رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الوهم القاتل ..

 

تكرار الكذبة مائة مرة خير من قول الحقيقة مرة واحدة .. تلك كانت فلسفة جوبلز وزير الدعاية في الحقبة النازية .. ولاأعرف ان كان بقصد أو بجهل سقطنا أو اسقطنا أنفسنا في بئر من الأكاذيب التي تروج لاعتبار ايران شراً مطلقاً وشيطاناً يجب  تحريم الاقتراب منه .

 ومن المفارقات الغريبة أننا في مصر تصالحنا مع اسرائيل ووقعنا معها معاهدة «كامب ديفيد» عام 1979 وهو نفس العام الذي اسقطت فيه الثورة الايرانية التاج الامبراطوري لأسرة بهلوي ، وهنا أتأمل .. هل كان ثمن الصلح مع اسرائيل أن نعتبر ايران العدو الاستراتيجي بدلا منها ونتبني الموقف الامريكي الذي وضع ايران ضمن محور للشر في العالم .

 وقد تساءلت وحاورت نفسي انه منذ عام 1979 بدأ الحصار المحكم على ايران من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وتوابعهما في العالم خاصة في  الشرق الأوسط  وكان من الطبيعي أن تتسق مواقف مصر واسرائيل ودول الخليج في معاقبة ايران على جريمة لم ترتكبها وليس معلوما بشكل محدد ماهي هذه الجريمة الوهمية ؟

ولعل أهم ما استوقفني في تأمل المسألة الايرانية أنه في الوقت الذي بدأ فيه الحصار المحكم على ايران وحرمانها من انتاج وتسويق كامل ثروتها البترولية انفتحت خزائن الدولة المصرية لاستقبال المساعدات المالية سواء التي حددتها كامب ديفيد او التي استمرت منتظمة من دول الخليج العربي ، وهنا كان السؤال الحتمي كيف اصبحت ايران بعد ستة وثلاثين عاما من الحصار وكيف اصبحت مصر بعد ستة وثلاثين عاما من ضخ المساعدات اليها والتي تتجاوز المائة  وخمسين مليار دولار ؟

واعتقد أن الصورة ليست بحاجة لكثير من الشرح – ايران تحت الحصار منذ عام 1979 وحتى 2015 اصبحت الدولة المحورية الاولي في المنطقة والأكثر تأثيرا في رسم الخرائط السياسية .. ايران التي لم نعرفها ولم نحاول أن نتعرف على حقيقتها من الداخل ليست ايران التي صورها الاعلام الغربي طوال العقود الثلاثة الماضية .. ايران الحقيقية تحت الحصار نجحت في تأسيس صناعات جديدة وحديثة ونجحت في تطوير التعليم ونجحت في ان تكون واحدة من أبرز 30 دولة في العالم تنفق على البحث العلمي وقدمت السينما الايرانية نفسها للعالم وأدهشت صناع السينما في اوروبا وهوليوود .. المرأة الايرانية حظيت بالكثير من المكتسبات خلال العقود الماضية ولم تكن ابدا خاصة في العقد الأخير هي المرأة المقهورة التي يطاردها حراس الدين والثورة في الشوارع كما أشاع وكذب الاعلام الغربي .

 ايران طورت تجربتها السياسية واصبحت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ايران محل اهتمام عالمي وتكشف عن تنافسية سياسية محترمة .. التنوع الثقافي والسياسي والاجتماعي في ايران كبير ويكفي اننا في غضون ثلاثة عقود تابعنا ايران تحت حكم يمين متشدد مرة ووسط معتدل مرة ثانية واصلاحيين من طراز فريد مرة ثالثة .. هذه هي ايران منذ عام 1979 وحتى 2015 عندما أجبرت امريكا والغرب على توقيع الاتفاق الذي يخص مشروعها النووي. أما عن مصر وما وصلت اليه في فضاء المساعدات الخارجية التي لم تنقطع يوما منذ اربعة عقود وحتى اليوم فليسمح لي القارئ العزيز أن أترك له التقييم والمقارنة ..

في مقدمة مؤلفه القيم « ايران .. الثورة الخفية « يقول المؤلف تييرى كوفيل .. من المؤكد أن ايران تنتمي الى هذه البلدان التي لانظير لأهميتها الاستراتيجية سوى جهل بقية الكوكب لها ، وبالأخص جهل البلدان الغربية .. وأتصور أن هذه الحقيقة الساخرة التي ساقها المؤلف تييرى كوفيل تستحق منا في مصر أن نعيد حسابات كثيرة خاصة بفهمنا وتصوراتنا عن ايران لأن استمرار حالة «  ايرانوفوبيا « التي لم نحاول القفز خارجها مرة واحدة ولو على سبيل التجريب سيقتل داخلنا أي قدرة عقلية على التفريق بين الواقع والأسطورة أو بين الوهم والحقيقة .. واذا كنا أفرادا ومؤسسات وسلطة حاكمة نأمل دائما فيمن يمارسون عنف التفكير والتدبير بأن يراجعوا أنفسهم فقد حان الوقت أن ندعو أنفسنا نحن لمراجعة هذه الكذبة التاريخية والتي تقول إن ايران هي الشيطان برغم أن حياتنا وما بها من مشكلات مستعصية منذ مايقرب من نصف قرن تؤكد أن الشيطان قد استأنسناه من داخلنا وطبعنا معه كثيراً من الأفكار والرؤى وطول الوقت لم يكن صناعة ايرانية .. بل ربما يكون قد انتقل الينا أو نقل داخل صفقات كثير من الذين نتصورهم اصدقاء ..