رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

الدكتور عباس شراقى فى حوار لـ«الوفد»:

«سد النهضة».. قنبلة مائية!

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 25 أغسطس 2022 09:05
«سد النهضة».. قنبلة مائية!الدكتور عباس شراقى أستاذ جيولوجيا المياه بكلية الدراسات الأفريقية
حوار: صابر رمضان تصوير: محمود سالم

 

20 مليون سوادنى مهددون بـ«طوفان نوح» فى حالة انهيار السد

 

الدكتور عباس شراقى أستاذ جيولوجيا المياه بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة أحد الخبراء الثقات فى مجال البحوث والموارد المائية.

 

حصل على بكالوريوس العلوم «جيولوجيا» من جامعة المنوفية 1983 ثم دبلوم الموارد الطبيعية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية جامعة القاهرة 1987 ثم ماجستير فى الموارد الطبيعية عام 1990 ونال درجة دكتوراه الفلسفة فى الجيولوجيا من جامعة كلورادو بولدر بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2000.

الدكتور عباس شراقى فى حوار لـ«الوفد»:

عمل «شراقى» رئيسًا لقسم الموارد الطبيعية بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة لمدة 3 سنوات (2015- 2018) ثم مديرًا لمركز تنمية الموارد الطبيعية والبشرية فى أفريقيا، ونائب مدير مركز المعلومات والاستشارات الأفريقية بجامعة القاهرة (2010-2011). أشرف على أكثر من 35 رسالة علمية فى مجال الجيولوجيا والمياه وشارك فى تحرير وإصدار 6 كتب عن حوض النيل، كما نشر له حوالى 70 بحثًا علميًا فى الداخل والخارج.

 

«الوفد» التقت الخبير الجيولوجى الدكتور عباس شراقى أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، وهذا نص الحوار.

مصر تؤجل «خيار القوة».. والمسارات السياسية لا تزال مطروحة

 

< متى بدأت أزمة سد النهضة؟

<< تبدأ قصة سد النهضة منذ الخمسينيات، عندما بدأت مصر فى تنفيذ السد العالي، فقد كان هناك اتفاق مصرى- أمريكى للتعاون فى بناء السد العالى، ولكن لأسباب سياسية انسحبت أمريكا من هذا الاتفاق، ونصحت الرئيس جمال عبدالناصر بأن يصرف النظر عن بناء السد العالى، وانسحب البنك الدولى أيضا من التمويل، فأصبح الرئيس عبدالناصر فى مأزق، وبالتالى كان ذلك فرصة مواتية أن يتواجد الاتحاد السوفيتى فى الشرق الأوسط، وبالذات فى مصر كدولة رئيسية، وبالفعل رحبت مصر بالتعاون السوفيتى، وبدأنا فى بناء السد العالى وتم وضع حجر الأساس له سنة 1960، وأمريكا بعد العدوان الثلاثى مباشرة فكرت فى الانتقام بطريقة أخرى وهى قطع مياه النيل عن الوصول إلى مصر، وبالتالى يصبح السد العالى فى هذه الحالة لا قيمة له لعدم وجود مياه، ومن ثم تقدمت إثيوبيا عن طريق مكتب الاستصلاح الأمريكي، وهو أكبر هيئة فى أمريكا للتنمية والاستصلاح والمياه لدراسة بناء سدود، وقامت هيئة المكتب بزيارة إثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق الذى يأتى منه 60٪ من مياه النيل ودراسة الأماكن التى يصلح عمل سدود فيها. وبالفعل بدأ العمل سنة 1958، وانتهى سنة 1964، أى لمدة «6» سنوات فى إثيوبيا بالتفصيل وخرجوا بسبعة مجلدات توصى بإقامة 33 مشروعًا على هذا النهر «النيل الأزرق» وسد النهضة أحد هذه المشروعات وهذه المشروعات منها «4» سدود كبيرة هى التى تخشاها مصر، لأن تخزينها يكون بكميات كبيرة، أما بقية السدود فهى صغيرة ليس لها تأثير، فتخزينها من الممكن أن يكون 3 أو 4 مليارات متر مكعب لكن معظمها تخزينه أقل من مليار. وإجمالى تخزين الأربعة سدود يتعدى «200» مليار متر مكعب، فسد النهضة هو أحد هذه السدود، التى وضعت ضمن التخطيط الأمريكي، وبعد أن قامت إثيوبيا بثورة واستقلت، بدأت بعد سنة «2000» فى إقامة مشروعات للتنمية وتوليد الكهرباء، وبالفعل افتتحت مشروعًا فى «2009» على نهر عطبرة، وهو أحد أنهار نهر النيل ولكن لم يكن هناك رد فعل مصرى حول هذا المشروع وهو يخزن «9» مليارات متر مكعب، وفى «2010» افتتحت مشروع «تانا بلس» وهو يجمع بين بحيرة «تانا» ونهر «بلس» بينهما جبل أقاموا نفقاً يوصل المياه من بحيرة «تانا» إلى مجرى النهر حتى يكون النهر به مياه طوال السنة، لأنَّ المياه لا توجد فى النهر إلا فى موسم المطر فقط، وهذان هما المشروعان اللذان تم افتتاحهما.

