رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أرشيف العنف

تجسّد مفهوم «الإله» فى الأقوام البدائية فى صورة مادية أو مثال مفارق خارج الواقع كما اتخذ صورة تجسيدية كالآلهة الوثنية التى رمزت إلى القداسة. كان كائناً مخيفاً حقيقةً يشكل مصدراً للتحريم والرهبة شأن «الطواطم» فى المجتمعات البدائية. أصبح خيالا متجمّدا فى وضع المفارقة؛ من حيث اعتباره مقدساً وفى نفس الوقت له تَعَيُّنُ مادي، له بعد أثرى كنوع من الحضور المضاعف، وهو بذرة نابتة فى أحشاء الأساطير والسرديات الكبرى عن الكون وأنفسنا وعن الوجود الخفى، وبحكم تعريفه كان متعدداً فى وجوده القديم، إما بجوار آلهة آخرين، وإما فى أشكاله من مجتمع لآخر. لقد أحيت الجماعات الإرهابية هذه الصورة الرعوية للإله فلم يعد الخيال الدينى لديها سوى مادة مُحمَّلة بكثافة لأرشيف العنف وسفك الدماء.

فلئن كان الإله بمثابة الموقع الأعلى للإيمان فهو ليس إلا موقعا تأويليا يوظَّف العنف بدرجات متباينة؛ ولأجل تناحر الأفكار والمنظومات الدينية أصبح موضوعاً للحروب الرمزية ناهيك عما أظهره الإرهابيون من قابليته للتملك الخاص، وبجانب هذا تشتعل الصراعات الاجتماعية باسم (الإله) على صعيد الحياة اليومية؛ فكل منا يدفع عن الإله الذى يتبناه ويتقرب إليه كما كان يتقرب الهمج الرعاع بالبغاء المقدس وسفك الدماء حتى إن قتلاً مقدساً لا ينتهى دون إبطال كل التصورات الجارية على محيطه.

صورة رسمها د. سامى عبدالعال بقلمه الممتاز عن آلهة الحرب التى تعنى الموت والدمار فيستعيدها الإرهابيون اليوم من بطن التاريخ ليكون الموت مقدساً لآلهة مدنسة. أما الله فى الأديان الكتابية فيعنى الحب والتسامح والرحمة المرسلة من قِبَلِه للعالمين. على ناصية الموت أصبح العنف مادة يتخذها المتشددون باسم الدين ليستمر نباحهم كما الكلاب فى وجه المجتمع بمقدار ما يتنطع بشكل دينى قمىء لدى داعش والقاعدة حتى بات سمة عالمية. وقد عرى العنف ليس الأبنية الثقافية للمجتمعات فقط بل كيان الإنسان كموجود متربص على الدوام: تربص للانقضاض، للتفجير، للتفخيخ، للإفناء؛ فماذا بقى منه للآخر؟ لا شىء.. لا بل الموت والتدمير. أصبح الموت بديلاً عن الحب، وأصبح العنف ملتصقاً بالغرائز الأولية فيخبو فى اللاوعى ليكون مسرحاً لأشباح تاريخية تحضر مرة بعد أخرى.

قارن هذه الدموية التى تكرس للعنف وتستحضر آلهة الحرب، بصورة أخرى راقية، وداعية فى الوقت نفسه للمحبة والتسامح والإيثار كما عرفت فى التصوف، فالموت يكشف تحول هذا العنف؛ هذا الحلم الآدمى القديم فى ثمار شجرة الحياة، وهل هناك حياة أكثر أبدية من الجنة؟ وإذا كان المتصوف يصل إليها بوحدة العناصر الطبيعة ومعها الإنسان، فالمتطرف لا يجد بداً من زفاف دموى بالأكفان.