رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيسا التحرير

علي البحراوي - خالد إدريس

"الوفد" تكشف المسكوت عنه خلف الأبواب المغلقة:

التحرش بالصغار.. جريمة لا تسقط بالتقادم

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 12 يناير 2022 20:29
التحرش بالصغار.. جريمة لا تسقط بالتقادم

أعدت الملف: هدى أيمن

حينما تُغتصب البراءة تتجلى الجريمة فى أبشع صورها، فكم من الجرائم ترتكب خلف الأبواب المغلقة، يخشى ضحاياها البوح ولكن تبقى ذكراها محفورة فى أعماق الذاكرة مسببة ندبة لا يمحوها الزمن، والتحرش واحد من تلك الجرائم التى لا تسقط بالتقادم، بل تظل تمثل جرحا غائرا فى النفس لا يلتئم مهما مر الزمن، كما أنه وصمة عار على المجرم المتحرش وليس على الضحية التى تنتهك براءتها فى الصغر لتلبية رغبات جامحة لمجرم يحاول أن يغتال البراءة والجمال فى روحها ألعابها، مطبخها الصغير، قصصها الملونة، رسوماتها البسيطة، أشياؤها الصغيرة تلك هى التى ترسم بها ملامح عالم طفولتها الذى تعيش فيه، وها هى دُميتها المفضلة تصطحبها بجوارها على وسادتها لتشاركها أحلامها الوردية، سعيدة بهذا العالم المنسوج من الجمال والألوان والخيال واللُطف.

وها هو الطفل البريء، تتعالى ضحكاته البريئة فتعانق قطع السحاب المتناثرة فى السماء، يلملم أصدقاءه، ليلهو معهم مع ألعابه التى تمثل كل ممتلكاته كذلك.

ولكن! هناك خلف الستار ذئب بشرى يحاول أن يتسلل لهما بتدنيس عالمهما البرئ.

إن التحرش بالأطفال والقاصرين داءٌ عضال انتشر كالوباء فى زماننا هذا، من ضعاف النفوس والمرضى الذين أطلقوا العنان لعيونهم الجائرة تبحث عن فرائسها كما لو كانت فى الغابات.

ففى الآونة الأخيرة ارتفع معدل وقائع «التحرش بالأطفال»، ولكن ما خفي خلف الأبواب المغلقة أكثر بكثير مما تضمنته بلاغات الشرطة وإحصاءات جمعيات المجتمع المدنى. هذا الملف يفتح القضية المؤلمة والمؤسفة.

 

«ملك» و«جهاد».. براءة فى أيدى الذئاب

 

 

«شيطان دنّس براءتى وشوّه نظرتى للحياة».. هكذا بدأت «ملك. أ» أولى كلماتها وهى تنتزع من شفتيها الجافة ابتسامة باهتة تدارى بها ضعفها وقلة حيلتها لتسرد قصتها قائلة: «كان عمرى ١٢ سنة، ذات مرة شعرت بألم شديد فقدت على إثره الوعى، واصطحبتنى والدتى إلى مستشفى أطفال شهير، وطلب الطبيب إجراء فحوصات لمعرفة أسباب الألم.

تنقلت بعينيها البائستين فى أرجاء المكان شاردة الذهن شاخصة البصر تصارع شبح ألم عاشته ولا يزال يطاردها أينما ولّت لتضيف: «قصدنا إخصائى التحاليل لأخذ عينة دم، وفجأة شعرت بارتكابه فعلة شنيعة بإحدى مناطق جسدى، خفت أتكلم يكسر الحقنة فى إيدي».

قطعت «ملك» حديثها لتتلمس خصلات شعرها بأناملها فى محاولة لإشغال نفسها عن استحضار الصورة الذهنية لليوم المشئوم -على حد تعبيرها- لترتسم على وجه الطفلة ابتسامة خفيفة بعد أن اطمأنت للحديث معى قائلة: «أنا كنت صغيرة ورفيعة لابسة بيجامة عادية ومفيش أى حاجة مُغرية فيا».

