رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د. صلاح فضل رئيس مجمع اللغة العربية: الإسلام السياسى.. تجارة بالدين

تحقيقات وحـوارات

الخميس, 07 يناير 2021 01:06
د. صلاح فضل  رئيس مجمع اللغة العربية: الإسلام السياسى.. تجارة بالديند. صلاح فضل رئيس مجمع اللغة العربية

حوار: صابر رمضان - تصوير - رشدى أحمد

تغيير قانون المجمع ضرورة.. و«حماية اللغة» أمام البرلمان قريباً

 

تعاون مع مكتبة الإسكندرية لتحويل تراث المجمع ومنجزاته إلى الرقمنة

 

نؤيد «التعريب» باستثناء الطب.. ونفتقد الأدباء بين الأعضاء

 

مصر بدأت مشروعها القومى لإصلاح التعليم بطريقة منهجية

 

الخطاب الدينى يحتاج إلى تحديث أدواته

 

«أردوغان» أبرز النماذج السياسية الفاشلة فى العصر الحاضر

 

الدكتور صلاح فضل، رئيس مجمع اللغة العربية، قامة فكرية كبرى، وصورة بارزة فى ساحة النقد الأدبى، عايش اتجاهات الأدب العالمى وتياراته النقدية وساهم فى العديد من المؤتمرات والملتقيات العلمية داخل مصر وخارجها، ولد صلاح فضل فى قرية شباس الشهداء بدلتا مصر فى 21 مارس عام 1938، حصل على ليسانس دار العلوم جامعة القاهرة عام 1962، ثم عمل معيدا منذ تخرجه حتى عام 1965، وحصل على الدكتوراه فى الآداب من جامعة مدريد عام 1972، ثم عمل أثناء بعثته مدرساً للأدب العربى والترجمة بها، وعمل بعد عودته أستاذاً للأدب والنقد بكلية اللغة العربية والبنات بالأزهر، وأستاذا زائرا بكلية المكسيك للدراسات العليا حتى عام 1977، أنشأ خلالها قسم اللغة العربية آدابها بجامعة المكسيك عام 1975، ثم عمل أستاذا للنقد الأدبى المقارن بكلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1979.

أثرى «فضل» المكتبة العربية بمؤلفات فى الأدب والنقد والأدب المقارن ومنها «أحفاد محفوظ»، و«نقد الشعر»، و«شعرية التوهج الحسى»، و«جماليات الحرية فى الشعر»، و«لذة التجريب الروائى»، و«طراز التوشيح»، و«محمود درويش.. حالة شعرية»، و«شعر العامية من السوق إلى المتحف»، استند إليها الباحثون فى رؤاهم وأفكاهم وأبحاثهم.

«الوفد» التقت رئيس مجمع اللغة العربية وهذا نص الحوار.

 

 

< بداية.. هل ترى أن مجمع اللغة العربية حتى الآن لم يتمكن من أداء مهمته الموكولة إليه؟

