رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيسا التحرير

علي البحراوي - خالد إدريس

الدكتور مجدى الجزيرى فى حوار مع «الوفد»:

الإسلام السياسى.. سبب الخراب والفوضى

أخبار وتقارير

الخميس, 19 مايو 2022 09:22
الإسلام السياسى.. سبب الخراب والفوضىالدكتور مجدى الجزيرى
حوار: صابر رمضان تصوير: محمد فوزى

الدكتور محمد مجدى الجزيرى أستاذ الفلسفة واحد من أبرز الرموز الفكرية والثقافية فى مصر والعالم العربى.

 

ولد «الجزيري» فى قرية جزيزة شندويل بمركز المراغة بسوهاج عام 1943م، ثم سافر إلى القاهرة ليستقر بها، وحصل على بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة القاهرة 1964م ثم عمل لفترة موظفًا بمؤسسة تعمير الأراضى، وموظفًا بالتعليم العالى، ثم حصل على درجة الماجستير عن أطروحته العلمية «فلسفة الفن عند أرنست كاسيرو» ثم حصل على الدكتوراه بعنوان» الحرية والحضارة عند نيوكيلابيرد يائيف، عمل مدرسًا للفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب بطنطا ثم حصل على درجة أستاذ مساعد 1987م وفى يونيه 1995م حصل على درجة الأستاذية.
 

نال «الجزيري» العديد من الجوائز والأوسمة منها جائزة الدولة التشجيعية فى الفلسفة ونوط الامتياز من الطبقة الأولى عام 1988م، حاضر فى العديد من الجامعات المصرية ودولة الإمارت العربية المتحدة.
 

له عدد من المؤلفات، منها «اللاهوت والسياسة عند سبينوزا ومارتن بوير» وكتاب «دراسات فى علم الجمال» و«كتاب بين الأسطورة والتكنولوجيا» و«إيديولوجيا إقصاء الآخر فى الفكر الغربى المعاصر عند صمويل هنتجنتن وبرنارد لويس» و«الدين والدولة والحضارة عند بوركهارت» وكتاب «نقد التنوير عند هيردر».

«الوفد» التقت الكبير الدكتور مجدى الجزيرى وهذا نص الحوار:
الدكتور محمد مجدى الجزيرى أستاذ الفلسفة واحد من أبرز الرموز الفكرية والثقافية فى مصر والعالم العربى.

< بداية.. يظن البعض أن الفلسفة لا جدوى منها بسبب ما لحق بها من لغط وأنها تسبب الإلحاد.. فكيف ترون حاجتنا للفلسفة فى واقعنا المعاصر؟