بصوت منكسر وعين زائغة واصلت ذات الـ17 عامًا حديثها قائلة: «كنت مُدركة تمامًا أنها مُصيبة؛ لأن والدتى علمتنى أنه لا يحق لأى رجل الاقتراب (عيب وحرام)..لكن الخوف ألجم لسانى حينها، فالتزمت الصمت وخرجت أنا وأمى من المستشفى، لم تغب هذه اللحظة عن ذهنى طوال الطريق، وقبل وصولنا قررت الخروج عن صمتى وبُحت لأمى بما أثقل صدرى، وقع عليها الأمر وقع الصاعقة، وأخذتنى إلى المستشفى وافتعلت مشكلة كبيرة، وأغلق الدكتور الباب على نفسه، علم الجميع بالأمر، وانهمرت فى بكاء هيستيرى من شدة الخوف، وفرّت الأمهات بصحبة أطفالهن من المستشفى فى الحال.

أما «جهاد» فلم تكن تعلم أن «عمو محمد» مالك السوبر ماركت القاطن بالحى الذى تعيش فيه، وتقصده يوميًا لشراء الحلوى والأغراض المنزلية بعد عودتها من المدرسة، لا يلتفت إلى سنواتها الـثماني بقدر ما يلتفت إلى تفاصيل جسدها كفتاة فقط، اعتادت جهاد على تلبية طلب «عمو محمد» الذى كان يحتضنها، وكانت تسمح له بذلك باعتباره فى منزلة أبيها، استمر الوضع هكذا حتى لاحظت الصغيرة أن الرجل يتحسس جسدها النحيل.

وبمحض المصادفة وبدون أن تعلم «جهاد» أنها إحدى ضحايا هذا الرجل الذى يعتدى على طفولتها، أخبرت والدتها أن عمو «شخص طيب أوى» ويعطيها يوميًا الحلوى «ببلاش» بعد كل حضن، ولكن الأم خشيت علم والدها بالأمر وارتكابه جريمة، لذلك اتّخذت قرارها بأن تحتفظ بهذا السر وتمنع ابنتها من الذهاب إليه مرّة أخرى، ورغم مرور الأعوام على هذه الواقعة إلا أن جهاد مازالت تتذكر كل تفاصيلها التى انتزعت براءتها فى الصغر.

 

مرض نفسى ضد الشرع والقانون والمجتمع

 

 

هناك الآلاف من جرائم التحرش لم يفصح أطرافها عنها وما زالت يد العدالة بعيدة عن المتهمين فيها، ولكن هناك سلوكيات وعلامات عديدة توضح إذا ما كان الطفل قد تعرّض للتحرش، والتى تتباين باختلاف عمر الطفل. هذه العلامات يوضحها الدكتور بيشوى سمير، إخصائى الطب النفسى بمستشفى المعمورة منها الخوف الشديد من التردد على أماكن معينة بعد اعتيادها ورهبة مفاجئة غير مبررة من الأشخاص، بالإضافة إلى التغير المفاجئ فى سلوك الطفل أو حالته النفسية حيث يميل للعصبية والعنف أو الميل للعزلة بطريقة مفاجئة، مع فقدان الطفل لمهارات سبق اكتسابها مثل عدم التحكم فى البول أو البراز بعد فترة من التحكم بصورة جيدة والتلعثم فى الكلام بعد النطق الجيد.

وأضاف أنه يمكن أن يحدث تراجع فى الحالة البدنية للطفل بدون وجود سبب عضوى واضح، أما فى الأعمار الصغيرة من 3 لـ5 سنوات فقد يظهر خوف زائد أثناء تغيير الطفل لملابسه أو عند اقتراب الأم منه حال دخوله الحمام إذا كان صغيرًا وما زال فى حاجة لمساعدتها له، أما فى الأعمار الأكبر نسبيًا (من 11 إلى 15 سنة تقريبًا) قد يتجه الطفل إلى مشاهدة الأفلام الشاذة، وفى حالة حدوث اعتداء كامل وليس مجرد تحرش تبقى آثار كدمات فى أماكن متفرقة فى الجسم وخصوصًا منطقة الحوض.