الدكتور عباس شراقى فى حوار لـ«الوفد»:

الموقف السودانى يتغير للأفضل بعد انحيازه لإثيوبيا فى عهد «البشير»

 

< وماذا حدث فى 2011؟

<< بعد أن  قامت ثورة يناير «2011» أعلن عن إنشاء «سد الحدود» بهذا الاسم لأنَّه على الحدود السودانية، وهو أحد المشروعات فى الدراسة الأمريكية فى فبراير «2011» وتم وضع حجر الأساس فى 2 إبريل فى العام نفسه، وبلغ ارتفاع السد فى المواصفات الأمريكية 85 مترًا بسعة تخزينية 1و11 مليار متر مكعب، ولكن رئيس وزراء إثيوبيا فى ذلك الوقت «ميلس زيناوى» كانت له تطلعات وأحلام كبيرة وكان يرغب أن يكون «عبدالناصر» الثانى فى القارة الأفريقية، ويريد أن ينال شعبية مثل شعبية «عبدالناصر» داخل إثيوبيا وعلى المستوى الأفريقى، وبالفعل لديه الاتحاد الأفريقى فى أديس أبابا وكان يرأس عدة لجان، وبالتالى كانت له شخصية على مستوى القارة الأفريقية، وبالنسبة للشعب الإثيوبى فلديه «80» مجموعة عرقية، فإثيوبيا دولة مفككة مكونة من مجموعات عرقية مختلفة فى الديانة، والعادات والتقاليد، وبينهم قتال وقد رأينا جزءًا منه فى العام الماضى من «تيجراى» وهى أقلية حوالى 6 ملايين نسمة فأراد «زيناوى» أن تكون له شعبية عندما يقيم مشروعاً، لإنشاء أكبر سد فى القارة الأفريقية، لكن عندما يصبح سداً بالمواصفات الأمريكية لتخزين 11 مليار متر مكعب فلن يضيف له، لأنه أقام قبلها سداً على نهر عطبرة اسمه سد «تاكيزى» تخزينه 9 مليارات ولم يحدث شىء، وشعبيته كما هي، ولم يتحدث عن هذا المشروع كمشروع عملاق.

 

دور أمريكا غير واضح.. رغم أنها تستطيع حل الأزمة فى ساعات

الدكتور عباس شراقى فى حوار لـ«الوفد»:

ولذلك أراد أن يقيم مشروعاً هو الأكبر على مستوى القارة الأفريقية فاستغل فترة انشغال مصر بثورة «2011» يناير فغيَّر المسمى وقاد حملة داخلية لجمع الشعب الإثيوبى حول مشروع قومى مثلما فعلت مصر أيام إنشاء السد العالى، وكان سد النهضة اسمه «سد الحدود» إلا أنه غير اسمه فى فبراير إلى اسم حماسى يلهب مشاعر الناس فأسماه «مشروع إكس» أى مشروع قاطرة التنمية، وأراد أن يكون الارتفاع والتخزين أكثر من التصميم الأمريكى فأقام سد «السرج» وهو سد مقوس مسئول عن تخزين المياه قبل «سد النهضة» حتى لا تعود المياه إلى وادى نهر النيل فأصبح مشروع سد النهضة يتكون من سدين اثنين، سد رئيسى على مجرى النيل الأزرق، وهو الجسم الخرسانى الذى يضم التوربينات ومهما بلغ ارتفاع هذا السد فلن تتجاوز قدرته على التخزين أكثر من 14 مليار متر مكعب، وأكثر من ذلك فإن المياه تنصرف إلى وادٍ على بعد 5 كيلومترات، وهذا الوادى متصل بالنهر من خلف السد، لذلك عندما أرادت إثيوبيا رفع التخزين إلى 74 مليار متر مكعب عبر إغلاق الوادى أقامت سدًا آخر هو المكمل واسمه «سد السرج»، وهو حاجز للمياه وهلالى الشكل، فأقصى ما يمكن لإثيوبيا الوصول إليه خلف السد الرئيسى 14 مليار متر مكعب، ولذلك فخيار استخدام القوة ضد السد المكمل لا ينتهى بالتخزين خلف السد الرئيسى كما يزعم البعض، لكن مصر لم تطرح خيار القوة ولم تلوح به وتعتبره خيارًا أخيرًا، فهناك خيارات سياسية وقانونية لازالت مطروحة، وهو ماتسعى إليه مصر دائمًا للوصول إلى اتفاق عادل حول بناء وتشغيل السد، عن طريق وساطة القوى الدولية الكبري.