<< لا أتخيل التقليل من شأن الفلسفة باعتبار أنها قد تؤدى إلى الإلحاد، فالفلسفة مرتبطة بالعقل البشرى، فأهم ما نتميز به عن بقية الكائنات هو العقل، هذا العقل ينبغى ألا يتجمد، ولا ينبغى أن يبتعد عن حركة الواقع، قدر الإنسانية أن الله سبحانه وتعالى وهبها العقل، العلاقة بيننا وبين الطبيعة أننا ننتمى إلى عالم الثقافة، ويمكن أن نقيم ثنائية أو تفرقة بين عالم الطبيعة وعالم الثقافة، فعالم الثقافة هو الذى تتميز به، نحن لا نكتفى بالطبيعة الخام ولكن نتدخل فيها، ونحول الطبيعة إلى ثقافة من خلال التفكير واللغة والفن والعلم، كل هذه تجليات لوجودنا وتدخلنا فى تغيير شكل الطبيعة العالم الذى نتحرك فيه هو هذا العالم، عالمنا الحقيقى هو عالم اللغة والعلم، والفلسفة هذا العالم الذى نتحرك فيه، بالتالى لا يمكن أن نتجاهل علاقة الفلسفة بعالمنا، أو العالم الثقافى، نحن لا نتعامل مع الطبيعة مباشرة، نتعامل مع الطبيعة من خلال اللغة نحولها إلى كلمات وعبارات، نتعامل مع الطبيعة من خلال الفن ونحولها إلى أعمال فنية، نتعامل معها من خلال العلم، تتحول إلى نظريات علمية ومعادلات رياضية، وهكذا، هذا هو العالم الذى يمثل حقيقتنا وماهيتنا.. أين دور الفلسفة؟ الفلسفة إذا تعاملنا معها على أنها مجرد نظريات وأفكار وتيارات مختلفة وأقوال فلسفية نبتعد عن حقيقتها، كل واحد منا يحمل داخله شحنة فلسفية وتساؤلات، نحن لا نكتفى بأن نسلم بهذا العالم لكننا دائمًا نطرح تساؤلات، ومن خلال التساؤلات التى نحاول الإجابة عنها بمجالات مختلفة تنشأ حياتنا الثقافية، من يتخيل أن الفلسفة تؤدى إلى الإلحاد، فهل يمكن أن نتخيل حياتنا خالية من توجهات فكرية، الخير، الشر، الجمال بعيدًا عن الفلاسفة وأقوالهم، هل يمكن أن نتخيل حياتنا لاعلاقة لها بالقيم، وهل يمكن أن نتخيل مجتمعًا عشوائيًا بلا تقاليد وأفكار توجه نظرته للحياة، فلا يمكن ذلك، فهل يمكن أن نتخيل لغة لا شأن لها بالفكر، فالفلسفة مرتبطة بكل مجالات الحياة ولا ينبغى أن نتفهم أن الفلسفة مرتبطة بأقوال الفلاسفة فقط أو نظريات الفلاسفة، فمن الممكن أن نجد الفلسفة خارج أسوار الفلسفة وخارج أقسامها بالمعنى المتعارف عليه نجدها فى مجالات مختلفة، فجمال حمدان وهو عالم جغرافيا هل لا نتلمس فى كتاباته رؤية وعقلية فلسفية، حسن فتحى الذى قدم عمارة جديدة فأطلق عليها عمارة الفقراء، فكر يحمله، له دلالة مرتبط بالواقع، والهوية المصرية، هل يمكن أن نرى «زويل» لاعلاقة له بالفلسفة ونجيب محفوظ كروائى هل ليس له فلسفة، فالفلسفة لا تقتصر على ما يكتبه أساتذة الفلسفة، بل يمكن أن نجد لدى غيرهم رؤى أعمق من البعض منهم.
الدكتور محمد مجدى الجزيرى أستاذ الفلسفة واحد من أبرز الرموز الفكرية والثقافية فى مصر والعالم العربى.

< إذن هل يمكن أن تكون الفلسفة علاجًا للإنسان فى ظل مشكلاته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؟

<< بالطبع من الممكن أن تكون علاجًا، وليس أدل على ذلك أن فكرة الأمل أو الحلم راوغت اهتمامات الفلاسفة، فعبروا عنها من خلال «اليوتوبيا» عالم أفضل مع الاختلاف، فمن الممكن أن يكون هناك مجتمع متخلف علميًا، فيأتى مفكر يحمل حلمًا بأن يحقق هذا المجتمع نهضة علمية، فاليوتيوبيا دافع للحركة والتطور، البعض يستخدم الفلسفة الآن كعلاج، فمن الممكن جدًا أن يتخبط إنسان بأفكار عشوائية وفى حيرة، وليس لديه درجة معقولة من الثقافة تجعله يتأمل هذا الواقع، ولنا فى الجماعات الدينية وتجربة الإخوان نموذج، فكر أحادى سيطر على مجموعة لا مجال فيه فى الحوار لإبداء الرأى نجحوا للأسف الشديد فى استقطاب بعض الشباب من الذين على درجة متدنية من الثقافة، حتى لو كان البعض منهم خريجى جامعات، لكن عالمه عالم تخصص هندسة، طب، وليس لديه الرؤية الشمولية، فجماعات الإخوان لا تعرف الحوار وجماعات الإسلام السياسى والإرهابية ككل لا مجال فيها للحوار فهم أصحاب رأى واحد قاطع، الرأى القاطع لا يمكن أن يحقق نهضة، وخطورة هذه الجماعات أنها تطغى على فكرها قداسة دينية وهى أقرب إلى التحرك فى عالم الأساطير تخلق أساطير وهمية وتفرض عليها قداسة وتجعل البعض يتوهم أن الآراء التى يقدمونها تتوحد بالدين، يقدمون نصًا موازيًا للدين، وبالتالى كارثة التكفير تأتى من التوحيد بين رأى جماعة إخوانية أو إرهابية والنص الدينى، فيتخيل البعض أن ما قال به هؤلاء جزء من النص الدينى.