وأوضح الدكتور «سمير» أنه فى حالة شك أحد الأبوين بتعرّض الطفل للتحرش يجب عليه التدخل فى الحال لتقديم الدعم النفسى للطفل مع عدم إلقاء اللوم عليه وتأنيبه بين الحين والآخر، وتوعيته بأنه طفل طبيعى وأن خطأ الآخرين لا ينتقص منه شيئا، مع ضرورة التدقيق فى الأمر للتأكد منه، وبعدها نُبعد الطفل تمامًا عن هذا الشخص، وإذا ثبت ارتكاب ذلك الشخص للواقعة فلابد من إخضاعه للقانون، وعرض الطفل على طبيب نفسى لتقييم مدى الأثر النفسى الواقع عليه وعلاجه والذى يتضمن التركيز على استعادة ثقة الطفل فى نفسه وفى الآخرين، بالإضافة إلى تعريف الطفل ماهية حدود تعامله مع الآخرين بما فيهم الأقارب حيث إن

الغالبية العظمى من حالات التحرش تحدث من شخصية معروفة جيدًا للطفل، وكيفية تجنب التحرش والتصرف فى حالة وقوعه، ووضع الدكتور بيشوى سمير روشتة لوقاية الأطفال من التحرش كان أهمها:

< تكوين روابط قوية مع الأطفال تسمح لهم بأن يصارحوا الوالدين أو أحدهما على الأقل بكل ما يحدث لهم من دون خوف من رد الفعل، وإبداء الاهتمام بما يقوله الطفل مهما كان بسيطًا من وجهة نظر الكبار.

< تعليم الطفل أن بعض المناطق فى جسده لها خصوصية وغير مسموح لأى شخص أن يلمسها حتى لو كان من الأقارب أو الأشخاص المعروفين له.

< تثقيف الطفل عن ماهية التحرش بصورة صريحة إذا كان فى مرحلة عمرية وعقلية تسمح بذلك.

< عدم ترك الأطفال لفترة طويلة مع من هم فى مرحلة عمرية أكبر منهم بدون رقابة. 

< التنبيه على الطفل بعدم أخذ الحلوى أو مأكولات أو مشروبات أو هدايا من الغرباء.

< تعليم الطفل كيفية التصرف إذا تعرض لأى إيذاء حسب عمره سواء بالمقاومة أو الصراخ لطلب النجدة.

< حماية الطفل من التعرض لأى مشاهدات جنسية خصوصًا فى المراحل العمرية المبكرة.

والتقط الدكتور جمال فرويز استشارى الطب النفسى أطراف الحديث مشيرا إلى أن التحرش نوعٌ من الاضطرابات الجنسية يسمى «البيدوفيليا»، وهذا الاضطراب النفسى يكتمل داخل المخ عند سن الـ14 سنة، حينها يجد الشخص لذّته فى التعامل الجنسى مع الأطفال.

وأشار «فرويز»، إلى أن هناك نوعين من التحرش بالأطفال؛ الأول هو التحرش البسيط، القائم على الملامسة فقط، والآخر العنيف والمعروف بـ «الاغتصاب» والذى قد يتسبب فى وفاة الطفل أو الطفلة أو تهتك فى الأعضاء ونزيف وإصابات.

وأضاف استشارى الطب النفسى، أن جريمة التحرش بالأطفال ظاهرة موجودة فى دول العالم كافةً وفى كل الطبقات المجتمعية، وتعمل الدول على مكافحة هذه الظاهرة بتغليظ العقوبات على مرتكبى هذه الجرائم، والتوعية المجتمعية بخطورتها.

وأكد «فرويز»، أن بعض المعتدين قد يكونوا تعرضوا للاعتداء فى صغرهم، حتى تتكون بداخلهم صورة تدفعهم للانتقام من أبناء المجتمع، وهذا هو النوع الأسهل فى العلاج، فيما يشعر البعض الآخر بالدونية، ومن منطلق الفشل فى عقد علاقة مع امرأة فيلجأون للأطفال لضعف مقاومتهم. مشيرًا إلى أن 70% من حالات التحرش بالأطفال تكون مع الأقارب.

 

وفى السياق ذاته، تشير الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، والخبير التربوى، إلى دور الأسرة فى التوعية بمخاطر التحرش، وأخصت بالذكر الأم؛ باعتبارها الأقرب والأكثر تدخلًا فى حياة أبنائها، فلابد من الحديث مع الأطفال للتعرف على ما يتعرضون له، وتعليم الطفل منذ الصغر كيف يحمى جسده من التحرش وذلك عن طريق التربية الجنسية ودعمه نفسيًا، فمن الضرورى تأكيد الوالدين على أطفالهما عدم السماح لأى شخص بملامسة الأماكن الحساسة، حتى لو كان مقربًا أو صديقًا فى المدرسة.

