رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

لقمة العيش بنار الشمس

تحقيقات وملفات

الثلاثاء, 09 أغسطس 2022 23:09
لقمة العيش بنار الشمس
تحقيق وتصوير: إسلام أبوخطوة

وجوه شكّلتها ألسنة الشمس الحارقة، مُستكينة لأقدارها أمام أهوال الحياة، ساعات طويلة يقضونها في الشوارع جريًا على لقمة العيش، بطولات من نوع خاص تجسدها نماذج تشع نورًا من التفاؤل وتدفع إلى الشغف بالحياة.

في الوقت الذي يحرص فيه الكثيرون على البقاء في منازلهم هربًا من حرارة الشمس، نجد غيرهم مضطرين للنزول رغم لسعتها الحارقة، يجاهدون لإبعاد لهيبها عن وجوههم بشتى الطرق، ولكن ما باليد حيلة، فهم لا يملكون رفاهية الحصول على إجازة ولو ليوم واحد.

رجال صدقوا الوعد، تحملوا مسئولية من يعولون على أكتافهم، وسيدات رفعن شعار «لقمة العيش شرف وصحة»، يقضين يومهن في الحقول ويتحملن أعباء أنهكت أجسادهن، ما بين رفع أجولة ثقيلة وأعمال جني الثمار، يواصلن العمل نهارًا تحت أشعة الشمس الحارقة، وليلاً في تحضير متطلبات الأسرة من مأكل ومشرب وملبس، والكل لا يبغي سوى رضا الله وإطعام تلك الأفواه الجائعة.

 

«صفية» بائعة الجُبن:

 «يومى يبدأ من الفجر.. والعربية الربع نقل سر فرحتى»

بابتسامة صافية تستقبل صفية زغلول زبائنها من أبناء منطقة بولاق الدكرور، حديثها ينم عن أصول طيبة وتعليم راقٍ، تجلس وأمامها بعض الأطباق البلاستيكية ذات الحجم الكبير مليئة بألوان من الجبن القريش والقشدة والبيض الطازج.

مع دقات عقارب الساعة الرابعة فجرًا تبدأ صفية يومها الشاق بداية من تحضير وجبة الإفطار لأطفالها في عجالة شديدة ثم تسرع مع غيرها من السيدات إلى السيارة ربع النقل التى تقلهن من محافظة البحيرة إلى الجيزة.

مع نسيم الساعات المبكرة من الصباح تدخل السيدات خلال رحلتهن في نوبة نوم عميقة، حتى تشرق عليهن الشمس وتوقظهن بألسنتها الحارقة، وقالت: «الساعة اللي بنامها في العربية لما بنطلع من بيوتنا بالدنيا كلها شوية نسيم يردوا الروح».

صفية كغيرها من السيدات اللائي يساندن أزواجهن، ففي ظل ضغوط الحياة الاقتصادية وجدت صفية أن العمل ضرورة حتمية لتوفير مصروفات أبنائها الأربعة الذين يدرسون في مراحل التعليم المختلفة، فزوجها الذي يعمل كعامل محارة يحصل على يومية تقدر ب 140 جنيها فقط، وهو مبلغ لا يكفي لمصاريف الطعام خاصة أنه لا يعمل كل يوم، لذا فكرت صفية أن تعمل لمساعدة أسرتها.

فقد رفضت «صفية» الخضوع لطابور العاطلات اللائي حصلن على مؤهلات عليا، وقررت خوض تجربة سوق العمل مستغلة دراستها في كلية التجارة التى تعلمت فيها للترويج للمنتجات المختلفة وكيفية التعامل مع أطياف المجتمع باختلاف ثقافاتهم.

وما إن تصل «صفية» إلى منطقة بولاق الدكرور حتى تساعدها السيدات المرافقات لها في الرحلة لتسليمها بضاعتها، وتكمل بعدها السيارة الربع رحلتها في توزيع السيدات على المناطق المختلفة، وبعد ساعات من أذان العصر تعود السيارة من جديد لجمع السيدات مرة أخرى لنقلهن إلى بلدتهن.

«الناس بتنتظرني كل أسبوع يوم الجمعة علشان يشتروا مني».. تشير «صفية» إلى أن الإقبال عليها كبير من قبل أهالي بولاق الدكرور خاصة الصعايدة لكي يتذوقوا طعم الجبن والقشدة الفلاحي والمأكولات الطازجة التي تعيد إليهم ذكريات «اللمة الحلوة» على مائدة الطعام.

مشكلات عديدة واجهتها «صفية» خلال رحلة عملها مع السيارة ربع النقل، ومنها انفجار اطار السيارة خلال رحلة العودة من الجيزة إلى بلدتها، وقالت: «مع حرارة الجو.. ونار الأسفلت والحمولة الثقيلة انفجر الكاوتش وكلنا كنا هنموت».

