رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عنف التأويل الدينى

 

 

للتنظيمات الإرهابية أيديولوجية مُغلقة تستند إلى تراث دينى دموى موبوء، موغل فى التعصب والعنصرية والأصولية الظلامية والتخلف الفكرى بكل معانيه، هذه الظلامية نفسها تحمل خصائص الفكر الرجعى العدائى الاستبدادى المنحرف، وتدعو إليه بمختلف الوسائل التى تملكها أو لا تملكها إرساءً لتلك الخصائص وتدعيماً لأفكارها الرجعية المتبلدة التى حافظت عليها من طريق التقليد والاتباع.

هذه الرجعية الكاسدة كانت رفضت كل صنوف محاولات العقل التأويلية، حتى إذا هى اجتهدت فأولت اختارت العنف فأقامت عليه دعائم التأويل ليصبح عنف التأويل الدينى نصاً مقدساً هو الشغل الشاغل لكساد الحياة الفكرية لديها، ولينقلب «المقدس» من فوره تحت دعائم العنف المُأدْلَج إلى «مدنس». وبالمثل كانت رفضت كل الدعوات المستنيرة التى حَمَل مشاعلها دعاة التنوير ورعاة الوعى الروحى والفكرى فى ثقافتنا العربية والإسلامية، فهى بحق: نقطة سوداء فى جبين العقل العربى على التعميم.

كشف البحث الذى قدَّمه الصديق الدكتور «سامى عبدالعال»، أستاذ الفلسفة بآداب الزقازيق، مؤخراً فى مؤتمر «الفلسفة فى مواجهة العنف» عن فكرة العنف التأويلى للدين، إذ صار العنف باسم الدين يرسم صورة دموية لله هى نفس الصورة القديمة لآلهة الحرب، التى كانت غارقة فى الأساطير تحت غطاء الحروب المقدسة، فالجماعات الإرهابية وثنية حديثة تجدد الحواشى القديمة لآلهة الحروب، ولغة الخطاب الخاص بها تقطر دماً، وتفضى لا محالة إلى الموت، فمن يتأمل مصاصى الدماء الجدد المتشددين باسم الدين سيعلم أن متعلقات الإله الذى يعبدونه ليست إلا السهام والسروال الحربى والعيون الغاضبة والجباه النارية والأطراف المنتصبة والمبارزات الفتاكة: تجسيد غرائزى قبيح لتشوُّه الحب المفقود فى إله قتل وتدمير ليعود النص الدينى أسطورةً حول إله دموى بمجمل المعانى العنيفة، لا إزاء الآخر فحسب بل تجاه الأنا كذلك.

على أن التفرقة بين الله والإله ظاهرة بوضوح؛ فالله مفهوم دينى كتابى توحيدى متعالٍ مُنَزَّهُ عن لوثات البشر وتأويلات البشر، ولا يعرف الله على الحقيقة إلا الله كما فى مقولة أبى بكر الصديق التى عليها يستند الصوفية. أما الإله فهو مقولة قديمة ترجع جذورها إلى رسوم ونقوش وأخيلة حول المقدس، وهو بهذه الدلالة يرتبط بوجود الإنسان فى أزمنته المختلفة، فكل منا يتملك إلهاً لكننا لا نمتلك الله بحال. لقد أعاد الإرهاب الدينى اليوم تشغيل ماكينة الأساطير القديمة التى ربطت الآلهة بالحروب العنيفة، وتمَّ اعتبار الإله «تقنية عدم» تؤسس لأشكال الموت والإقصاء والبتر فى المجتمعات الإنسانية، ومن هنا صارت آلهة الحرب صورة ثقافية بمضمون فلسفى.