وأضافت أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أنه فى حالة شكوى الطفل لأحد والديه من تحرش أحد الأفراد به، على الأهالى دعمه ومنحه الشعور بالأمان والتعامل مع الموقف بحكمة. فلا جدوى من البكاء على اللبن المسكوب.

 

أميتوا الباطل بالسكوت عنه

كما أشارت الدكتورة سامية خضر إلى الدور الكبير لوسائل الإعلام، وتناولها للموضوع بشكل سيئ للغاية، فالأولى هو إظهار الموضوعات الإيجابية فى المجتمع والعائد التربوى منها، والتركيز على تنشئة جيل واعٍ يتأسى بكل ما هو إنسانى، منوهة بضرورة استضافة المختصين فى البرامج وخصوصًا البرامج النسائية للتوعية. وكذلك منصّات السوشيال ميديا، ومنع الإعلانات الخادشة للحياء فى كل وسائل الإعلام والسوشيال ميديا.

وحذّرت «خضر» فى ختام تصريحاتها من وضع الظاهرة موضع العين، مؤكدة على أنه لابد من تهميشها، مُنتقدة على سبيل المثال لافتات «لا للتحرش»، عائدة ذلك إلى أن كل ما هو ممنوع مرغوب، والأولى بصنع لافتات تحفيزية للنشء والشباب على الإبداع والقوة، فضلًا عن أهمية دور المدرسة فى توعية الأطفال بأساليب التحرش وكيفية تجنبه ولو بأسلوب بسيط، مثال لا للجلوس على قدم أحد.. لا للقبلات، وهذا للذكور والإناث.

 

من جانبه، قال عبدالسميع محمد أمين، من علماء الأزهر الشريف، إنه مما لا يخفى أن الشرع الشريف جاء بمنهج وسط قويم يحفظ على الناس فطرتهم حتى يتنعموا بدُنياهم ويسعدوا فى آخرتهم، فحرم الاعتداء بكل صوره على الإنسان والحيوان والجماد وكل ما خلق الله، بل وصل الأمر إلى تحريم اعتداء الإنسان على نفسه رغم أنها ملكه لكنه مسؤول عنها.

وتابع «عبد السميع» قائلا: على سبيل التفصيل حرم الإسلام – وكل الشرائع والديانات والأعراف - التحرش الجنسى واعتبرته من الجرائم الكبيرة والفواحش المنكرة والقبائح المحرمة التى تفسد المجتمعات. وهو بهذه الأوصاف إذا كان بين الكبار، فإذا كان بين الصغار أو من الكبير للصغير كان أقبح وأفحش؛ لأنه قتل للطفولة وانتهاك للبراءة.

وأعرب «عبدالسميع» عن استيائه من هذا الفعل الشنيع، واصفًا إيّاه بأنه مخالف للفطرة السليمة وصاحبه مريض نفسيا، فالصغير لا يُشتهى أصلًا فكيف يتطاول العقل ويفكر فى هذا الأمر إلا إذا انحدر بنفسه إلى مرتبة من لا يميز الأمور – كالأنعام - وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لما حذرنا من الفحش وأنه مما يبغضه الله «إِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيء».

 

«أصابع قذرة».. فى «بيت العائلة»

 

 

قد يكون التحرش بالأطفال أمرًا متوقعًا فى بعض الأحيان من الغرباء، لكن المؤلم أن تجىء الضربة من أقرب الناس.. أى من الأصدقاء والأقارب، «آية» وأختها مثالان

مؤلمان على ذلك حيث تعرضتا للتحرش من أحد أقاربهما.

تروى آية القصة وعيناها تفيضان بالدموع قائلة: «كنت طفلة لم تتجاوز السبع سنوات، وكانت عائلة أبى مترابطة جدًا، وبيتنا مفتوح دائمًا أمام أعمامى وعماتى فى كل وقت، وكانوا يعتبرون أبى «كبير العيلة»، لذا كانت عمتى وزوجها «العقيم» يترددان علينا بشكل شبه يومى.

بصوتٍ تتلوّن نبراته بالانكسار أضافت «آية»: أن القصة بدأت حين كان زوج عمّتى «و. أ»، 46 عامًا، يُصر على اللعب معى، وهو أمر عادى فى أغلب الأحيان، خصوصًا أننى طفلة صغيرة لا أعى أى شيء عن فكرة التحرش من الأساس، ظل الأمر لسنوات دون أن أفهم غرضه، ولكننى كنت أشعر أن هناك شيئًا مريبًا يحدث لكننى أجهله.