- المهمة التى جاءت بقرار إنشاء المجمع منذ قرابة 90 عاماً مهمة جليلة وخطيرة، ومتجددة ومستمرة لأنها تتصل باللغة، واللغة هى حياة الإنسان فى المجتمع وهى أداته للثقافة ووعاؤه للفكر، وكنزه للتراث وعدته للمستقبل، وهى بذلك ليست مهمة موقوتة وعارضة يقوم بها وينتهى الأمر، وهى تتألف من عدة جوانب، الجانب الأول الحفاظ على اللغة، كى لا تتدهور ولكى لا تضعف ولا تعجز، وتطويعها وتطويرها وتنميتها لكى تستجيب لمتطلبات التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإنسانية، وتطويعها لكى تستوعب العلوم والمعارف الحديثة والعمل على ازدهار الآداب التى تنتج هذه اللغة وتحييها وتخلِّق خلايا جديدة فيها والعمل على تنشيط ترجمة المصطلحات الجديدة والعلوم المستحدثة وتهيئة اللغة لكى تستوعبها وتستقبلها، كل ذلك مهام متواصلة ومتجددة وكل جيل يؤديها بقدر كفاءته وطاقته، وفى الفترة الأخيرة التى نعرفها فى السنوات الثمانى الماضية لا يمكن الحكم بأن المجتمع لم يقم بوظيفته عبر هذه المدة الطويلة، بالعكس بذل جهودا، يؤسفنى أن أقول إن المجتمع لم يشعر بها بالقدر الكافى ولم يأخذ بنتائجها - كما ينبغى - ولم يتحمس لتوظيفها - كما يجب - وذلك لأنه مؤسسة ليست ذات طبيعة إعلامية ومحافظة ورصينة، وتتحرى ألا تكون بقدر الإمكان متعرضة لأتربة الشوارع وغبارها، لا أقول إنها مؤسسة مترفعة، لكنها رفيعة بمعنى أن وظيفتها هى فى صلب تطوير اللغة وتطويعها وتوسيعها وتسيير قواعدها، فهى من قبيل الصناعات الثقيلة وليست الاستهلاكية التى يشعر بها الجمهور فور إنتاجها، وهى تتوجه للمؤسسات المناظرة لها، وتحتوى على بعض أعلام هذه المؤسسات، كثير من رؤساء الجامعات والمؤسسات العلمية، ينتهى بهم الأمر إلى أن يكونوا أعضاء فى مجمع اللغة العربية وتتوجه إلى صناع اللغة ورعاتها فى الوسائل المختلفة، قنوات صلتها بالمجتمع، كانت تمر عبر مسالك ضيقة نسبيا، فعندما يكون فيها عضو مثلاً علاقته وثيقة بالمجتمع ومستمرة ومتواصلة ودائمة مثل فاروق شوشة - رحمه الله - الذى كان يخرج على الناس كل ليلة فى برنامج «لغتنا الجميلة» وأمسياته الثقافية، والذى ظل أمينا للمجمع لفترة طويلة، ولذلك يمكن أن أقول إنه عبر واحد فقط من أعضاء المجمع كان يمثل قناة عريضة وبالغة الأهمية تضخ فى شرايين المجتمع، وتصب فى سمعه آيات من فن اللغة الجميلة، الشعر وغيره، فالأفراد يقومون بدور حيوى وحساس بهذا الصدد، لكن ليس معنى ذلك أن الأمور مضت على أحسن وجه، فهناك جوانب نفتقدها فى المجتمع، وعلينا أن نجتهد لاستكمال نقائصه.

< وماذا عن خطتك لإنقاذ المجمع والحفاظ عليه خاصة أنك صرحت من قبل بأن المجمع أصابته الشيخوخة وانسدت الشرايين بينه وبين المجتمع؟

- هذه الشيخوخة مشكلة، لأنه بوسع من يسمع كلامى هذا أن يرد علىّ قائلاً: ما أكثر شيخوختك أنت حتى تعيب الشيخوخة، فقد نزع المجمع ألا يقبل من أعضائه سوى من تقاعدوا وارتفع السن تدريجيا، فقد دخلته وعمرى فى الخامسة والستين من عمرى، وهذا كثير فأصبح من تقاليده أنه يقبل من استطاع أن يثبت وجوده وكفاءته وتتراكم إنجازاته، حتى يقنع أعضاءه بأن يقبلوه ويختاروه وينتخبوه وليس هذا بالأمر اليسير، لا يتيسر لشاب فى الأربعين مثلما تيسر لعبقرى مثل طه حسين، فطبيعة نظامه حتى المؤسسات الأكاديمية المناظرة له فى العالم، الأكاديمية الفرنسية أو المجمع الملكى الإسبانى، أو غير ذلك من المؤسسات المناظرة مادة لا يدخلها إلا من رسخت قدمه فى العلم، وشعر المجتمع بأهميته واعترف بقيمته فى تخصصات اللغة والآداب ولغويات العلوم المختلفة، إذن هذه سن النضج، لكن بالغنا فيها قليلا، فآن الأوان لكى نحاول تجديد شباب المجمع وقد ساعدتنا الظروف فى الفترة الماضية على ذلك بشىء طريف، عندما قامت ثورة يناير عام 2011، احتج أوائل خريجى الجامعات من أنهم لا يجدون وظائف فى المؤسسات الحكومية، قامت حكومة الدكتور عصام شرف وقتها بتعيين عدد كبير منهم وعرضت على الهيئات المختلفة أن تختار منها ما يناسبها فاختار ثلاثين شابا وفتاة واحدة وهذا أضع تحته خطاً، إلا أن العقلية فى المجمع عقلية ذكورية إلى حد كبير، وما زالت كذلك حتى الآن ولا أمل فى تغييرها سريعا، 30 شاباً وعينوا كباحثين ومساعدى باحثين على الكادر الجامعى، هذه الطاقة من الشباب لم يستثمرها المجمع - حتى الآن - حاول بأن يجعلهم يشاركون الخبراء فى اللجان أو غير ذلك ولكن بوسعنا أن نستثمرهم بأفضل ما حدث وبهذا يصبحون وسيلة لتجديد شباب المجمع.

