رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

هموم مصرية

القناة والسخرة.. حقيقة أم وهم

كلام كثير قيل حول السخرة فى حفر قناة السويس القديمة.. ولكن بعضه كان مبالغاً فيه.. خصوصاً ماقيل عن وفاة 120 ألف مصرى خلال حفر هذه القناة.. بينما كان عدد سكان مصر وقتها حوالى «4» ملايين شخص ورغم ذلك، سقط الآلاف، ضحايا فى الحفر.. ومن لم يمت عطشاً مات جوعاً.. أو من الكوليرا والبلاجرا وغيرها من الأسباب.

<< وعموماً كان حكام مصر يجمعون الرجال للعمل فى المشروعات العامة، إما بالسخرة أى بدون أجر.. أو بمجرد وجبة طعام هزيلة.. وبالذات فى مشروعات تقوية جسور النيل، لحماية الأراضى من الفيضانات العالية.. وكذلك فعلها محمد على نفسه، عندما أمر رجاله بجمع الفلاحين لحفر ـ وإعادة حفر ـ ترعة المحمودية عام 1820 لتوصيل مياه الشرب والرى من فرع رشيد الى الإسكندرية، وأيضاً فى بناء جسر أبوقير لحماية منطقة البحيرة من مياه البحر المتوسط.. كما لجأ لها الخديو إسماعيل لشق طريق الأهرام قبيل افتتاح القناة، إذ  جمع 10 آلاف فلاح لمد هذا الطريق خلال خمسة أسابيع لا أكثر.. تخيلوا!! ولكن ما هی حقيقة السخرة فى حفر هذه القناة بين بداية الحفر عام 1859 إلى نهايته عام 1869.

<< ينص عقد امتياز القناة الذى منحه سعيد باشا لصديقه دى لسيبس يوم 30 نوفمبر 1854. وكذلك الامتياز الثانى الذى منحه سعيد للرجل يوم 5 يناير 1856 «فى المادة الثانية» والمادة 22 على أن يكون أربعة أخماس العمال من المصريين. وتعهدت الحكومة المصرية ببذل مساعدتها للشركة وتكليف جميع موظفيها وعمالها، فى جميع دوائر المصالح، أن يمدوا الشركة بمساعدتهم لها، وقد فسرت الشركة هذه النصوص على انها تعهد من الحكومة بتسخير أربعة أخماس العدد الذى تطلبه الشركة من العمال، وأن يكونوا من الفعلة والفلاحين المصريين لإجراء أعمال الحفر والإنشاء ووضعهم تحت تصرف الشركة لتشغيلهم فيما تريده من الأعمال مقابل دفع أجورهم وشهدت السنوات الأولى من الحفر الذى بدأ من موقع بورسعيد يوم 25 ابريل 1859 أن سعيد باشا كان يؤيد تسخير الفلاحين للعمل. وكان يأمر بجلبهم من بلادهم وقراهم. وبلغ عددهم نحو 25 ألف عامل كانوا يقاسون الشدائد والأهوال.

وسجل الأدب الشعبى ـ فى هذه الفترة ـ بكائيات الأسر المصرية التى كانت تهتف باكية: بلدى، يابلدى.. والسلطة أخذت ولدى.

<< ومات سعيد باشا بالإسكندرية يوم 18 يناير 1863 وعمره «42 عاماً» وجاء إسماعيل باشا حاكماً لمصر. وحاول جاهداً تخفيف وتقليل المزايا التى حصل عليها دى لسيبس من سعيد باشا.. وبالذات باعتراضه على أربعة شروط من شروط الامتياز، وعمل على إبطالها.. وفى مقدمتها تعهد الحكومة بتقديم العمال الذين تحتاج لهم الشركة.. بعدد 20 ألفاً باستمرار.. وهنا عمدت الشركة الى طلب تعويضها عن عدم وفاء الحكومة المصرية بتقديم العمال وكان قد بلغ عددهم فى أواخر عهد سعيد «22» ألف مصرى وثانيها ملكية الشركة لترعة المياه العذبة واستغلالها لملاك الأراضى الذين يروون أراضيهم من مياهها!! وثالثها ملكية الأراضى التى ترى الشركة انها تحتاج إليها فى المشروع.

<< ولأن فرنسا لها اليد الطولى فى المشروع: من دى لسيبس نفسه وأصحاب الأسهم والإدارة لجأ الخديو إسماعيل الى امبراطور فرنسا نابليون الثالث يحتكم اليه، ويحكم بما يراه ويحسم الخلاف بين إسماعيل والشركة الفرنسية من أجل تخفيف هذه الشروط المجحفة، وكان من مطالب إسماعيل انقاص عدد العمال الذين تلتزم الحكومة بتقديمهم للشركة الى «6000» شخص لأن تسخير العدد الحالى «20 ألف شخص» يضر بالبلاد.. وبالزراعة.. مع زيادة أجور العمال وجعلها فرنكين لكل عامل فى اليوم لكى يعوض الفلاح ما يخسره من ترك بلده وأرضه، وما يبذله من الجهد للعمل فى الحفر.

وعارضت الشركة هذه المطالب بحجة أن خفض العدد من 20 ألفاً الى 6000 يعطل إتمام المشروع.. واشتد الجدل واندفعت صحف فرنسا تدافع عن الشروط القديمة.. وأصدر نابليون الثالث حكمه يوم 6 يوليو 1864 وتضمن إبطال حق الشركة مطالبة الحكومة بتقديم العمال المصريين وإلزام الحكومة فى مقابل ذلك بتعويض مالى تدفعه للشركة ومقداره 38 مليون فرنك أى مليون و520 الف جنيه مصرى.. كما حكم على مصر بسداد ما يرفع هذه الغرامات بما فيها مقابل حفر الترعة الحلوة وملكية الأراضى حول القناة حوالى 3 ملايين و360 الف جنيه.. أى حوالى نصف رأس مال الشركة وهو 8 ملايين!!.

<< وكان قرار التحكيم مجحفاً بمصر والمصريين.. ولكن الشركة عوضت ذلك بجلب عمال من إيطاليا واليونان وغيرهما.. أخذت تدفع لهم أجوراً أعلى مما تدفع للمصريين.. وتقول الوثائق «تحت يدى» إن إسماعيل أصدر تعليماته لمحافظى دمياط والدقهلية والشرقية بعدم توريد أى عمال للشركة مهما كانت الضغوط قبل وبعد صدور قرار التحكيم فى يوليو 1864 أى أن السخرة استمرت فقط لمدة 5 سنوات، أى نصف مدة الحفر.

<< وليس هذا دفاعاً عن إسماعيل.. ولكنها الحقيقة فى قضية حيوية هى السخرة.. وهنا نؤكد أن إسماعيل كان أول من فكر وأمر بإلغاء الرق والرقيق، وتجارة الرقيق فى أفريقيا.. وهذا يحسب له.

ونواصل غداً حكاية مشروع غير ـ وسيغير ـ حاضر مصر ومستقبلها.

عباس الطرابيلى