أصحاب الفكر الإرهابى لا يقبلون الحوار

الاجتهاد مطلوب بشرط عدم التشكيك فى النص القرآنى

الدين لا يقف عائقًا أمام مفهوم الحداثة

التصوف تجربة روحية جميلة بعيدًا عن المتاجرة بالدين

< كيف قرأت تجربة الإخوان المسلمين فى الحكم وهل يمكن اعتبار ما شهدته البلدان العربية من ويلات بسبب الإسلام السياسى بمثابة إعلان وتأكيد لفشل هذا المشروع؟

<< بالفعل.. طالما أن الإسلام السياسى يسعى إلى السلطة بالدرجة الأولى، فهو بعيد كل البعد عن الدعوة الدينية الصافية الصحيحة، السليمة، فتجربة الإخوان كان محكومًا عليها بالفشل منذ البداية، والدليل على ذلك أنها استمرت لمدة عام واحد حاولوا أخونة

الدولة، حاولوا أخونة الثقافة، أخونة الحياة الطبيعية لنا، حاولوا الإطاحة بالهوية المصرية، وهذا أخطر ما يمكن أن نتخيله، فرضوا رؤية على المجتمع ككل بحيث من يخرج عليها فى رأيهم وفى ظنهم فهو كافر، وجدوا بين أيديولوجيتهم وفكرهم وبين الدين وتخيلوا أنهم يشكلون فى مصر وكلاء عن الله سبحانه وتعالى وعن الرسالة الدينية، فموقفهم من الفن مثلًا موقف رافض وعدوانى، لأن الفن مرتبط بعالم المشاعر والوجدان ومرتبط أيضاً بالشعور الدينى الصادق الصافى، لكن هذا الشعور هم يفتقدونه، وغير موجود عندهم، ولا مجال للعالم الوجدانى والعاطفى فى توجهاتهم، وكما نعلم جميعًا أن من مبادئ أو قواعد الإخوان أهمية وجود تنظيم مسلح، يفرض فكر الإخوان وأيضاً كما نعلم جميعًا أن العنف بعد من أبعاد الفكر الإخوانى، وتاريخ الإخوان معروف للجميع، فما من أحد يتخذ منهم موقفًا إلا والتهديد بالقتل وارد عندهم له مشروعية لهذا، فهذا التفكير لا مجال فيه لنقاش أو حوار.
 

< وما ردك على من يرى إمكانية التصالح مع جماعة الإخوان؟

<< أتعجب ممن يقولون بإمكانية التصالح مع جماعة الإخوان، وأتساءل نتصالح مع من؟ ففكرة الحوار مرفوضة فى تفكيرهم من البداية، وحتى لو نادوا بالحوار فهذا دليل على المكر والخديعة، لأنه لا مجال فى أدبياتهم وأيديولوجياتهم وفكرهم للحوار، فهناك رؤية أحادية فقط تحكمهم، لا تقبل الآخر وترفضه كلية، فمن ضمن الأشياء التى كانت مؤلمة وقبيحة جدًا بعد الإطاحة بهم وأحداث رابعة، مشهد الأطفال وهم يحملون أكفانهم، فهو مشهد حقير، حيث تاجروا بالطفولة النقية، فقد استخدموا الطفولة كأداة للترويج لأفكارهم، فهل هذا يعقل، فموقف الإخوان محكوم عيه بالفشل، لأنه بعيد عن الهوية والشخصية المصرية، وغير متجذر فى تكويننا الفكرى والوجدانى وتكويننا الدينى من بداية ظهور الإخوان ظهرت محاولات لاستقطاب البعض، لكن فى النهاية نسبة هذا الفكر إلى جماهير شعبنا لا شىء.
الدكتور محمد مجدى الجزيرى أستاذ الفلسفة واحد من أبرز الرموز الفكرية والثقافية فى مصر والعالم العربى.

