رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

لماذا عشقت.. النيل؟

شاهدت أنهارًا عديدة فى قارات العالم.. الست، لا الخمس: آسيا. أوروبا. إفريقيا. أمريكا الشمالية.. والجنوبية.. واستراليا.. ولكن ليس هناك أجمل من نهرنا: نهر النيل.. ربما لأن بيت جدى كان يطل على بحر النيل، فى دمياط.. وربما لأننى عشت ثوراته وفيضاناته.. وتدفق مياهه الحمراء وكانت أمتع لحظاتى أن أراقب النيل - فى عز فيضانه فى شهر أغسطس - من فوق كوبرى دمياط المعدنى القديم.. كان يزمجر.. صوته يطربنى.. عندما تعترض «بغال» الكوبرى مياه الفيضان.. وأرى دوامات الفيضان تكتسح كل شىء أمامها، وكم انحنيت لأشرب من المياه الحمراء بحكم الطمى الذى هو - فى الأصل - من جبال الحديد فى إثيوبيا.. من عند «التصادم» أى آخر خط للقطار فى شمال الدلتا.. وهى نفس الصورة التى كررتها وأنا أقف أمام القصر الجمهورى - فى الخرطوم أمام جزيرة توتى.. أو سابح فى مياه البحر المتوسط - عند رأس البر - بعد أن غلبت بلونها الأحمر مياه البحر المتوسط.

<< رأيت وعشت كل ذلك جريًا وراء النيل. من أقصى منابعه الإفريقية إلى مصبه عند رأس البر فى نهاية فرع دمياط.. ورأيت عشرات الأنهار ولكننى لم أسمح لواحد منها أن يحتل عقلى، بعد أن امتلأ عشقًا بالنيل.

فى أوروبا.. رأيت أشهر أنهارها: الراين، عند ألمانيا وعند هولندا ورأيته وهو يخرج من بحيرة جنيف..، منبعه الأصلى، ثم رأيت هناك أيضًا - ومن نفس البحيرة - نهر الرون، وهو ينبع منها أيضا تلك البحيرة ذات الشكل الهلالى البديع الذى تطل عليه المدينة السويسرية الساحرة وأيضا أراضى فرنسا.. ثم انطلاق الراين ورأيته عند مدينة بون وكولون وحتى مصباته فى هولندا.

<< وشدنى نهر الدانوب، الذى يتغير اسمه عند كل دولة يمر بها.. وكيف لم أصدق نفسى وأنا أراه عند فيينا - عاصمة النمسا - وكيف أن أى ترعة - فى مصر - تفوقه اتساعًا وعمقًا وكيف تغنى به سفراء أوروبا فوضعوا له العديد من الأوبرات.. وتعقبته حتى يصل ويصنع دلتاه بين بلغاريا ورومانيا.. ويصب فى البحر الأسود!!

ورأيت أنهار فرنسا وأشهرها الرون. والسين. واللوان. ولكن الفرنسيين عرفوا كيف يستثمرون نهر السين بالذات سياحيًا.. وفى ألمانيا غير الراين تمشيت مرارًا على ضفاف نهر إلبه - عند مدينة درسدن.. وعند كل الأنهار والبحيرات والقنوات المحيطة بمنطقة برلين نفسها.

وأيضا عشقت نهر التيمس.. أو التيمز.. وليس التايمس!! أو التايمز.. وتجولت فوق مياهه عند لندن ووقفت عند المسلة المصرية على شاطئه.

<< وفى أستراليا رأيت نهر أسوان بين أشهر مدينتين هناك فى غرب استراليا وهما بيرث وفريمانتيل.. والأوز الاسترالى الأبيض الشهير يسبح فى مياهه ومن اسمه «سوان» أى هذا الأوز أخذوا اسم النهر والمنطقة.

وفى بانكوك ركبت زوارقها التقليدية، أى أسواقها على القوارب، فى مجرى نهر الميكونج.. وفى العراق تجولت على شاطئ دجلة عند بغداد. واستمتعت بوجبة عشاء فاخرة من سمك المسجوف المشوى على النار بشارع أبونواس.. ورأيت فى الجنوب مناطق الأهوار الأسطورية وبيوتها المصنوعة من أغصان البوص والبامبو قبل أن يلتحم نهرا دجلة والفرات، عند شط العرب.

وفى دمشق عشت أسطورة نهر بردى قبل أن أراه.. فوجدته عندما رأيته أول مرة عام 1975 مجرد قناة صغيرة، أو ترعة يجف ماؤها معظم أيام السنة.. ومنذ 4 سنوات لم أجد له أثرًا بعد أن تمت تغطيته - عند مجراه فى دمشق.. أما فى لبنان فقد رأيت نهر الليطانى ونهر العاص.. ورأيت نهر الأردن - قبل عام 1967!!.

<< وفى أمريكا الشمالية انطلقت إلى نهر المسيسبى الذى ينافس النيل طولا ووقفت عند مصبه عند مدينة نيو أوليانز بولاية لويزيانا.. وشاهدت تماسيحه شديدة الخطورة.. ورأيت نهر ريوجراندو على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك.. تماما كما شاهدت نهر هدسون الذى يفصل بين ولايتى نيويورك ونيوجيرسى.. وشاهدت نهر بوتوماك عند واشنطون العاصمة.

<< ورأيت حتى ما جعلوا منه نهرًا صناعيًا تكلف عشرات مليارات الدولارات فى ليبيا.

رأيت كل ذلك.. ولكن يظل نهر النيل وقد مشيت عليه من منابعه إلى مصبه، يظل هو عشقى الأول.. ولذلك هو معركتى الأكبر لكى تستمر الحياة.. هنا فى مصر.. رغم مؤامرات الاعادى.