رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحن والاتفاق النووى الإيرانى

 

 

كان إعلان الاتفاق النووى الإيرانى مع مجموعة «5 +1» خطوة دراماتيكية فى إعادة توزيع موازين القوى فى الشرق الأوسط.. ونجح الرئيس الأمريكى أوباما فى تغليب وجهة نظره التى تبناها منذ 2009 بالتفاوض والحوار مع الجانب الإيرانى والوصول الى اتفاق علق عليه أن يتيح الفرصة لاتباع اتجاه جديد فى العلاقات مع إيران.. وبالطبع وعد إسرائيل بعدم التخلى عنها ومواصلة الجهود غير المسبوقة لتعزيز أمنها.. وأيضاً سعى لطمأنة دول الخليج.

< وفى خلال الماراثون التفاوضى الطويل قاد نتنياهو حملة كبيرة لإفشال الوصول الى اتفاق بين القوى الكبرى وإيران، ومن اللافت للنظر التصريحات التى أبداها قادة الغرب.. فقد عبر أوباما عن دهشته ـ وقال ان عليه أن يقدم بديلاً للتنفيذ.. أما فيليب هاموند فأكد أنه «من المستحيل عقد صفقة نووية مع إيران ترضى إسرائيل»، وانتقد فرانك فالتر شانماير وزير خارجية ألمانيا معارضة إسرائيل للاتفاق النووى «إن هذا الاتفاق مسئول وعلى إسرائيل أن تنظر اليه بعناية ولا تنتقد بتلك القسوة»، وذلك فى مقابلة تليفزيونية.. تلك التصريحات تعكس فهماً أمريكباً أوروبياً واضحاً تجاه قضية الحوار وإمكانية نجاحه فى تخطى ومواجهة التسليح النووى الإيرانى وكبح جماحه وايقافه لمدة زمنية لصالح السلم العالمى بل وإعادة خريطة التفاعلات الإيرانية الداخلية لتلقى بظلالها على طبيعة السياسات الإيرانية تجاه العالم وتجاه جيرانها... كل هذا فى مواجهة الصوت الإسرائيلى الزاعق وتجاهله.. وكذا رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران وعودتها الى الحظيرة الدولية ودمج التفاعل الحضارى الإيرانى فى إطار التفاعل الحضارى الإنسانى العالمى ما يقطع الطريق على رغبات التوسع والهيمنة لفصيل إيرانى بالداخل لصالح المواطن الإيرانى العادى الذى عانى ويلات نزوات الهيمنة وأكلافها والعقوبات الاقتصادية والعزل والمفارقة للسياق العالمى.

< فى حين تغلب الغرب على أزمته مع إيران والتى امتدت لأكثر من عقدين من الزمان وأزاح جانبا الهوى الإسرائيلى وفزعه ودعواته المحمومة لعدم  إتمام هذا الاتفاق... بل مضى فى سبيله وأبرم اتفاقه مع دولة هو يعلم أن نظامها شمولى وديمقراطيتها إقصائية لصالح مناصرى النظام... هذا الغرب هو نفسه الذى لم يصل أبداً الى حل جاد أو خطة عمل مشتركة مع الجانب العربى لحل المشكلة الفلسطينية... ولم يرضخ ويستجب لمطالب السلم العالمى التى يتحدث عنها الرئيس الأمريكى وغيره من القادة الأوروبيين فى دفاعهم عن الاتفاق النووى الإيرانى... وهذا يوضح بجلاء للمرة الألف أن القوة هى الحاكم الوحيد لانصياع القوى الكبرى والتفاتها... فالمشوار النووى الإيرانى وامتلاكه للمعرفة والآلية التنفيذية النووية كان هو مفتاح الفهم لحقيقة الدفاع الغربى عن السلم العالمى!!

<< ومن المدهش أن رحلة الصعود النووى الإيرانى وإن بدأت مع استكمال بناء مفاعل بوشهر وبناء ثلاثة مفاعلات أخرى بواسطة روسيا فى 1995 فى أعقاب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية... إلا أن تصعيد النشاط النووى كان قد بدأ فى عهد الرئيس خاتمى «1997 ـ 2005» الذى جاء حاملاً شعارات الإصلاح والتجديد والانفتاح والحرية والديمقراطية... وكان الصعود والاقتراب من نهاية مشوار امتلاك السلاح النووى قد تم فى عهد الرئيس المتشدد أحمدى نجاد «2005 ـ 2013» مما يوضح أن فكرة الاستقواء والهيمنة والتمدد هى فكرة ملتصقة بالقومية الإيرانية الفارسية الممتزجة مع ولاية الفقيه ولا فرق فى هذا المسار بين الانفتاح والانغلاق... «المحافظة والتشدد» و«التسامح والتجديد».