 

وكان الوضع فى مصر وقتها سيئاً، وفى مارس أراد تغيير الاسم إلى اسم وطنى حماسى على اعتبار أنه أكبر سد فى الألف سنة الجديدة فأسموه «سد الألفية الإثيوبى العظيم» ووضع حجر الأساس له فى 2 أبريل، وفى منتصف أبريل تم تغيير الاسم مرة أخرى وأصبح سد النهضة الإثيوبى العظيم، وما زال حتى الآن، فقد تم تغيير الاسم أربع مرات، إذن إثيوبيا استغلت الظروف المصرية رفعت المواصفات وغيَّرت الأسماء فأصبح لديها سدان بسعة تخزينية 74 مليار متر مكعب.

 

«زيناوى» كان يحاول استلهام تجربة «عبدالناصر» فى بناء «السد العالى»

 

< وأثناء حكم الإخوان؟

<< حكم الإخوان استغرق عاماً واحداً خاطفًا، وسد النهضة بدأت مشكلته فى فبراير 2011، فالدراسات بدأت أيام الرئيس الأسبق مبارك بدليل أنه ذهب إلى إيطاليا وقتها لكن كانت زيارته بخصوص سدود أخرى وليس سد النهضة، فلم يكن أيام مبارك لكن كان يبدو أنَّ المخابرات لديها علم أن إثيوبيا تفكر فى إنشاء سد النهضة لكن بمواصفات سد الحدود فى التصميم الأمريكى بسعة تخزينية «11» مليار متر مكعب، لكن لم يكن هناك تنفيذ ومبارك ترك الحكم فى فبراير، وقد وضع حجر الأساس للسد 2 أبريل «2011» وفى هذا التوقيت كان المجلس العسكري، وتولى «مرسى» الحكم فى يونيو 2012، وكان السد قد بدأت فيه أعمال الأساسات والحفر وتحويل المجرى، وكان تحويل المجرى فى يوم زيارة مرسى لإثيوبيا لحضور القمة الأفريقية، وعندما وصل مصر علمنا فى الإعلام أنهم حولوا مجرى النهر، فتم الربط بين الزيارة وتحويل المجرى لكنها كانت خطوة مسبقة بناء على أعمال هندسية، ثم غادر «مرسى» الحكم بعد ثورة يونيو 2013، ثم تولى المستشار عدلى منصور لمدة سنة حاولنا خلالها التفاوض مع إثيوبيا، وطلبنا تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدوليين وكانت تدين إثيوبيا لكنهم استغلوا انشغالنا أيضاً بالثورة حتى يناير 2014 وطلبت مصر تشكيل لجنة من الدول الثلاث مصر، إثيوبيا، السودان بوجود خبراء أجانب لكنهم رفضوا أيضًا، وظلَّ الموقف متجمداً حتى جاء الرئيس «السيسى» فى يونيو 2014.

