذي تبنيه الصين بين آسيا وأوروبا، والحلف الصيني الروسي، ومشروع دول البركس «البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا» لانشاء نظام نقدي دولي جديد وبنك وعملة جديدين يسقط معهما عرش الدولار وتسقط معه الهيمنة الأمريكية على العالم دون رجعة.

من يراقب ذلك يفهم جيداً العدوانية الشديدة التي تتصرف بها أمريكا حول العالم، والضعف الذي تشعر به يهدد سيطرتها العالمية ويدفعها الى العدوانية التي قد تصل بالعالم لحافة الهاوية، ولكننا شبه مطمئنين أنه مهما بلغ الجنون باليمين الامريكي الجديد فلن يصل بالعالم الي حرب نووية شاملة، يكون فيها فناؤه قبل فناء أعدائه.

 

الرئيس الشرفي لحزب الوفد