تضم الصغيرة يديها بشدة ويرتجف جسدها النحيل، وتجلس لتلتقط أنفاسها على أريكة خشبية برُكنٍ منزوٍ، لتتابع: «شكوت لأختى الصغيرة، لتفجر لى هى الأخرى مفاجأة لم أكن أتوقعها لتردد «بيلمسنى وبيضربنى فى أماكن عيب»، حينها قطعت الشك باليقين وقررت أن أخبر أمى برفضى أنا وأختى التعامل مع زوج عمتنا، وأفصحنا لها عن كل ما أثقل صدرنا حتى ألّمت ببشاعة الأمر، لكنّها اكتفت بتحذيرنا من عدم التردد على منزله، وإن جاءنا هو علينا البقاء فى غرفتنا، خشيةً من رد فعل أبى إن علم بالأمر، ورغم مرور 10 سنوات على هذه الذكرى السيئة، التى طبعها هذا الرجل فى ذاكرتى أنا وأختى، إلا أننى أتذكرها دائمًا، وأحرص كل الحرص على ألّا أعطى الثقة لأى شخص مهما بلغت درجة قُربه لى.

جلست «شيماء. م»، 34 عامًا، فى سكون يُشبه سكون الموتى، وكأنها تمثال حجرى منحوت على قسمات وجهه علامات الوجوم والانكسار، مكثت لوقت طويل تحدق فى «السقف» بعينيها السوداوين المزينتين بكحلٍ أسودٍ عريض، تسترجع ذكريات موجعة، ولم يخرجها من دوّامة تفكيرها سوى صوت ضحكات طفلتها «سما» 3 سنوات، تتعالى فتملأ الرواق.

بصوت تستظل عباراته بالخيبة والحزن وزفرات دموع تُزيحها بطرف أكمام ملابسها السوداء الرثّة سردت «شيماء» قصتها قائلة: «تزوجت فى «بيت عيلة» ورُزقت بـ«سما»، كنت أنعم بحياة مستقرة هادئة تخلو من المشاحنات، لكن دوام الحال من المحال.. والسبب هو عدم تصديق زوجى لتعرض ابنته الطفلة للتحرش من ابن عمتها.

اعتدلت الزوجة الثلاثينية فى جلستها ورتّبت ملابسها الرثّة وحجابها الأبيض المطرز وتسارعت أنفاسها حينما تذكرت مشهد ابنتها وهى مُعتدَى عليها قائلة: «كان ابن عمتها (15 عامًا) يأتى إليّ بين الحين والآخر بحجة اصطحاب ابنتى للعب، وكنت أوافق مرة تلو الأخرى، إلى أن لاحظت تأخر البنت بالساعات فى غرفته، دفعنى الأمر للشك فى البداية، إلى أن تحول الشك لحقيقة، فذات مرّة بعد لعبهما سويًا رأيت احمرارًا فى أماكن متفرقة من جسد طفلتى،. فذهبت فى الحال إلى أبيها وصرّحت له بشكوكى فى الأمر، فهاج وماج وثار، وذهب إلى شقيقته ليشتكى فعل ابنها وينهال عليه بالضرب، فما كان منها إلا أنها «قلبت الآية» واتهمتنى بالكذب والغِيرة منها والإيقاع بين الأخوات».. فصدّقها وانهال عليّ بالضرب المبرح صفعًا وركلًا واتهمنى بالكذب والغيرة، ولم يكتفِ بذلك بل طلّقنى مبررًا «كلامك كتير وجيبالى المشاكل»، وأكثر ما آلمنى أنه تخلّى عنى وعن فلذة كبده دون التحقق من الأمر.

 

خبير يطالب بتدريس مادة الأخلاق إجباريًّا فى المدارس

 

 

يقول عصام الدين أبو العلا، المحامى بالنقض، إن جريمة التحرش الجنسى تعتبر واحدة من أبشع الجرائم التى طفت على سطح المجتمع المصرى، ولم تكن هذه الجريمة وليدة الحاضر إلا أن لها جذورًا قديمة، ولن نبالغ إن قلنا إن هذه الجريمة لم تأخذ حقها فى العقاب، وهو ما أدى إلى اعتقاد الجانى بأنها جريمة لا عقاب عليها ولذلك امتد التحرش إلى الأطفال.