< هناك من يرى أن الإسلام السياسى هو السبب فى فشل العرب وتقدم غيرهم فما تعليقك، وما توقعاتك لمستقبل الإسلام السياسي؟

<< ما معنى الإسلام السياسى، هو إسلام سلطة فقط لا غير فأنا أدركه من هذا المنطلق، أدركه كمحاولة الالتصاق بالإسلام لتدعيم سلطة معينة فى الحكم، فهو قالب فقط لكن بلا محتوى حقيقى بالنسبة للحكم، فإذا كان الإسلام السياسى هو سبب التخلف، فما الذى حققه فى الفترة الوجيزة هنا فى مصر، لا شىء، وما الذى حققه فى تونس، لا شىء، ما الذى حققه فى السودان، أدى إلى الخراب والفوضى وانقسام السودان، فما الذى تحقق خلال حكم البشير كارثة بكل المعانى، فلم تحقق نهضة، بل تحقق الفقر والذل، القمع، فلم يحقق أى شىء، وعزلة السودان عن العالم ككل، ما الذى تحقق فى ليبيا غير الصدام والصراع إلى آخره، ولذلك اندهش من أصحاب الإسلام السياسى ومن أن بعض رموز الفكر والحداثة فى عالمنا العربي- للأسف الشديد- تبنوا فكرة أو مفهوم الإسلام السياسى، رغم أن توجهاتهم وأفكارهم لاعلاقة لها لا بالإسلام كتراث وكنص، ولا علاقة لها بالسياسة أيضاً، ولا الواقع الذى نعيش فيه بشكل أو بآخر، والأعجب والأغرب أن البعض منهم يتباهون أنهم امتداد لمدرسة الإخوان حسن البنا وسيد قطب، فلو كانوا امتدادًا لمدرسة الإخوان وسيد قطب ودعاة الفكر الإخوانى، فكيف عندما نتجه إلى كتابات هؤلاء نجد أنهم يسخرون مما يحتويه النص الدينى من بعض العقائد الدينية، كيف نتفهم، كما يقول البعض منهم الدعوة إلى ترجمة النص الدينى والتراث إلى نصوص أخرى وتعلى من شأن الإنسان على حساب شأن قضايا الألوهية أو الانتقال من العالم المطلق إلى عالم الذات الإنسانية.
 

< على ذكر نقدك لفكر ومشروع الدكتور حسن حنفى وأنه مشروع يمثل نموذجًا للإبداع الثورى الذى يزعم صاحبه أن كتاباته تحمل لواء ثورة فكرية وفلسفية كفيلة بيقظة الأمة..ما الأسباب التى دفعتك إلى هذا النقد؟

<< مشروع حسن حنفى كما يقول هو امتداد لفكر جماعة الإخوان وهو يعترف بذلك، لكن عندما تقرأ هذا المشروع لا يمكن أن تتفهمه إلا إذا كان لديك تعمق ودراسة للفكر الغربى، ولرموز الثقافة والفلسفة الغربية، وعندما تقرأ كتابات حسن حنفى رغم ضخامتها تحيلك إلى مصدر خارجى غربى، يكتب عن ضرورة اتخاذ موقف من الغرب وثقافته وفلسفته– لكن تجد أن فلسفة الغرب متضمنة فى وعيه ويقرأ من خلالها التراث الإسلامى بل والنص الدينى أيضاً، ومن هنا تأتى المفارقة، فتوجهه توجه غربى، فقد قدم أعمالًا ضخمة، لكن من الذى يخاطبه حسن حنفى، فهذا النقد ليس موجهًا له فقط بل لكل المجددين أو أصحاب الرؤى الجديدة لقراءة التراث، فهم يخاطبون بعضهم البعض، نخبة النخبة، فهو يأتى فى بعض الكتابات بنبرة خطابية وإعلامية لكن هناك مسافة كيف يمكن تجديد خطاب دينى يعتمد على مقولات غربية بالدرجة الأولى، يحاول أن يقدم قراءة للنص الدينى وللتراث، هذه القراءة مليئة بالتناقضات، بالإضافة إلى ذلك وهو الأخطر أنه يتبنى فكر الجماعات الدينية والإسلام السياسى ويدعو صراحة بوجود تنظيمات مسلحة لفرض الثورة وفرض الرؤية الثورية فى تغيير الواقع، وهذا منتهى العجز، أن تتجه إلى القوة المسلحة. وهذا ملمح يشارك فيه مع الإخوان وهو فرض الأمر بالقوة.. وهذا اعتراف بالعجز الكلى عن تغيير الواقع بالفكر.
 

