رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العصافير النووية

فى دنيا السياسة ما نراه رؤية العين لا يكون انعكاسا حقيقيا للواقع؛ ولكن تأكيد على أنه لا كلمة تعلو فوق كلمة المصلحة، فالشعارات الاخلاقية التى تتلفح بها القوى الامبريالية من نشر الديمقراطية، والمحافظة على حقوق الانسان، وعدم التفرقة على أساس دينى وعرقى ماهى إلا وسائل تعلق عليها أطماعها فى خيرات الشعوب.

وما حدث مؤخرا من الاتفاق النووى الايرانى لا يخرج فى مجمله عن هذا الإطار. قد يرى البعض أن ما حدث بمثابة انعطافة جديدة في سياسة الجمهورية الإسلامية الخارجية، ولكن الحقيقة أنه تكملة للاتفاقات والعهود المبرمة ضمنيا بين إيران والقوى الإمبريالية فلا توجد تخمينات متعلقة بعلاقات إيران بالولايات المتحدة والقوى الغربية، وبدور إيران وموقعها الإقليمي. ولكن ما حدث لا يخرج عن كونه صفقة سرية موازية للاتفاق النووي حول تحالف أمريكي - إيراني جديد، حان وقت ظهور بعض بنوده .. ألم يتساءل أحد من قبل لماذا حاربت أمريكا محمد مصدق، ودعمت الشاه.

لقد وقع الانقلاب على حكومة الزعيم الإيراني محمد مصدق، بعد أن احتدم الصراع بين الشاه ومصدق في بداية شهر أغسطس من عام 1953، فهرب الشاه إلى إيطاليا، في حين قام كرميت روزفلت ضابط الاستخبارات الأمريكي والقائد الفعلي للانقلاب الذي أطلقت المخابرات المركزية الأمريكية عليه اسماً سرياً هو عملية أجاكس (en:Operation Ajax)، بإخراج «تظاهرات معادية» لمصدق في وسائل الإعلام الإيرانية والدولية، وإطلاق الهتافات الرخيصة التي تحط من هيبة مصدق؛ بالتوازي مع اغتيال القيادات التاريخية للجبهة الوطنية التي شكلها مثل الدكتور حسين فاطمي الذي اغتيل بالشارع في وضح النهار.

حدث هذا رغم أن حكومة محمد مصدق كانت ستعمل على نشر العلمانية وتعزيز الحريات الشخصية على نطاق واسع؛ وهو أول وآخر من وحد بين مختلف الأجنحة الدينية والعلمانية القومية في بوتقة واحدة وجمع بالتالي ما بين الدين والمبادئ الديمقراطية الأساسية وبذلك كانت هناك فرصة لتحقيق المصالحة بين هذه التيارات؛وتحقيق الطموحات القومية الإيرانية. وبالطبع هذا لا يهم أمريكا المنادية بالديمقراطية والعلمانية ولكن يهمها أن محمد مصدق قام بتأميم الشركة النفطية الإيرانية-الانجليزية سنة 1951. ومن المعروف أن جهاز المخابرات البريطانية «إم-آي 6» هو أول من خطط للتخلص من محمد مصدق وإعادة تنصيب شاه إيران من جديد.

والسؤال الثانى الكاشف لما يحدث الان لماذا ساندت فرنسا الخميني ضد الشاه؟ لماذا حمت دولة علمانية غربية مثل فرنسا ثاني أكبر تجمع صهيوني في العالم الخميني ووفرت له المأكل والملبس والمسكن وساعدته على الإطاحة بنظام الشاه العميل أصلا لها وللغرب ولأمريكا خاصة.

والطريف أن د. أبو الحسن بني صدر الرئيس الإيراني الأسبق يؤكد أن هناك علاقات للخمينى مع الامريكان، لأن الخميني انتظر ما يقارب التسعة أشهر قبل أن يأخذ موقفا حاسما من الأمريكيين، وجاء موفدون من البيت الأبيض إلى «توغل لوشاتو» في فرنسا واستقبلهم آنذاك ابراهيم يزدي الذي كان وزيرا للخارجية لحكومة بازركان في طهران وعقد اجتماعا ضم مهدي بازركان الذي أصبح رئيسا للوزراء وموسوي أردبيلي أحد الملالي الذي أصبح بدوره رئيسا لمجلس القضاء الأعلى، خرج المجتمعون باتفاق يقضي أن يتحالف رجال الدين والجيش على إقامة نظام سياسي مستقر في طهران.

ويؤكد د. أبو الحسن بني صدر أن موضوع خطف الرهائن مسرحية أمريكية نفذت في إيران، لخدمة مصالح الفريقين الملالي في إيران، والجمهوريين في أمريكا الذين كانوا يريدون تغيير نفسية الأمريكيين الذين استكانوا للسلام بعد حرب فيتنام، حتى أنهم عادوا إلى عزلتهم المعروفة، لهذا كان يجب إيقاظ الروح العدائية عندهم باستغلال موضوع الرهائن. والنتيجة كانت وصول الجمهوريين إلى السلطة، وقيل كثيرًا إن الخطة كانت من إعداد هنري كسنجر والسيد روكفيلر ولم تكن بالتأكيد من إعداد الطلبة الثوار ، ولم يوجد طالب واحد يحدثنا عن مخطط العملية حتى الآن، ولم يعرف في إيران حتى اليوم من الذي خطط لعملية الرهائن.

ومن منطلق دروس الأمس التى مازال بها الكثير من الاسرار التى تكشف تباعا نرى العصافير النووية التى لا تصطادها فقط أمريكا، ولكن تحولها الى غربان تطلقها فى المنطقة العربية إيذانا بخرابها!.. فما حدث ما هو إلا هجمة شرسة تآمرية ضد كل بلاد المنطقة العربية بعد فشل مخطط الربيع العربى لتحقيق مآربه، واستكمالا لمخطط إشعال العنف الطائفى السنى الشيعى، لتكتمل الصورة مع ما زرعوه من قبل فى سوريا وحزب الله فى لبنان والشيعة فى العراق، والحوثيين فى اليمن، وكل هذا يحزمه عمالة قطر وتركيا فى المنطقة.

فهل يعقل أن أمريكا التى دمرت العملة الإيرانية بالحظر الاقتصادى المميت تمد يد العون للإيرانين بدون مآرب استعمارية، خاصة أن الاستعمار غير أقنعته وصبغ وجهه بمساحيق تجعله أكثر إنسانية، لأن كل ما يريد سيتحقق بدون الدخول فى حروب مباشرة، فشعوب تلك الدول ستقضى على نفسها بأيديها، وستعطى خيراتها وتسلم مفاتيح خزائنها ما بين اتفاقات دولية لشراء الاسلحة المكدسة فى مصانع الغرب لتقتل بها أولادها، واتفاقات أخرى لإعمار البلاد التى دمر كل ما فيها من بنية تحتية.. والأكثر خطورة أنها لن تستطيع ترميم وإصلاح البشر الذين سقطوا فى تلك البلاد إما بممارسة حقارة العمالة للغرب، أو بداء اليأس مع انهيار كل شيء.. فهل ننتبه ونستوعب الدرس قبل فوات الأوان؟