وأشار المستشار القانونى إلى أن للتحرش صورًا أخرى مباشرة كالدعوة الصريحة أو محاولة جذب الطفل بالحلوى والهدايا، وقد حاول المشرع المصرى مواجهة هذه الجريمة، حيث تنص المادتان 268 و269 من قانون العقوبات على أنه كل من هتك عرض طفل أقل من 18 سنة يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 7 سنوات، وتشدد العقوبة فى حالة إذا كان الفاعل من أصول المجنى عليه أو المتولين تربيته أو ممن لهم السلطان عليه أو فى حالة تعدد مرتكبى الجريمة وإذا اجتمع هذان الأمران تصل العقوبة إلى المؤبد وفقًا للقانون المصرى. 

وأضاف أبو العلا أن قانون العقوبات نص على توصيف التحرش فى المادة (306 مكرر أ)على أنه يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلُّ مَن تعرَّض للغير فى مكان عام أو خاص أو مطروق، بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة؛ بما فى ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية، وتكون العقوبة: الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، وبإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجانى من خلال الملاحقة والتتبع للمجنيِّ عليه، وفى حالة العودة تُضاعَفُ عقوبتا الحبس والغرامة فى حديهما الأدنى والأقصى.

أما المادة (306 مكرر ب» فتنص على أنه: يُعَدُّ تحرشًا جنسيًّا إذا ارتكبت الجريمة المنصوص عليها فى المادة (306 مكرر «أ») من هذا القانون بقصد حصول الجانى من المجنى عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب الجانى بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين. فإذا كان الجانى ممن نص عليهم فى الفقرة الثانية من المادة (267) من هذا القانون أو كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجنى عليه أو مارس عليه أى ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه أو ارتُكِبَت الجريمة من شخصين فأكثر أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحًا تكون العقوبة الحبس مدةً لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين والغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه.

 

واختتم الخبير القانونى حديثه قائلًا: إن المشرع قد أدخل العديد من التعديلات وكان هدفه دائما هو تغليظ العقوبات لمنع وقوع هذه الجريمة التى تؤرق المجتمع كله، وهو تدخل محمود من المشرع إلا أن المشكلة فى رأينا هى مشكلة اجتماعية بالدرجة الأولى، فالتحرش جريمة لا يمكن إنكارها ولا يمكن التغافل عن كونها جريمة بشعة، وأمام هذه المعطيات كان لابد من تدخل عاجل بحيث تدرج مادة علمية فى مختلف مراحل التعليم وتكون من المواد الإجبارية التى يترتب عليها النجاح والرسوب، تضمن تعليم الأخلاق ونشر ثقافة التعامل بين الجنسين وفقًا لأسس تقوم على الاحترام المتبادل ولا يمكن أن نغفل عن الدور الكبير الذى يمكن أن يتصدى له رجال الدين لتوعية المجتمع بمخاطر هذه الجريمة، فالقانون وحده لن يستطيع مواجهتها لأنه لا يوجد حصر لصور التحرش، والقانون الجنائى لابد أن يضع نصًا يحصر فيه صور التحرش، وهو أمر مستحيل، كما أن الأحكام الجنائية لا تبنى على الشك والتخمين وإنما لابد من الجزم واليقين، وهو أمر فى مجال الإثبات نجد صعوبة كبيرة فيه، لذلك فالمشكلة فى رأينا هى مشكلة سلوك مجتمعى غير سوى وليست مشكلة قانون.

 

تعليقات الصور:

سامية خضر

جمال فرويز

بيشوى سمير

عصام الدين أبوالعلا

عبدالسميع محمد أمين

التحرش لمسة غدر تسرق روح

التحرض غياب للأخلاق وموت للضمائر

التحرش الأطفال اغتيال للبراءة

التحرش وباء صامت يهدد المجتمع

التحرش انتهاك صارخ للانسانية

ذئاب تغرس أنياب الخسة

التحرش لا شفيع له

التحرش بمنأى عن الفطرة السوية

لا للمسات غير آمنة

التحرش بالأطفال جريمة عدوانية

السكوت عن التحرش سلبية ممقوتة

التحرش جريمة لا تبرر

أهم الاخبار