< من أبرز المكاسب الإيرانية طبقاً للاتفاق أنها ستدخل الأسواق العالمية باعتبارها بلداً منتجاً للمواد النووية لاسيما المنتجين الاستراتيجيين «اليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة»، وهكذا دخلت إيران نادى الكبار... وسيتم إلغاء الحظر والقيود المفروضة على عمليات التصدير والاستيراد التى فرضت من 35 عاماً... وأيضاً الإفراج عن الأصول والعوائد الإيرانية المحتجزة خارج البلاد والتى تكاد تصل الى 150 مليار دولار بسبب الحظر خلال الأعوام الماضية... النفط الذى يمكن أن يصل إنتاجه الى «4» ملايين برميل يومياً فى أقل من «3 أشهر» بعد رفع العقوبات وارتفاع عائدات النفط المقدرة بـ«25 مليار دولار» فى موازنة 2015 الى «100» مليار... وبالطبع إزالة الحظر المفروض  على البنك المركزى وشركة الملاحة والشركة الوطنية للبترول والوطنية لناقلات البترول وعودة إيران للنظام المالى العالمى وإزالة أى حظر أو قيود على مجالات التعاون الاقتصادى مع إيران على جميع الصعد.

< لعل من أبرز نتائج الاتفاق النووى الإيرانى هو عودة إيران الى الأسرة الدولية ليس كعضو فاعل فحسب بل كقوة إقليمية بارزة ومؤثرة لا سيما أن ذراعها ممتدة الى أربع دول عربية... فدورها محورى فى سوريا وحزب الله فى لبنان يمسك بالثلث المعطل ويمنع اكتمال النصاب القانونى لمجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية وذلك للمرة السادسة والعشرين فى جلسة 1/7/2015، ليظل كرسى الرئاسة شاغراً لما يقرب من عام ونصف العام.. أما فى العراق فقد ألقت بظلها كاملاً على صناعة القرار وما آل اليه العراق من تقسيم وتفتت.. فضلاً عن دعمها غير المحدود لميليشيات الحوثى وعبدالله صالح فى اليمن المنفجر بحرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله... ومن المدهش أن التمدد الإيرانى لم يطل أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية ولم يناوش الأقليات الشيعية الكبيرة فى أفغانستان وباكسان والهند، أى أن التمدد الإيرانى لم يجد قدماً له ناحية الشرق ولكنه وجد أبواباً مفتوحة غرباً فى بلاد العرب... ولعل هذا ما دفع رئيس لجنة العلاقات الخارجية السعودى بمجلس الشورى الى أن يصرح قائلاً: «أشعر بالقلق بشأن إتاحة مساحة أكبر لإيران أو إطلاق يدها أكثر بالمنطقة»... وتحدثت الصحف السعودية عن دعوات لامتلاك الوقود النووى على طريقة سياسة الردع.

< فى تلك المستجدات الإقليمية العميقة والعجز العربى عن إنتاج نظام إقليمى متكامل يبنى علاقات سوية مع الجميع ويحقق وجوداً وحواراً جاداً يتجاوز المذهبية وأحقاد الماضى ويفتح آفاقاً للتسامح وبناء المصالح المشتركة... وفى هذا التشاحن وتضارب المصالح العربية ـ العربية وانكفاء قوى عربية كبيرة على الداخل لديها واختفاء أخرى كبيرة بفعل الحروب الأهلية... فإن على مصر بثقلها ووجودها وقيادتها أن تتقدم لدورها الطبيعى طبقاً لمصالحها ومصالح الأمة العربية فى حوار حقيقى لصالح المستقبل مع إيران فى مواجهة الفتن المذهبية والحروب المؤسفة التى كبدت الجميع خسائر فادحة امتدت لأجيال... فهل تملك مصر المبادرة والرؤية وإرادة التغيير.