رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«إسلام».. وتناقضات حرية الفكر في مصر

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها باسم إسلام بحيري منذ شهور عندما اقترح عليّ البعض إدراجه ضمن دراسة كنت أقوم بها وتحليل خطابه تجاه الإسلام، بعدها بدأت في البحث على الإنترنت لتحديد موقفي وانتهيت إلى أن الأمر لا يستحق لأسباب تتعلق بطبيعة الدراسة التي كنت أقوم بها.

بعدها بقليل فوجئت بصور إسلام بحيري تملأ قاعات المقر الرئيسي لندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب يناير الماضي فكان الأمر بالنسبة لي رسالة شافية أكدت لي ما اعتبرته صدق حدسي في ظل ظروف أخرى لا مجال هنا لذكر تفاصيلها. لم يمر الكثير من الوقت حتى أصبح إسلام محوراً للجدل بشأن موقف الأزهر منه ومما يقدمه في برنامج له على إحدى الفضائيات، وقد تطور الجدل، كما هو في مثل هذه القضايا لينقسم الناس إلى فريق «مع» وفريق «ضد»، وهو الأمر الذي يمكنك أن تعتبره في عداد البديهيات أو كلاسيكيات الخلاف بشأن كل ما هو إسلامي في مصر.

وأذكر هنا للدلالة أن مقالات كتبها المفكر المغربي محمد عابد الجابري قبل رحيله بسنوات قليلة نشرها مسلسلة في جريدة الاتحاد الإماراتية حول تفسير القرآن الكريم، أثارت جدلاً في ساحات عدة في مصر فيما لم يلحظ أحد شيء يستحق مثل هذا الجدل سواء في الإمارات حيث مقر النشر أو في المغرب حيث يقيم الكاتب.

على هذه الخلفية أخوض ليس في مضمون ما يقدمه إسلام بحيري.. فذلك قد يكون له موضع آخر، فضلاً عن أن القضية قد تكون دخلت طي النسيان ومن الأفضل عدم النكء في جراح تداعياتها الآن.. وإنما أخوض في إبعاد الجدل الذي ثار حول ما يقدمه ودلالات هذا الجدل. وفي تقديري أنه يمكن تلخيص الخلاف الحاصل بشأن هذه القضية وتلك التي على شاكلتها بأنه يؤكد أننا في حاجة لنقطة نظام للتعامل وأن تحديد مثل هذه النقطة قد يحل الكثير من المشاكل التي تنشأ على خلفية مثل هذه القضايا.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل السياق الاجتماعي والديني الذي يقدم فيه إسلام بحيري رؤاه يتناسب مع ما يقدمه أم لا؟ قد يكون الرد –إن لم يكن من المؤكد– هو أن أي طامح للتغيير ينطلق في مواقفه من سعي لتغيير جميع السياقات المجتمعية التي يحياها وإلا فإنه لا معنى لمسعاه.

ورغم ما قد يبدو من وجاهة هذه الفكرة إلا أن الإقرار بها في المطلق قد ينتهي بنا إلى حالة من الفوضى التي لا مثيل لها. للتوضيح نقول إن السياقات السياسية والاجتماعية المختلفة قبل 25 يناير كانت تجعل من مسعى الإطاحة بنظام مبارك محاولة للانقلاب تستدعي المحاكمة لمن يسعى للقيام بها، فيما أنها اعتبرت خلال 25 يناير وما بعدها من أيام تجربة تدعو للفخر ورفع القائمين بها على الأعناق!

مؤدى ما سبق أن هناك نظاما يعكس مجموعة من الأفكار والقيم تسود المجتمع يجب على الجميع الالتزام بها وأن إسلام في ذلك قد يكون تجاوز هذا النظام وأن ذلك يفسر الهجمة الشديدة عليه من قبل الأزهر وغيره. ولتقريب وجهة نظري أكثر أشير إلى أنني قد أكون من بين قلائل لا يقرون بما استقر عليه عرف الدول والمجتمعات من احترام للعلم الوطني وأرى فيه مجرد قطعة قماش لا ينبغي أن تنال كل هذا التقديس الذي تحظى به، غير أن ما يجعلني أتصرف على نحو يخالف قناعتي هو ذلك التوافق المجتمعي الذي يتخذ شكلاً قانونياً، والذي تقف عنده حدود حريتي في الإساءة لمثل هذا العلم. وهو ما يذكرني بمقولة منسوبة لعمر بن الخطاب يقول فيها: وهو يقبل الحجر الأسود «والله إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك».

ينقلنا هذا إلى مستوى آخر من النقاش يتعلق بحرية الرأى والفكر.. ذلك أن مؤدى القول بالرؤية السابقة يحمل اتجاهاً يصادر على مثل هذه الحرية ويقمعها وهو الأمر الذي يتنافى مع طبيعة أي مجتمع يسعى للتطور والانتقال إلى الأفضل. وهنا أؤكد أنني أجد نفسي في الفريق الذي يقف مع «إسلام».. والذي يناصره انتصاراً لحرية الرأى وضرورات التغيير ومجمل الأهداف التي تجد ثناياها فيما يقدمه بغض النظر عن آلياته في التعبير عن هذه الأهداف.. غير أن التحفظ هنا يأتي على ما يمكن القول بازدواجية المعايير في التعامل مع هذه الحرية.

الأمثلة التي يمكن تقديمها هنا عديدة غير أنه لاعتبارات المساحة يمكن الإشارة إلى واقعة يشير إليها الفريق الآخر المعارض لبحيري ومن يناصرونه وتتعلق بإغلاق بعض القنوات الدينية. الموقف الذي لجأ إليه النظام آنذاك – وهي سلطة مثيلة في حالتنا موضع النقاش لسلطة الأزهر في حالة بحيري – وهو أمر لم يثر الجدل ذاته دفاعا عما يمكن اعتباره في التحليل الأخير حرية للفكر، مع التأكيد هنا على أن ازدواجية المعايير هنا قائمة لدى طرفي المواجهة.

السؤال باختصار: كيف ندير أحوالنا؟ بمزيد من الحرية للجميع دون حجر لفريق على آخر.. وتلك هي الفضيلة الغائبة في مصر وفي كثير من المجتمعات!

د. مصطفى عبدالرازق

[email protected]