رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نافذة

العقل زينة

عندما تلجأ للغة العقل حين تتحدث عن قضايا عامة في بلادنا، عادة ما يأتيك الرد من المتلقي في أحيان كثيرة إما بالرفض أو بالنفور، ولكن لو خاطبت الناس بلغة العواطف في شئونهم العامة، فستجد فصيلا يؤيد ما تقول وآخر يرفضه؛ لأنك تدغدغ مشاعر الحب والكره لما تقوله مدفوعا بالعاطفة.. وعلى مدى عشرات السنين نجح الزعماء في بلادنا حين خاطبوا العاطفة، وفشلوا حين حاولوا مخاطبة العقل.. وقد أكد هذه الفكرة الدكتور زكي نجيب محمود أستاذ الفلسفة الراحل، وأحد أعلام النهضة الأدبية مصر في «قصة عقل»، وطالب منذ سنوات عديدة بأن نُربِّي الأجيال الجديدة على وقفة، يفرق فيها بين ما هو عام فيحيله إلى العقل وادواته، وما هو خاص فلا بأس عندئذ في الاحتكام للغة الشعور.

مخاطبة الجموع تتطلب قدرًا فائقًا من المعرفة بلغة العواطف، لاستنهاض الهمم وقبول القرارات الصعبة والإعداد للمستقبل. ولكن لا يمكن الغاء إعمال العقل  في شئوننا حتى لا نتعرض للمصائب الواحدة تلو الأخرى، والأمثلة كثيرة منذ فترات الطفولة مرورًا بالشباب، وحتى بعد الوصول إلى سن النضج والرُشد.. لايمكن أن ننهر طفل يعبث بأسلاك كهربائية، دون أنْ نُبيِّن له خطورة الأمر، ولا يمكن أن نَنهى شاب عن اللجوء للمخدرات، دون أن نعرفه بعواقب فعلته، ولا يُمكن أنْ نطلب من الكبير الابتعاد عن مصادر الخطر، دون أنْ نوضح له أنها تُشكِّل خطرًا حقيقيًا على حياته وحياة من يُحب.

ولكنْ عندما تحدثنا للسيدات عن خطورة الحمل والإنجاب المتكرر كثيرًا لم تصدق، لأنها لم تعتد الكلام بالعقل فلم تسمع.. ولم يستمع الشباب للحديث عن خطورة المخدرات، أو التطرف الديني، فانخرط في واحد من السبيلين، لأنهم لم يعتادوا منذ الصغر على تقبل لغة العقل والحجة، فذهبت النصائح العلمية وشبيهاتها أدراج الرياح ولم تعِ الدولة ومعها كل المؤسسات بما فيها مؤسسة الأسرة ـ إن جاز التعبير ـ هذا الدرس، فأصبحنا أمام أجيال غير قادرة على تقبل لغة العقل.

ولو حاولنا فهم سبب عدم لجوء المسئولين عن التنشئة إلى هذا الأسلوب، سنكتشف أن فاقد الشيء لا يعطيه، فقد تربوا على عكس ذلك فكيف يتنبهون إلى أهمية غرس قيم لا جذور لها لديهم، ولا أستثني نفسي من هذا الأمر، حيث ألجأ كثيرًا إلى لغة العاطفة بدلًا من العقل في شئون عامة وخاصة على السواء.. ولذا نندهش جميعا عندما يتعامل الشرق والغرب معنا ببراجماتية استنادًا إلى المصلحة والعقل، الذي قاموا بتشغيله وإعماله، ولم يتركوه مثلنا مجرد ديكور أو زينة فنقول دائما: «العقل زينة».