تصمت بائعة الجبن للحظات وتتذكر عبارة رجل خمسيني قال لها «ليا بنت في سنك ليا سنين مشوفتهاش انتي بتفكريني بيها»، قالت «صفية» إنها شاهدت دموع الرجل في عينيه حينما ذكرته بابنته التي تزوجت في الصعيد ولم يرها منذ شهور طويلة، وتابعت: «اللي بينزل السوق ياما بيشوف ويسمع». تلك الروايات والقصص التي تراها بائعة الجبن تقضي بها أوقاتها مع غيرها من السيدات على العربة ربع النقل حتى يستطعن التغلب على حرارة الجو، وبمجرد أن تنتهي القصص والروايات يجدن أنفسهن على مقربة من منازلهن حيث الراحة لفترة قصيرة ثم استئناف العمل مرة أخرى.

 

«أشرف» عامل النظافة:

«لو نمت يوم عيالى هيجوعوا»

عربة حديدية مليئة بأجولة تفوح منها روائح كريهة تشمئز منها الأنوف، يدفعها أشرف رضوان، مترجلاً فى شوارع أرض اللواء، بالمهندسين، ينادى الأهالى بقدومه لجمع القمامة.

يوم جامع القمامة يبدأ من السادسة صباحًا، يتناول وجبة الإفطار فى عجالة ويخرج مُسرعا من منزله بمنطقة إمبابة، ليجوب شوارع أرض اللواء وبولاق الدكرور حتى الساعات الأخيرة قبل أذان المغرب.

«لو نمت يوم عيالى هيجوعوا».. قالها الرجل الخمسينى معربًا عن فخره وعزة نفسه بعمله لسد احتياجات أسرته المكونة من 3 أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة وزوجته، وتابع: «عندى عيل فى اعدادى و2 فى ابتدائي».

على الرغم من جسده النحيل إلا أنه يدفع عربته الحديدية بقوة الحاجة للقمة العيش، وحتى وإن كانت وسط لهيب الشمس، وقال أشرف إن عمال النظافة مثله لديهم مناعة ربانية ضد الأمراض فضلاً عن قوة تحملهم لأشعة الشمس الحارقة فى فصل الصيف.

كاب بلون أبيض وزجاجة مياه مثلجة ومنديل قماش.. تلك هى أدوات أشرف لمواجهة حرارة الطقس خلال جولاته الميدانية، يقول: الكاب الأبيض يخفف من أشعة الشمس على رأسى والمياه المثلجة لغسيل وجهى وترطيبه والمنديل القماش لإزالة العرق أولاً بأول.

وتابع: «فيه ناس يبقوا مش مستحملين حرارة الجو فى الصيف رغم ملابسهم الخفيفة، فما بالك لو لابس هدوم عامل النظافة وفى عز الشمس بتلف على رجلك علشان كام جنيه فى آخر اليوم»، يشير الرجل الخمسينى إلى أنه مثل أبناء جيله قادرون على تحمل مشاق وعناء العمل مقابل بضعة جنيهات، فى حين «شباب اليومين دول» على حد وصفه يتقاضون آلاف الجنيهات فى مكاتب مكيفة ولا يستطيعون مواصلة العمل.

«ساكن فى شقة دور أرضى بدفع 800 جنيه إيجار شهري».. يستكمل عامل النظافة حديثه قائلا: إنه يعتمد على «الإكراميات» التى يحصل عليها من المارة فضلاً عما يتحصل عليه من أصحاب الشقق مقابل جمع القمامة فى الفترة المسائية، بينما فى الصباح يمارس عمله الحكومى مقابل راتبه الذى يحصل عليه أول كل شهر، ويصرف كاملا قبل انتهاء الأسبوع الأول من الشهر.

«بحزن جدًا من الشباب اللى مش قادرين على مواجهة الحياة رغم أن ظروفهم الاقتصادية أحسن منى بكثير».. يستكمل عامل النظافة حديثه مضيفا: إنه كثيرًا ما يسمع أصوات الشباب خلال تنظيفه للشوارع وإزالة القمامة من أسفل سيارتهم وهم يتشاجرون مع أسرهم حول عدم رغبتهم فى العمل بسبب حرارة الجو، وتابع: «اللى زى ده عمره ما يقدر يشيل مسؤولية نفسه ولا مسئولية عيال».

«زين» فنى معمل بـ «مياه أسيوط»: «أنا قدوة لأبنائى»

تحت ألسنة الشمس الحارقة تجده منهمكًا مع معداته الخاصة بتحليل

المياه، لا يبالى  حرارة الجو فى سبيل تأدية مهام عمله الشاق.

زين عبدالنعيم صالح، أحد أبطال شركة المياه بمحافظة أسيوط، يومه يبدأ من الثامنة صباحًا وحتى الثانية بعد الظهر، ولكن طبيعة عمله كـ«فنى معمل» تتطلب أن يكون تحت الطلب نهارًا وليلاً، فكم من الاستغاثات التى ترد للشركة بشأن مشكلات المياه وعلى الفور يهرع «زين» إلى مكان الشكوى لتحليل المياه.

«الشقا وسمار لونى خلانى قدوة لأولادي».. قالها زين بفخر شديد وأضاف أن لديه 4 أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، يرون فيه صورة الأب القدوة الذى يضحى بصحته فى سبيل بناء مستقبل أبنائه، وأكد أن ما يتحمله من عناء العمل تحت أشعة الشمس لا يساوى ابتسامة واحدة من أبنائه فور عودته من عمله.