 

وكان الاتحاد الأفريقى قد جمَّد نشاط مصر، وبعد انتخاب الرئيس «السيسى» فى يونيو وعمل الدستور، أعاد الاتحاد الأفريقى عضوية مصر، فقد علَّق عضوية مصر منذ 2013 إلى يونيو 2014، إلى أنَّ تم الاعتراف بثورة مصر، وفى الحقيقة فى هذه الفترة كانت أمام الرئيس «السيسى» تحديات كثيرة بسبب عدم اعتراف كثير من الدول وقتها بالثورة، وكان كل همَّ مصر فى هذا التوقيت إقناع العالم بثورة يونية، ومازالت الاختلافات حول دراسات هندسة السد التى تضم أمان السد وارتفاعه وسعته التخزينية، لأنَّ هذه النوعية هى التى ستحدد الارتفاع المناسب للسد والذى سيحقق لإثيوبيا الكهرباء وأقل ضرر على مصر والسودان.

 

< وما ردك على ما تروجه إثيوبيا من أنها تسعى لتحقيق التنمية بإقامة هذا السد؟

<< المشروع التنموى له مواصفات، فالسد بالتأكيد له هدف تنموي، ودائمًا السدود لها أهداف من أهمها الحماية من الفيضان، تخزين المياه لاستخدامها على مدار العام فى كل المجالات للاستفادة من المياه وقت الجفاف، نشاط سياحي، توليد كهرباء، وكلها فوائد لأى سد، لكن هناك سدود تكون أفضل من غيرها. وسد النهضة سيولد كهرباء، لكن لن تقوم زراعة حوله، لأنه لا توجد أراضٍ حوله للزراعة، وليس هناك مياه شرب، لأنَّ السد على الحدود الإثيوبية مع السودان وهى منطقة جبلية ليس بها مساحات زراعية قابلة للرى من هذه المياه والأرض منخفضة هناك، فإثيوبيا عبارة عن جبال ارتفاعها 2500 متر والسد على ارتفاع 500 متر فقط، بالإضافة إلى أن المنطقة نائية وتتبقى الكهرباء والتى سوف تصدر للدول المجاورة، لأنه لا توجد شبكة لنقل الكهرباء داخل إثيوبيا وهم الآن يروجون بأنه يوجد 65 أو70 مليون إثيوبى ليس لديهم كهرباء وهذا صحيح وأنهم يعملون على توفير الطاقة لهم ويخاطبون العالم بأنَّ مصر أنانية لا تريد لهم تنمية، لا إنارة لهؤلاء وهذا غير صحيح، لأن الكهرباء الناتجة عن السد فى نهاية الأمر ستكون قليلة ولن تكفى أكثر من عدة ملايين من الشعب الإثيوبى، إذن المشروع عندما يكون تنموياً، فلابد أن تكون هناك تنمية زراعية صناعية، ولا يوجد شخص واحد فى إثيوبيا استفاد من سد النهضة حتى الآن منذ «12» عاما فلم يستفد مواطن واحد من التخزين الأول أو الثانى أو الثالث الذى يتم الآن، ولن يحدث ذلك، ومن مصلحة الحكومة الإثيوبية ألا تنتهى أعمال هذا السد، لأنَّ الإثيوبيين لن يجدوا إفادة لهم وربما ينقلبون على الحكومة الإثيوبية فهم يلصقون تعطيل السد بأن هناك عدواً خارجياً يعمل على عرقلة مصالحهم، ولذلك يطلقون التصريحات النارية بأن بناء السد مسألة كرامة لالتفاف الشعب الاثيوبى حول الحكومة.

 

فالحكومة الإثيوبية نفسها تتمنى ألا ينتهى السد الآن لأنه طالما هناك أعمال بناء فلن يطلب منهم أحد الكهرباء، ويمكن أن تتمنى الحكومة الاثيوبية ما هو أكبر أن تخلصهم مصر بضرب السد، لأنه إذا انتهت أعمال بناء السد فستقع الحكومة الإثيوبية فى مأزقٍ حقيقى وتتكشف الحقائق بأنه لا وجود لتنمية كما يقولون.

< ما حجم الأضرار المالية والاقتصادية عن سد النهضة بالنسبة لمصر خاصة بعد الملء الثالث؟