< وهل سيتم تعديل قانون المجمع حسب رؤيتك الجديدة فى الإصلاح؟

- تغيير قانون المجمع ضرورة لا مفر منها، وأرجو أن يتم مع الحفاظ على طبعه الرصين وعلى رسالته الخطيرة وعلى نمط ونسق الأكاديميات المناظرة له فى العالم كله، لكن آليات الإدارة، وهذه الأشياء لابد لها من تطوير، والمجمع اقترح قوانين من أهمها قانون حماية اللغة العربية، وأرجو أن يتم الأخذ به ودفعه إلى الدورة البرلمانية القادمة إن شاء الله.

< وماذا عن تحويل العمل بالمجمع إلى الرقمنة وتوافر المجامع الإلكترونية؟

- فكرة الرقمنة بدأناها بتؤدة، شأن كبار السن دائماً خطوهم بطىء، وكنا شرعنا فيها منذ عامين، فقد نظم أحد أعضاء المجمع دورات لأعضاء المجمع لكى يتدربوا على استخدام الحواسب الآلية، وكان أعضاء المجمع 35 عضواً تقدم منهم للانخراط فى هذا التدريب 5 أعضاء ثم توفى المشرف على ذلك، فتوقف

المشروع فالرقمنة تحتاج إلى أمرين؛ الأول أنه ليس لدينا بنية أساسية معلوماتية، ونحن بحاجة إلى ميزانية لاستكمال هذه البنية والتدريب، وأظن أن بوسعنا أن نستعين ببعض المؤسسات التى قطعت خطوات جيدة فى الرقمنة مثل مكتبة الإسكندرية منذ إنشائها حتى الآن قامت برقمنة مئات الآلاف إن لم يكن ملايين الكتب، وبلغت إلى الدرجة التى أصبحت تنافس فيها مكتبة الكونجرس الأمريكى ولديها فرق متخصصة فى غاية الأهمية، وبالفعل نحن بصدد مشروع للتعاون مع مكتبة الإسكندرية لعون المجمع على تحويل تراثه ومنجزاته من معاجم لغوية علمية متخصصة إلى أن تصبح رقمية وأكثر من ذلك إلى الانخراط فى تيار الدولة التحديثى الآن، الذى يخطو بسرعة فى سبيل رقمنة كل المؤسسات، فنحن بهذا نخطو بموازاة الحركة التى يفرضها علينا العصر والاستجابة لمتطلباته وفى تقديرى أن هذا سيفتح الباب واسعا وعريضا، بين المجمع وبين جمهور المهتمين بأعماله لأنه عندئذ لن يحتاج إلى أن يقتنى مطبوعا ولا إلى أن يذهب إلى مقره بل يصبح بوسع كل مدرسى اللغة العربية أو كل مشتغل وعاشق لها أو كل أديب، أن يطلع على إنتاجه ويتفاعل معه، وحلمى ألا نكتفى بنقل الكتب من شكلها الورقى إلى الشكل الرقمى فحسب، بل أن يحدث نوع من التفاعل بيننا وبين المتخصصين، فلدينا ثلاثون لجنة علمية، وهذه اللجان تنتج قدرا هائلاً من المصطلحات الجديدة واللجان اللغوية تستوعب مستحدثات اللغة وأساليبها والكلمات وأنماطها والمخترعات إلى درجة بعيدة، لكن ما تقره يظل محصورا فى نطاق الأعضاء، لا يعرفه الآخرون وبالتالى أعتقد أن الرقمنة ستفتح بابا واسعا للتواصل والتفاعل واستخدام تقنيات العصر مما لم يكن موجودا لدى الأجيال السابقة فى سبيل توثيق العلاقة الحميمة بين المجمع والمجتمع.

