رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رؤية

«البابا» و«الحكيم» وحوار الكبار (2)

في الجزء الأول من المقال ، كانت الإشارة لنموذج طيب لحوار كان بين مفكر وكاتب كبير بقامة الراحل توفيق الحكيم والمتنيح قداسة البابا شنودة الثالث المفكر والمثقف وصاحب الرؤية الخاصة العملية في عملية تقارب أتباع الأديان المختلفة وضرورة العمل على توفير كل فرص العيش المشترك في سلام ومحبة بين أبناء الوطن الواحد..

وكانت الحكاية قد بدأت بطرح «الحكيم» سؤالا في مقاله الذي نشر في الأهرام يوم الاثنين 2/12/1985 أعيد نشره باختصار: قرأت في دفترى عبارة أفزعتنى, وسجلتها لأسال فيها حتى يطمئن قلبي.. عبارة في الاصحاح الثانى عشر من أنجيل لوقا قال فيها السيد المسيح: «جئت لألقي نارًا على الأرض.. أتظنون أنى جئت لأعطى سلامًا على الأرض، كلا أقول لكم بل انقسامًا.. فكيف والمسيح ابن مريم كلمة من الله، جاء ليلقى نارًا على الأرض.. فكيف يكون الله تعالى هو الكريم، وأنه كتب على نفسه الرحمة، ويقول في قرآنه أن المسيح كلمة منه.. والمسيح يقول في أنجيل لوقا أنه جاء ليلقي نارًا على الأرض؟ وغمرتنى الدهشة وقلت لا بُدّ لذلك من تفسير...فمن يفسر لى حتى يطمئن قلبى؟

وفي الجزء الأول من المقال أشرت لمقدمة بديعة كتبها البابا شنودة الثالث حول نسبة كبيرة من الآيات التي تشير إلى قيم الحب والتسامح والعيش في سلام التي شغلت معظم رسائل السيد المسيح للبشرية.

وفي متن الرد على سؤال الحكيم ، أعرض الجزء التالي من رد قداسته، ولست مستطيعًا أن أذكر كل ما ورد في الإنجيل عن رسالة السلام في تعليم السيد المسيح، إنما اكتفى بهذا الآن، وعلى أساسه نفهم الآيات التي هي موضع السؤال: وكمقدمة ينبغي أن أقول إن الإنجيل يحوي الكثير من الرمز، ومن المجاز. ومن الاستعارات والكنايات، من الأساليب الأدبية المعروفة.

جئت لألقى نارًا: وهى قول السيد المسيح «جئت لألقى نارًا على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت» (لو12: 49)

1 - إن النار ليست في ذاتها شرًا. وإلا ما كان الله قد خلقها. وليست بصدد الحديث عن منافع النار، ولا عما قيل عنها من كلام طيب في الأدب العربي. وإنما أقول هنا إن النار لها معان رمزية كثيرة في الكتاب المقدس:

2 -  فالنار ترمز إلى عمل الروح القدس في قلب الإنسان.

وقد قال يوحنا المعمدان عن السيد المسيح «هو يعمدكم بالروح القدس ونار» (لو3: 16) .وقد حل الروح القدس على تلاميذ المسيح على هيئة ألسنة كأنها من نار. (أع2:3). وكان هذا إشارة إلى أن روح الله ألهبهم بالغيرة المقدسة للخدمة. وهذه الغيرة يشار إليها في الكتاب المقدس بالنار. وهى النار التي أعطت قوة لتطهير الأرض من الوثنية وعبادة الأصنام. وهذه النار هي مصدر الحرارة الروحية. وقد طلب منا في الإنجيل أن نكون «حارين في الروح» (رو12: 11). وقيل أيضًا «لا تطفئوا الروح» (1تس5: 129)

3 - والنار ترمز أيضًا في الكتاب إلى المحبة: وقيل في ذلك «مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة» (نش 8: 7). وقيل أيضًا «لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين» (مت 24:14)

4 - والنار قد ترمز أيضًا إلى كلمة الله: كما قيل في الكتاب «أليست كلمتي هذه كنار، يقول الرب» (ار23: 29). وقد قال ارمياء النبي عن كلام الرب إليه «فكان في قلبي كنار محروقة» (أر20: 9)  لذلك لم يستطع أن يصمت. على الرغم من الإيذاء الذي أصابه من اليهود حينما أنذرهم بالكلمة.

5 - والنار في الكتاب ترمز أحيانًا إلى التطهير: كما قيل عن إشعياء النبي إن واحدًا من الملائكة طهر شفتيه بجمرة من النار. (أش 6: 6, 7) وإن كانت النار تحرق القش، إلا أنها تنقي الذهب من الأدران، وتقوى الطوب الطين وتجعله صلبًا. وكانت تستخدم في العلاج الطبي (بالكي) فالذي كان يقصده السيد المسيح: إنني سألقى النار المقدسة في القلوب. فتطهرها، وتشعلها بالغيرة المقدسة لبناء ملكوت الله، على الأرض، لذلك قال: «ماذا أريد لو اضطرمت».هذه النار قابلتها نار أخري من أعداء الإيمان تحاول إبادته. وهكذا اشتعلت الأرض نارًا، كانت نتيجتها إبادة الوثنية، بعد اضطهادات تحملها المسيحيون».

هناك إذن نار اشتعلت في قلوب المؤمنين، ونار أخرى اشتعلت من حولهم. وكانت الأولى من الله، والثانية من أعدائه.

والسيد المسيح نفسه تعرض لهذه النار المعادية، لذلك قال بعد هذه الآية مباشرة، يشير إلى آلامه المستقبلية، «وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟» (إنجيل لوقا 12: 50). وبنفس الأسلوب تحدث عن صبغة آلامه في (مت20: 22 مر10).

وللموضوع بقية ..

[email protected]