<< يمكن تقسيم الأضرار إلى أضرار مائية واقتصادية واجتماعية وسياسية، وأضرار بيئية، فالضرر المائى يتمثل فى أن أى كمية مياه تخزن داخل إثيوبيا كانت سوف تأتى لمصر، فمنعت، وإثيوبيا خزنت حتى الآن فى التخزين الثالث 7 مليارات، وهذه الكمية كانت ستأتى إلى مصر، فخسرت مصر احتياطيًا مائيًا يقدر بـ7 مليارات متر مكتب، فالمليار متر مكعب يقابله مليار دولار، وهذه الخسارة من الناحية الاقتصادية أيضًا، أما الخسارة السياسية فهى أكبر، على اعتبار أننا الآن نعتبر مغلوبين على أمرنا، فإثيوبيا تفرض سياسة الأمر الواقع وهناك هيمنة إثيوبية على اعتبار أنَّ النهر داخل إثيوبيا وليس نهرًا دوليًا، وهناك ارتباك شديد فى تشغيل السدود فى السودان لكننا فى مصر لم نتأثر مثل السودان بسبب السد العالى، إلا أنَّ هناك ارتباكًا فى السياسة الزراعية فى مصر.

 

ومن الناحية الاجتماعية، فالمزارعون السودانيون يعيشون ارتباكًا شديدًا، فهناك أكثر من 4 ملايين نسمة يعيشون على أنَّ الفيضان يغرق الأرض ثم يزرعونها والزراعة مرة واحدة، فلن يزرعوا لعدم وجود فيضان، إذن كيف يعيش هؤلاء، والتخزين يحجز الطمى، مما يضطرنا لاستخدام الأسمدة لتعويض الطمى، وسيضطر السودان لاستخدام الأسمدة مثلنا، وهناك مشاكل بيئية، فالطمى سوف يترسب وهو يمثل وزنًا، على التربة ومن الممكن أن تحدث زلازل، وهناك بخر، وستختلف الزراعة هناك، والأشجار ستغرق وتتحلل، مما يجعلها تؤثر على نوعية مياه النيل الأزرق، وكل ذلك نتوقعه، لكن الضرر السياسى بالنسبة لمصر هو أنَّ إثيوبيا بعد ذلك سوف تنفذ ما تريد، وعندما تقوم بإنشاء سدود أخرى ستفعل ذلك بنفس سياسة سد النهضة، ولذلك أقول سواء كان سد النهضة يضر أو لا يضر لابد أن نصل معهم إلى حل واتفاق سيسرى على السدود القادمة وربما تشجع دولًا أخرى وتحذو حذو إثيوبيا بفرض سياسة الأمر الواقع، فلابد من حل الأمر سياسيًا من أجل هيبة مصر.

 

< هل ترى توافقًا بين الموقفين المصرى والسودانى فى ملف سد النهضة؟

<< التوافق فى السنوات الأخيرة فقط، بالتحديد بعد حكم «البشير» لكن السودان فى بداية الأمر كان متوافقًا مع إثيوبيا، حتى أن السودان رفض التوقيع فى واشنطن 2020 عندما تغيبت إثيوبيا، ووقعت مصر، ورفض السودان بحجة عدم وجود إثيوبيا، فقد كان السودان فى معظم السنوات الأولى مؤيدًا لإثيوبيا، والرئيس السودانى عمر البشير ذهب إلى إثيوبيا وحضر معهم ذكرى وضع حجر الأساس لسد النهضة، وقالوا وقتها إن سد النهضة له فوائد بالنسبة للسودان، إذن كانت هناك مكايدات سياسية، فالسودان فى البداية كان مؤيدًا لإثيوبيا وفى بعض الفترات يبدو السودان وكأنه وسيط، ومن سنين كانت هناك فيضانات شديدة، وكان هناك سد صغير يخزن 5 ملايين متر مكعب فانهار وأدى إلى هدم 600 منزل من الريف، والسكان تم تشريدهم، نتيجة انهيار هذا السد الصغير، فما بالك بسد النهضة الذى سعته 74 مليار متر مكعب أى بما يوازيه بـ35 ألف مرة.

 