< هناك مدارس كثيرة من مدارس الفكر العلمانى تتهم التراث بأنه سبب الضعف والتخلف وأنه كثقافة لم يعد صالحًا للتفاعل مع علوم العصر ونظرياته، سواء العلمية أو الفلسفية أو الأدبية فما رأيك؟

<< لابد هنا أن نحدد معنى التراث، فمن الممكن أن يكون هو التراث الدينى، أو العلمى، الفنى، أو الأدبى، وفى هذا المجال لابد أن نفرق أو نجرى بعض المقارنات كى ندخل فى هذه القضية، فهناك فرق بين تاريخ الفكر وتاريخ الفلسفة وتاريخ الفن وتاريخ العلم، فكل مجال له تاريخ معين، فقد تعارفنا على أن تاريخ الفلسفة والفكر فكر وتاريخ الفن فن، لكن تاريخ العلم ليس بعلم، لماذا لأن فى تاريخ الفن الأعمال القديمة والقصائد الشعرية والأعمال الإبداعية فى الأدب تبقى وتتعايش مع الأعمال الجيدة، وهناك أجيال جديدة قد تتذوق أعمال بيتهوفن أكثر من الآن ولا نفقد قيمتها، فى مجال الفلسفة أيضاً يصعب القول أن فكر الفلاسفة القدماء قد تلاشى كلية، من واقعنا، بل هذا الفكر خضع لتطور ولعملية امتصاص، وهذه العملية لم تفقده وجوده كلية.
 