يقف «زين» بـالبالطو الأبيض العاكس لاشعة الشمس لساعات طويلة للخروج بنتيجة تحليل عينات المياه، وقال: «الشركة بتوفر لنا على مدار اليوم عصائر تهون علينا حرارة الجو وسيارات لسهولة الحركة من قرية إلى قرية ومن مركز لمركز».

«راتبى لا يساوى شيئًا مقابل عملى الذى يدوم لساعات طويلة وقد أتعرض خلاله لضربات شمس».. يستكمل الرجل الأربعينى حديثه قائلا: إن العمل رسالة وفرحة المواطنين بحل مشكلة المياه مكافأتى الكبرى بجانب التشجيع الذى أتلقاه من رؤسائى فى العمل.

طالب فنى المعمل قيادات الشركة بالنظر إليه بعين الرأفة هو وغيره لزيادة رواتبهم لما يقدمونه من عمل شاق، وقال: «شركة المياه بأسيوط بها أبطال يعملون بعيدًا عن الأضواء وخلف الكواليس لا يعلم المواطنون عنهم شيئًا».

وأشار إلى أن هناك العديد من التخصصات فى شركة المياه طبيعة عملها تتطلب العمل الميدانى ليلاً ونهارًا مثل عمال البالوعات وفرق التدخل السريع، ويزداد الأمر صعوبة مع فصل الصيف خاصة اذا تصادف الأمر مع شهر رمضان، حيث الحرارة الحارقة فى الصعيد ومع الصيام يصبح الأمر صعبا، ولكن «لقمة العيش الحلال» لها طعم رغم كل المعاناة.

 

«فايزة» عاملة زراعية: «شمس الغيطان شرف الجدعان»

تحت أشعة الشمس الحارقة تقف السيدة الأربعينية فايزة عدوي صامدة أمام عملها الشاق داخل الحقل الذي أعطاها عمرًا يفوق عمرها الحقيقي.

تلك السيدة التي أنهكتها الحياة واعتادت العمل باليومية في الحقول منذ سن العاشرة من عمرها، كان هدفها في الحياة بعد وفاة والدها الإنفاق على والدتها، ومنذ ذلك الوقت وهى تعمل في الحقول حتى تزوجت واستكملت مسيرة شقائها لمساعدة زوجها على الوفاء بمتطلبات الحياة.

يوم فايزة يبدأ من الساعة الخامسة فجرًا، تخرج من منزلها تاركة أبناءها الثلاثة في عناية والدتها، وقالت: «شمس الغيطان شرف الجدعان.. الست الجدعة اللي تبقى عون لاسرتها وسند لزوجها وعيالها».

150 جنيها هى قيمة ما تتقاضاه «فايزة»  بعد معاناه 10 ساعات، تقوم خلالها بأعمال تحتاج لقوة بدنية خاصة مع ما تحمله على أكتافها من أجولة ثقيلة، ويزداد الأمر صعوبة في فصل الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة تصبح السيدة فريسة لنوبات الاجهاد الحراري.

«ساعات بيغمى عليا من كتر التعب والحر».. تشير العاملة إلى أنها مثل غيرها من السيدات في محافظة الشرقية يحرصن على العمل حتى وإن كان زوجها يعمل أيضاً لسد متطلبات الحياة، فكم من المرات تعرضت للإغماء بسبب الجهد والعناء ولكن بعد إفاقتها بالمياه المثلجة تعود لمواصلة العمل مرة أخرى.

«كبابة الشاي على البوص وشوية مية ساقعين ترد فيا الروح من جديد»، تستكمل العاملة قصتها قائلة: إن أسعد الأوقات للعاملات في الحقول موسم جني القطن والذي يكون مع نهاية شهر أغسطس من كل عام حيث تردد السيدات بعض الأغاني الفلاحي التي تعيننا على مشقة اليوم.  وأشارت العاملة إلى أن اليومية في جمع القطن تصل إلى  200 جنيه خاصة إذا كانت السيدة تقوم بجمع القطن والتحميل والتحويل للمنزل.

«بعض الأقمشة المبلولة تضعها العاملة على وجهها» ذلك هو سلاحها للتغلب على حرارة الجو مع العمل في الحقول، وتابعت: «الناس في الحر بتدور على أي حاجة ساقعة تشربها وأنا العكس بشرب شاي».

وحول ما إذا كانت الأعمال الشاقة قد تفقد السيدة أنوثتها بعض الشيء خاصة مع مرور السنوات، ردت العاملة قائلة، إنها تحرص على تغطية وجهها بالكامل بالأقمشة حتى لا تلاحقها أشعة الشمس الحارقة فتحرق وجهها، كما تغطي يديها بالجونتي لكي تعود لطبيعتها في فترات المساء.

وتابعت: «الست العاملة اللي محافظة على أنوثتها عند الراجل احسن من غيرها اللي متعرفش تجيب قرش».