< هناك تكهنات بانهيار سد

النهضة مع مرور الزمن لوجود عيوب فنية مع جسم السد فهل هذا من الممكن حدوثه؟

<< نبهنا منذ 2010 على أن إثيوبيا دولة ذات طبيعة خاصة من الناحية الجيولوجية، والبعض يتساءل هل هناك سدود تنهار والإجابة نعم هناك سدود تنهار فإثيوبيا مختلفة تمامًا وطبيعتها مختلفة، فالجبال الإثيوبية براكين، وفى إثيوبيا يوجد أكبر فالق على سطح الأرض، وهو الأخدود الأفريقى العظيم الذى يقسم إثيوبيا نصفين، فالأرض انخسفت وخرجت منها البراكين الإثيوبية، وكلما سقطت أمطار تحول هذا المنخفض إلى بحيرات،  وهذا الفالق هو الذى صنع البحر الأحمر وخليج السويس والبحر الميت، وهو فالق نشط، بل هو أنشط منطقة زلزالية فى القارة الأفريقية، حتى أنه عندما تحدث زلازل فى مصر يكون مركزها خليج السويس بسبب امتداد هذا الفالق، إذن الجبال التى خرجت من هذا الفالق ببراكين ارتفاعها يصل إلى 4600 متر، أى 5 كيلومترات، وأصبح نظام المطر مختلفًا عن المنطقة كلها، فالجبال تنشئ أمطارًا خاصة، حتى أن كل الأرض الزراعية التى نعيش عليها فى مصر هى من إثيوبيا، بسبب أن نوع الصخر هناك يتفتت ليتكون طمى، فأى نهر يأتى من إثيوبيا ملىء بالطمى بسبب طبيعة إثيوبيا، فهناك خطورة من انهيار السد، فسوف يحدث طوفان يدمر السودان، وحدث مثل ذلك فى أمريكا فقد كان هناك سد فى كاليفورنيا يخزن 4 مليارات متر مكعب مياه امتلأ والفيضان موجود، وقد كان هناك ذوبان فى الثلج، فامتلأ خزان السد والمياه فاضت فوق السد وأصبح هناك شلال أسفل السد فقاموا بإخلاء 100 ألف نسمة من السكان من المدن المجاورة للسد، وبدأ الطيران يلقى فى هذه الحفرة صخورًا حتى يحموا جسم السد وساد هلع ورعب لمدة 20 شهرًا داخل أمريكا خوفًا من انهيار السد، فما بالنا بسد النهضة وسعته 74 مليار متر مكعب، وأيضًا الصين التى قامت بإنشاء أكبر سد فى العامل لتوليد الكهرباء (22 ألف ميجاوات) ضعف السد العالمى 10 مرات ويقوم بتخزين 44 مليار متر مكعب، أى ما يعادل نصف سد النهضة، ومنذ سنة امتلأ هذا السد والأمطار ما زالت تتساقط، فساد الرعب الصين مثلما حدث فى أمريكا، وهذه هى الصين التى تبنى سدودًا للعالم، فالمخاطر الطبيعية من الممكن أن تكون أكبر من الكل، فهناك مخاطر من قنبلة مائية أقوى من القنبلة النووية زادت من 11 إلى 74 مليار متر مكعب وليست هناك دراسات تقلل من خطورتها وليس هناك من يضمن الطبيعة. ففى حالة انهيار السد سيحدث فناء لأكثر من 20 مليون سودانى، فهناك خطر داهم نحن معرضون له، لكن مصر أحسن حالاً بسبب بعد المسافة والسد العالى ومفيض توشكى، لكن السودان سيواجه طوفانًا أشبه بـ«طوفان» سيدنا نوح أو تسونامى اليابانى، ولن يضار مواطن إثيوبى واحد من انهيار سد النهضة، لأنه لا توجد قرى ولا مصانع ولا مدارس، فهى منطقة نائية.

 

< بعد زيارة «بايدن» بساعات للشرق الأوسط أكدت «جيرالدين جريفيث» الناطقة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية أنه من المستحيل فرض الولايات المتحدة أى حل لأزمة سد النهضة من الخارج، وأن أمريكا مستعدة لتقديم الدعم للدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان فما رأيك؟

<< أمريكا تستطيع حل المشكلة فى ساعات، لكن هل هى بالفعل تريد حل القضية؟! فقد رأينا إدارة ترامب وكان التدخل الأمريكى لأول مرة فى نوفمبر 2019، ومن الممكن أن نكون قد ألقينا بالكرة فى ملعبهم، وحاولوا أن يتدخلوا خلال مفاوضات واشنطن لكن لم يكن تدخلًا قويًا، وإثيوبيا رفضت التوقيع فى فبراير 2020، وهنا توقف الأمر، وكانت هناك تصريحات «ترامب» أن مصر من الممكن أن تنسف السد، ولن تصبر أكثر من ذلك، والبعض اعتقد أنَّ هذا ضوء أخضر لمصر، وتوقف الدور الأمريكى، ثم جاءت جائحة كورونا والانتخابات الأمريكية إلى أن جاءت قمة جدة بحضور «بايدن» وتمت مناقشة سد النهضة، وقالوا إنهم يؤيدون حق مصر، وبعدها بأيام زار مسئول أمريكى المنطقة خاص بالقرن الأفريقى، لكن المسئول هل أتى لحل سد النهضة؟! لقد زار مصر والإمارات واثيوبيا ولم يزر السودان، وهو طرف أصيل فى القضية، فإذا كان الأمر يتعلق بسد النهضة لكان قد زار السودان.