< لكن هذا بالنسبة للفلسفة.. فماذا عن الفكر الدينى؟

<< الفكر الدينى أيضاً لا يمكن أن تفترض قطيعة تامة بين القديم والحديث، والجديد فى عالمنا، فهناك مشكلة تواجهنا، مشكلة التوحيد بين النص الدينى والتراث وقراءة المجالين برؤية واحدة، وهذه هى المشكلة، فعندما تتوحد هذه الرؤية، يتوحد الفكر الدينى فكر البشر والنص الدينى الإلهى الذى ليس للبشر أى دور فيه، فمحاولة زكى نجيب محمود على سبيل المثال تجديد الفكر العربى هو تعامل مع التراث العربى الإسلامى وحاول أن يقدم تنقية لهذا التراث، فهناك جوانب قد ترفضها من ناحية قمع الفكر، بعض الجوانب الأخرى على سبيل المثال الاضطهاد الدينى، على مراحل مختلفة، نرفض منه المنازعات الدينية، وللأسف الشديد بعض هذه المنازعات فى عالمنا المعاصر، نستدعيها مرة أخرى ونعيشها، لكن هناك جوانب أخرى لها دلالة ولها أهمية، فلا يمكن أن نحكم على التراث بأنه سبب التخلف، إذا كان هذا التراث سبب تخلف، فمشكلتنا أننا لا نستلهم الجوانب المضيئة من التراث ونندفع إلى تحقيق تقدم ونهضة حقيقية، فعلى سبيل المثال ما حققه العلماء العرب باعتراف الجميع أهمية ودلالة لماذا تتقدم حتى فى المجال العلمى، لماذا لم نقدم نهضة علمية ونمضى، لكننا توقعنا بشكل أو بآخر فعندما نحمل التراث كل المسئولية وأنه سبب التخلف، فسبب التخلف وعينا نحن بالتراث، فالوعى البشرى ينبغى ألا يحكم أى شىء، وبالتالى هذا الوعى كان يمكن أن يدفع بنا إلى الأمام، وهذا الوعى أيضاً من الممكن أن يجمد حركتنا وموقفنا لكن دعاة القول إن التراث سبب نكبتنا أعتقد أن مقصدهم بالدرجة الأولى التراث الإسلامى، فالتراث الإسلامى وليد البشر، ومن حقنا بطبيعة الحال أن نتخذ موقفًا نقديًا منه بأى شكل من الأشكال لكن هم يخلطون بين النص الدينى والتراث الإسلامى بشكل أو بآخر ويتعاملون مع النص الدينى والتراث الإسلامى فى قالب واحد وكيان واحد، ومن هنا تأتى محاولات التجديد لدى البعض قراءة جديدة للنص الدينى والتراث الإسلامى، هذه المحاولات التى يقدمها البعض، ومنهما من ينادى لنقد المقدس للقرآن الكريم، على منوال ما حدث فى الغرب، فالبعض منهم يقول إن النص الدينى أو القرآن الكريم له بنية أسطورية ويتضمن أساطير ويشكك فى النص الدينى، على منوال التشكيك فى التوراة والإنجيل باعتبار أن هناك تدخلًا وتحريفًا فيحاولون أن يتعاملوا مع النص الدينى من هذا المنطلق، المنطلق الذى تعامل معه كتاب الغرب مع نصوصهم الدينية وحاولوا اكتشاف مواطن التحريم، فالقرآن الكريم أدان الأسطورة، فالبعض منهم يفترض أن هناك أساطير، والأسطورة ينبغى أن يتعامل معها، فالخطورة خلق أساطير بشرية وضمها إلى النص الدينى، هؤلاء بشكل أو بآخر دعوة للتشكيك فى مصداقية النص الدينى والتراث الإسلامى، أيضاً الاجتهاد مطلوب والتأويل مطلوب لكن ليس معنى ذلك أن نقدم نصوصًا موازية تحل محل النص الدينى.
 

< هل ترى أن هناك تعارضًا بين الدين والحداثة.. وهل الدين يقف عائقًا يحول دول إيجاد حلول لقضايا المسلم الراهنة؟

<< الدين لا يمكن أن يكون عائقًا للحداثة، لكن فهمنا للحداثة هو الذى يمكن أن يفترض وجود مشكلة أو عقبة يمثلها الدين، فهمنا للدين، فللأسف الشديد هناك من يتفهم الدين على أنه نظريات فلسفية أو حقائق أو نظريات علمية، يتفهم الدين من هذا المنطلق، لكن الدين وثيق الصلة بالقيم بالدرجة الأولى من المحبة والسلام والعمل والتفكير والاجتهاد، وهذه القيم علينا أن نفعلها، لكن مشكلة الحداثة أو القراءة الحداثية أنها تطفى على الإنسان هالة ومكانة أكبر من حجمه، وفى مجال تأويلاتها واجتهاداتها قد تتجاوز أو تطيح بكل شىء ومن هنا الخطورة تأتى بالإطاحة بما هو ثابت بشكل أو بآخر، وإحلال محله نصوص جديدة وفكر جديد يعلى من شأن الإنسان على حساب كل شىء.
 

