رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وتسربت الأيام والليالى

 

 

هناك ارتباط قوي بين الدين والفنون فالاثنان ينبعان من القلب.

الدين والفنون يدعوان إلي التسامح والحب والخير والحق والجمال.

مع بداية شهر رمضان يدب الصراع بين وسائل العرض المختلفة وبين نجوم التمثيل والإنتاج والإخراج ومتعهدي الحفلات.

زمان كان للراديو باع كبير، ترتب عليه أن تعلم جيلي كيف أسمع وأركز وأتخيل ويحدث التفاعل داخلك لكي تتثقف فعلاً وتعلو بفكرك ثم تبدع.

الراديو كان يصور الصراع الإنساني من خلال التمثيلية، حوار ومؤثرات صوتية وموسيقي، وهناك برامج حوارية هادفة وذكريات وتجارب ومناقشات تجذب أذن المتلقي مثل «ألف ليلة وليلة» و«ساعة لقلبك» و«أحسن القصص» و«شاهد علي العصر» و«في ظلال القرآن» وغيرها الكثير، و«مع مكتبة فلان» و«الموسيقي العالمية والشرقية»، كل هذا ينمي خيالك حتي تكتمل الصورة في ذهنك.

جاء التليفزيون وجذب عين المشاهدين مع أذنه وهناك فرق بأن الراديو ممكن أن تسمعه في خلفية الممارسات الحياتية، أما التليفزيون فيجب أن تجلس أمامه لتتابع الصورة والمشاهد المختلفة فلا تمثيل ولا يحزنون مجرد كاميرا تنقل مشاهد وحواراً وألواناً وحركة، طبعاً كل دي عوامل تجذب عين المشاهد وحواسه.

أدي التليفزيون إلي العزوف عن القراءة عند غالبية الناس وأنا شخصياً استمتع بالقراءة وأنا أسمع من الراديو في الخلفية أم كلثوم وأساطين الطرب أو مقطع من موسيقي القدر أو البطولة لبيتهوفن أو بحيرة البجع أو شهرزاد وكذلك موسيقي خاتشادويان الشعبي الروسي الجنسية العظيم، الراديو ساعدنا علي القراءة الجيدة التي يفتقدها الشباب حالياً، وكذلك زيادة القدرة علي التخيل والإبداع.

تعرض القنوات ما لا يقل عن 80 مسلسلاً، إشي حصري وإشي مش حصري، والناس رايحة بالريموت من هنا إلي هناك وهم جالسون يلتهمون الفواكه والحلويات ويشربون الكانزات والعصائر والفطائر ويربون الكروش والعقل متوقف عن التخيل وبالتالي الفكر ينضب من محاولات الإبداع.

أنا بستغرب الناس بتتحمل ده إزاي متابعة المسلسلات زي ما يكونوا حيمتحنوا فيها في آخر الشهر الكريم!.. هل رمضان من غير مسلسلات يكون مش رمضان.. الموضوع زاد عن حده والأزهر نايم في العسل!

من خلال الدراما نكشف المسلسل الإنساني فنجد أن الناس فعلاً تغيرت، ناس كتير، يتضح ذلك من خلال مشوار حياتنا الذي تنقله المسلسلات عبر قصص وحكايات الصراع بين البشر سواء سكان القصور أم العشوائيات وكذلك داخل أروقة الحكومة وأضابيرها من خلال أحداث سياسية تكشف عورات مما نعيش فيه من عدم شفافية ونفاق وإهمال وفساد وتلزيق وهذا لن يبني دولة حديثة لأن كل الحلول والممارسات تقليدية لا فائدة منها ولا تقوم من ورائها دولة حديثة.

تمر الأيام ونكشف أصل البشر ونتعرف علي وجوههم الحقيقية، فالناس لا تتغير مع مرور الزمن بقدر ما يتكشفون حقيقتهم.

في كل الأحوال تفاجئنا الصدمة ونشعر بخيبة الأمل ونلعن الزمن الذي خدعنا أولاً ثم كشف لنا بعد ذلك المستور.

وذلك المسلسل الإنساني مستمر باستمرار الحياة والمسلسلات الرمضانية التي تقييمها يحتاج كتابة مقالة خاصة لاحقاً.

لا شك أن مشاغل الحياة وهمومها تجرفنا دائماً في طريقها بلا رحمة وبالطبع لا نترك لنا أي فرصة لالتقاط الأنفاس.

وقد لا تجد الوقت المناسب لعمل اللي نفسك فيه وبذلك تتسرب الأيام والليالي من بين أصابعنا وغالباً ما ندرك ونقول الحمد لله إحنا أفضل من غيرنا، ونحن نتقطع من الداخل بالإحساس مع مسلسل إنساني، مرغم أخوك لا بطل.

هناك طبعاً فرصة لصد هذا الانجراف المتواصل لقطف الابتكار وتشويه الإبداع ورغبة الابتعاد عن اليأس والسلم.

إذن المطلوب هو إيجاد لحظات وساعات لكي تلتفت فيها لنفسك وتعمل اللي نفسك فيه وعايزه فعلاً.

كل هذا يدور في ذهنك وأنت جالس تتابع مسلسلات رمضان حيث تتابع مسلسل حياة الآخرين بحلوها ومرها وقلبك يدمي وعينك تتوه فيما تريده ونفسك فيه الذي يجسد أمامك بالصدفة حسب سياق الأحداث التي صاغها الكاتب.

المسلسل الإنساني نعيشه لحظة بلحظة ولكن تجرفنا آليات الحياة وننسي أنفسنا، خاصة أن الإنسان المصري أصبح لا يعرف نهاره من ليله، ولا يعرف إلي أين ذاهب بأولاده وأحلامه.. الدولة في اتجاه والشعب تايه في اتجاه آخر.

الكل سائر من غير هدف وينتظر الفرج.

الفرج المنتظر أصبح في مصر من خلال السبوبة، والرشوة والفساد والسرقة والإجرام والبلطجة وغياب العدل وأصبح المال الحرام عند المهمشين والمحرومين حلالاً.. كارثة اجتماعية خطيرة!

يمر المسلسل الإنساني بأزمات تعود علي الإنسان المصري بالاستغراب واليأس والاستسلام.

الإنسان المصري يعيش ويحلم ويبكي ويتحسر وهو يشاهد مسلسلات رمضان.

 

 

المنسق العام لحزب الوفد

رئيس لجنة الثقافة والفنون