.

< فى رأيك هل هناك مخطط صهيونى أمريكى ضد مصر وراء الأزمة؟

 

<< أى شىء يعكر الصفو فى مصر يصب بالتأكيد فى صالح إسرائيل، فهناك تنافس كبير بين مصر وإسرائيل خاصة فى القارة الأفريقية، فإسرائيل تساند إثيوبيا هذا صحيح، وقد ألقى «نتنياهو» رئيس وزراء إسرائيل خطابًا فى مجلس الشعب الإثيوبى وأعلن مساندتهم وتأييدهم لإثيوبيا خاصة فى سد النهضة وتقديم خبرات فى المياه والكهرباء وعرض عليهم التعاون لأنه يريد أن يكتسب إثيوبيا، كما كان يخطط أن تكون إسرائيل عضوًا فى الاتحاد الأفريقى كمراقب، إذن التواجد الإسرائيلى فى إثيوبيا حقيقى حتى أنه يقال إن هناك منظومة دفاعية لسد النهضة بها جزء من المساعدات الإسرائيلية، ولن تستطيع أن نقول لإسرائيل ألا تقدم لإثيوبيا شيئًا، وبالتالى فدور إسرائيل موجود وأصبح علنيًا وليس فى الخفاء كما كان فى السابق، وقد زار نتنياهو المنطقة والتقى مع 6 رؤساء من دول حوض النيل فى كينيا وكانت زيارة علنية ولم يحدث ذلك قبل الآن.

 

< ما تقييمك للموقف الدولى حيال هذه القضية؟ وهل ترى أنَّ سد النهضة هو حلقة من حلقات مخطط «الربيع العربى»؟

<< صحيح أن بدء سد النهضة كان فى توقيت الربيع العربى، لكن هذا كان مخططا فى الخمسينيات، منذ المكتب الأمريكى والاتفاق كان منذ 2010، لكن لم يعلن إلا فى فبراير 2011، إذن إثيوبيا استغلت الظروف التى حدثت أثناء الربيع العربى.

 

< هناك مخاوف كثيرة لدى مصر من الوصول إلى حد الفقر المائى فكيف ترى ذلك؟

<< مصر بالفعل لديها فقر مائى، فالفقر المائى يحسب عندما يكون نصيب المواطن أقل من ألف متر مكعب من المياه، فأيام السد العالى كان نصيب الفرد أكثر من 2000 متر مكعب، وكل عام يزداد عدد السكان، وحصة المياه ثابتة، وفى 1991 وصلنا إلى أنَّ كمية المياه على قدر عدد السكان، وكان نصيب الفرد ألف متر مكعب وفى السنوات التالية قلَّ نصيب الفرد، كل سنة بـ30 متر مكعب، فنصيب الفرد حاليًا 538 متر مكب سنويًا، والمفترض أن يكون ألف متر مكعب، إذن هناك فجوة كبيرة، لكننا نحاول أن نعيد استخدام المياه، والمياه الجوفية وكل هذا يجعلنا نصل إلى أن يكون نصيب الفرد حوالى 800 متر مكعب سنويًا، يظل هناك ما يقرب من 200 متر، نستوردها على هيئة محاصيل «قمح، وأرز» فلو كانت لدينا المياه لقمنا بزراعتها، فاستيرادنا أو تصدير محاصيل يعتبر استيراد وتصدير مياه، إذن الفقر المائى موجود، وهذا ليس عيبًا، فالدول الغنية بالمياه هى أفقر دول العالم ولديها مجاعات، والدول الفقيرة فى المياه مثل الكويت هى من أغنى الدول، فنصيب الفرد فى الكونغو 15 ألف متر مكعب ولا يجدون قوتهم، وفى إثيوبيا 2000 أو 3000 ولا يجدون الطعام، فليس مقياسًا أن تكون الدولة ذات الفقر المائى غير محظوظة وتعيش نكبات، لكن الأهم هو كفاءة الاستخدام فى المياه. فنصيب الفرد فى إسرائيل «200» متر مكعب ومع ذلك تزرع وتصدر غذاء.