< ما أهم العقبات التى تواجه الخطاب الإسلامى المعتدل اليوم وكيف يمكن التصدى لهذه العقبات ليكون هذا الخطاب أكثر حضورًا وتأثيرًا؟

<< أولًا تجديد الخطاب الدينى فى رأيى– مشكلتنا أننا نتخيل من خلال المؤتمرات والندوات أنه يمكن تجديد الخطاب الدينى، ولكن الشىء الأهم هو تفعيل ما ننتهى إليه من مؤتمرات أو ندوات أو توصيات، من ناحية أخرى تجديد الخطاب الدينى لا يتحقق عن طريق رجال الدين وحدهم، أو الأزهر وحده بل يتحقق عن طريق المثقفين، العلماء، الأدباء، رجل الشارع العادی، فالخطاب الدينى يفترض فكرًا ناضجًا إلى حد ما، والتعليم، يتطلب أيضاً تغيير نظام التعليم واحداث نهضة فيه، يتطلب أن يكون الإعلام أيضاً على مستوى راقٍ، واعتبر أن كل عمل يحقق نهضة أو تنمية هو تجديد للخطاب الدينى، فتجديد الخطاب الدينى لابد أن يتوازى معه نهضة فى السياسة والاقتصاد والتعليم وكافة المجالات.
 

وهناك مجالات تدعم الخطاب الدينى مثل حياة «كريمة» بشكل أو آخر هى ترجمة لما يجب أن يكون عليه الخطاب الدينى، فعالم الفعل والممارسة فى أى مجال هو تمهيد لتجديد الخطاب الدينى، فلا تستطيع تجديد الخطاب الدينى بدون إجراءات تمهد له وتثبته فى العقل البشرى، فالخطاب الدينى ليس شعارات بل فعل وعمل يتحقق على أرض الواقع فيه مصلحة للبشر وحياتهم يكون تجديدًا للخطاب الدينى وإلا أصبح تجديد الخطاب الدينى مجرد كتاب يتضمن مبادئ وشعارات توجد فى المكتبات.
 

< أين تقف بين المؤيدين للتصوف والرافضين له على الإطلاق.. وما السبب وكيف ترى من يعتبرون أن الصوفية تخالف أهل الدين؟

<< أرى أن التصوف تجربة روحية جميلة جدًا، بينك وبين الله سبحانه وتعالى، لا أحد يتدخل فيها ولا أحد يفرض رأيه عليك، وأعتقد أن الجماعات الدينية والإخوان لهم موقف رافض للتصوف، لأن هذه الشحنة الروحية الوجدانية مفتقدة عندهم، فالشعور الدينى تشكل فى قوالب صماء لا علاقة لها بالشعور الدينى الحقيقى والتجربة الصوفية جميلة وخصبة، وفيها نزعة فنية وجمالية، والدليل على ذلك أن كبار المتصوفة عبروا عن أذواقهم الروحية فى قصائد شعرية فهل كان الغرض منها إثبات وجودهم كمبدعين وشعراء، لا، لكنهم وجدوا أن اللغة العادية عاجزة عن التعبير عما يدور فى داخلهم ونقل هذه التجربة الحية إلى الغير، فوجدوا أن لغة الشعر أصدق وأكثر تعبيرًا، فمن هذا المنطلق كان اتجاههم للشعر للتعبير عن هذه الأذواق، فمن الصعب رفض التصوف فى رأيى، لأنه نموذج بعيد كل البعد عن أصحاب الإسلام السياسى وعن المتاجرة بالدين، فهو علاقة مباشرة تقترب فيها من الذات الإلهية، تجربة ذاتية لكن بشرط لا تختلط هذه التجربة ببعض الكسالى ممن يرفضون العمل الجاد للغير، فهذه التجربة إذا كانت بينك وبين الله، لكن تفرض أيضاً عليك قيمة العمل وقيمة الفعل، فإذا كانت هذه التجربة ذاتية خالصة بينك وبين الله فمن المفترض أن تكون قوة دفع إلى الأمام لخدمة الغير.
 

< أخيرًا.. ماذا عن إسهاماتك الفكرية ورسالة توجهها إلى من؟

<< أوجه رسالتى للجميع رفقًا بالدين، فالدين نحمله مسئولية تخلفنا، الدين نحمله مسئولية نكبتنا، نتعامل مع الدين تعاملًا حزبيًا، وقد يتعامل البعض مع الدين تعاملًا علميًا، وهناك من يتعامل مع الدين تعاملًا ماديًا.

 

أهم الاخبار