رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أرض الإله

تذكروا أبدًا.. فرعون اسم ملك بدوى هكسوسي.. فرعون ليس ملكًا جيبتيًا..  ايجيبت ترجموها عن عمد إلى مصر مصر هى عاصمة الرعاة، أرض الفيروز.. أما ايجيبت اسم أرضكم الأصلى، فيعنى.. أرض الإله.

هذه هى الكلمات الأخيرة فى برديات بنى الرعاة الذي قتله قومه مثلما قتلوا أخاه والتي تضمنتها رواية الكاتب المبدع والروائي الشاب أحمد مراد (أرض الإله).. لم تمت الرواية فى بلادنا ولم ينته عصر الرواية وقيمتها وإبداعها بعد رحيل كبار الروائيين فهذه الرواية الجديدة التى تضرب فى عصر الدولة البطلمية 250 عامًا قبل ميلاد المسيح عليه السلام وتاريخ مرحلة شديدة الخصوبة والخطورة فى سفر الدولة المصرية قديمًا وحديثًا يبحر أحمد مراد فى أسرار التاريخ المصرى مستلهمًا روح برديات الأسر الفرعونية القديمة والتى حرقت فى مكتبة الإسكندرية ويدعى بعض الأثريين أنها مازالت فى حوزة البعض بعد اكتشافها فى إحدى المقابر الفرعونية.. القصة إن تم تناولها من المنظور التاريخى تفقد إبداعها وتوهجها بالرغم من أن التاريخ يشكل العمود الفقرى وهيكل المعبد الذى بنيت عليه أحداث الرواية وصراعها وكذلك رسم الشخصيات وتتابع الأحداث ولكن محاولة الربط بين الرواية والتاريخ باعتبارها مصدرًا للتأريخ وللتوثيق والجدل المثار حول صدق المعلومات والأسماء والأحداث ومدى مطابقتها للكتابات التاريخية عن تلك الفترة فإن هذا التراشق الفكرى لن يؤدى إلى قراءة سليمة للعمل الأدبى من منظور الإبداع والخيال.

القصة لها ثلاثة محاور رئيسية أولها قصة البرديات التى تركها الكاهن ماثيون بعد أن قتله شؤول وتلك البرديات تحوى قصة بنى الرعاة موسى منذ ميلاده حتى خروجه إلى التيه والتجلى الإلهى فى صحراء الفيروز وأرض القمر سيناء الحبيبة.. تلك البرديات تتشابك مع القصة الثانية للملك الفرعون الذى يريد هو وكبير قصره مردخاى اليهودى الحصول عليها من الكاهن تلميذ ماثيون «كاى» والذى حصل عليها ليترجمها إلى اللغة اليونانية وهنا تبدأ القصة الثالثة والمحورية بين كاى الكاهن وبين ناديا الغانية التى يعشقها ويحبها وينجب منها طفلة ولكنها تحاول إحراق بردياته المترجمة وتنجح إلى حد كبير فى ذلك.. البرديات تروى قصة النبى إدريس المصرى والذى يعتقد أنه أوزوريس وأيضا سيدنا موسى ويوسف وبداية دخول بني إسرائيل أرض مصر وعلاقتهم بالهكسوس، كل هذا فى إطار يجمع بين التاريخ والخيال الحر المنطلق بلا حدود ولا قيود ولكن فى رصانة لغوية وسردية إبداعية وصراعات متتالية وتشويق وإبهار بصرى وفكرى يضع تلك الرواية فى مصاف الملحمة الأدبية المعاصرة إلى حد كبير.

العمل الأدبى مليء بالتفاصيل عن البيئة الفرعونية أو المصرية القديمة وأسماء هرطقية ومصرية وايجبتيه.

وعلى الجانب الآخر سوف تهاجمها الصهيونية العالمية وتعدها عملاً معاديًا للسامية خاصة أنها تضرب تاريخ بنى إسرائيل فى مقتل وتفند الكثير من ادعاءاتهم عن أرض الميعاد وعلاقتهم بالتاريخ المصرى الفرعونى وكل تلك الآثار والانجازات التى يريدون أن يستولوا عليها وينسبوها إلى تاريخهم المزيف.

متعة القراءة والتفكير والربط بين الماضى والحاضر لا تجعلنا نغفل سرد أحمد مراد فى البرديات عن قصة سيدنا يوسف وموسى فى متن روائى يجمع بين الدين والخيال الإبداعى والرواية داخل الرواية أو التناص الأدبى المرادف للتناص التاريخى والتناص السياسى والفكرى وهو تقنية إبداعية تنتمى إلى مرحلة جديدة فى السرد، إذا كان أرسطو يقول إن المؤرخ يموت حين يظهر الشاعر المبدع لأن كليهما يقف على طرفى الحافة لنهى الحقيقة، فأحدهما يكتب الواقع كما يراه والثانى يتخيل الواقع كما يريد أن يراه.. وهنا نجد أن أحمد مراد قد أعاد للرواية المصرية الروح من جديد واستدعى التاريخ ليكتب الحاضر ويعطى الأمل بأن مصر سوف تظل أرض الإله الذى تجلى عليها وبزغت فوقها أول حضارة عرفها الإنسان هذا هو الأدب والفن حين تمتزج الكلمة بالمتعة بالفكر بالروح فإذا بالحياة تعود لنا من جديد.