 

< هل ترى أن الحرب الروسية – الأوكرانية أثرت بالفعل على الأمن الغذائى العالمى وعلى مصر؟

<< بالتأكيد حصل ذلك، فقد كانت أوكرانيا وروسيا مسئولتين عن 25٪ من القمح العالمى، لقد حدث تأثير والمشاكل التى حدثت بين روسيا وأوروبا وأمريكا وقطع الغاز أثرت عالميًا، وبالتالى أصبحت الأزمة عالمية، تمثلت فى ارتفاع الأسعار والتضخم، حتى أنها طالت أمريكا التى كانت دائمًا لا علاقة لها بالتضخم، لكن فى مصر تضاعفت الأزمة، فالأزمة فى مصر ليست بسبب أوكرانيا فقط، ولكن لدينا أزمة قبل أوكرانيا بسبب القروض الكبيرة التى حصلنا عليها، فمن المفترض أن تكون فى مشروعات منتجة حتى تغطى أقساطها، ومن الممكن أن يكون جزء من القروض لإنشاء بنية تحتية وهذا طيب، لكن فى المقابل لابد أن تكون هناك مشروعات منتجة، فهناك أولويات فى تنفيذ المشروعات مثل المشروعات الزراعية، والصناعة، فالصناعة هى الاقتصاد الحقيقى وهى التى ستنتج.

 

< أفريقيا أسيرة للنفوذ الأجنبى وسلب ثرواتها الطبيعية والصراعات الداخلية والقبلية داخل الدولة الواحدة أو مع الدول المجاورة فإلى متى ستظل أرض القارة السمراء مسرحًا للصراعات الدولية وما السبيل للقضاء على هذه الصعاب وتحقيق النهضة الأفريقية؟

<< هناك تنافس كبير جدًا للدول الكبرى على القارة الأفريقية لأنها غنية بالموارد، وبالتالى نرى التواجد الأمريكى والتواجد الصينى فى أفريقيا وأمريكا تحارب الصين علنًا للحصول على الثروات والاستثمارات داخل القارة الأفريقية، ورأينا المؤتمرات الأمريكية الأفريقية ويُدعى لها القادة الأفارقة فى أمريكا، والصين فعلت ذلك، وروسيا وفرنسا وإيطاليا، فكل الدول تنافس على التواجد فى أفريقيا، لأنَّ أفريقيا مليئة بالثروات والخيرات، فالقارة غنية والشعوب فقيرة، وهناك ثروات طبيعية سواء ثروات معدنية، بالبترول والغاز الطبيعى شمال أفريقيا وفى نيجيريا وأنجولا والجابون وهى مناطق من دول «الأوبك» وهناك الأشجار فى القارة الأفريقية والمعادن مثل الماس والذهب فى جنوب أفريقيا، واليورانيوم التى تستخرجه أفريقيا وتبيعه مثل الرمال، بالطن، وفرنسا ودول أخرى تستورده لصناعة مفاعلات لتوليد الكهرباء و60٪ من الشعوب الأفريقية يعيشون فى الظلام مثل الإثيوبيين وجنوب السودان، وأوغندا، رغم أنَّ لديهم الشمس مصدر الطاقة كلها، والرياح واليورانيوم مثل النيجر ونامبيا، ولديها الأنهار مثل نهر الكونغو الذى يستطيع توليد طاقة كهربائية تكفى أفريقيا بالكامل، ولكن المياه تصب فى المحيط الأطلنطى ولا تستفيد بها فى الزراعة ولا توليد الكهرباء. فهناك تنافس وصراع شديد جدًا من القوى العظمى على أفريقيا، وأفريقيا فى الوقت نفسه سوق كبير لمنتجاتهم.

 

< أخيرًا.. كيف ترى الحوار الوطنى الذى دعا إليه الرئيس، وما أهم القضايا التى يجب طرحها فى نظرك؟

<< هى خطوة طيبة للم الشمل، وكان لابد من استهداف الإخوان أيضًا ضمن الحوار، حتى تكتمل الفصائل، لكن الناس بالفعل رفضت وجود الإخوان بالفعل، بسبب أفكارهم وما فعلوه.

 

 

أهم الاخبار