< يلاحظ أن المجمع حالياً اختلف تكوينه عن الأجيال السابقة فماذا يمكن عمله فى هذا الصدد؟

- فى تقديرى أنه عند بدء تكوين المجمع كان يتألف فى جوهره من 10 أعضاء مصريين و10 أعضاء عرب ومستشرقين من المشتغلين باللغة العربية فى الجامعات الغربية ثم دخلته دفعة ضخمة من الأدباء 10 أعضاء بالتعيين وكان على رأسهم طه حسين وظل كذلك حتى وفاته، عام 1973، وفى الفترة الطويلة التى امتدت نيفاً وعشرين عاما التى ترأسه فيها الدكتور إبراهيم بيومى مدكور الفيلسوف العظيم، قلت نسبة الأدباء فيه حتى إن الأديب الوحيد كان يعمل موظفا وليس عضوا وهو القصاص الشهير أحمد عبدالحليم عبدالله، ولم يدخله من الأدباء بعد ذلك سوى الشاعر فاروق شوشة، ثم دخلته أنا عام 2003، إذا اعتبرت أديبا أو مشتغلا بالأدب، وبعض الأساتذة النقاد الكبار، لكن أدباء مبدعين يفتقدهم المجمع الآن صحيح أن أسماءهم ليست فيما يبدو بالوهج التى كانت تتميز به أسماء الأدباء فى الجيل الماضى لكن إبداعهم وكتاباتهم من الشعر والقصة والرواية والمسرح هى التى تحيى اللغة، وقد أخذت على المجمع - مثلا - عندما توفى نجيب محفوظ 2006، أنه فاتهم شرف أن يجلس بينهم نجيب محفوظ، ويكون عضوا فى المجمع، ولكنه فيما يبدو هو ذاته لم يكن حريصا على ذلك، وقد تقدمت بترشيحات كثيرة من الأدباء لأعضاء المجمع ولكن لم تلق الأصوات الكافية لإجازتهم، ففى تقديرى أن هذا الجانب لابد من استيفائه عن طريق اقتناع أعضاء المجمع أنفسهم بأهمية أن يكون بينهم أدباء، لأنهم هم همزة الوصل بين الإبداع اللغوى وبين القراء، فهم لهم مئات الآلاف من القراء، ويكتبون فى الصحف وينشرون الكتب، وعندما يكونون فى المجمع هم أنفسهم ذواتهم فسيمثلون همزة الوصل بين المجمع والحياة الثقافية والإبداعية، شريحة أخرى ذات أهمية يلاحظ أنها أخذت تغيب تدريجيا عن المجمع فى عقوده الماضية وهى شريحة قادة الرأى والمفكرين والشخصيات العامة، إذا توفر فيهم الشرط الأساسى لعضوية المجمع وهو العناية باللغة والولع بها، والكفاءة فيها والقدرة على توظيفها فلا يعنينى أى شخصية عامة مهما كانت أهميتها لا تجيد اللغة ولا تهتم بها ولا تعرف بقدر طاقتها أسرار بلاغتها وجمالها ولا تمارس الكتابة، فهؤلاء الأدباء من الممكن أن ينشروا شيئا من ضوء المجمع فى ثنايا كتاباتهم فيمثلون همزة وصل أخرى بين المجمع والحياة، هاتان الفئتان بطبيعة الحال، الأدباء من ناحية وقادة الفكر والرأى من ناحية ثانية، أحسب أننى كثيرا ما كنت كل عام تقريبا، وعند بداية انتخاب الأعضاء الجدد أحاول برفق أن أنبه زملائى إلى ضرورة أن يظفروا بعضوية بعضهم، لكن كانت لهم وجهات نظر أخرى.

< ماذا عن المعجم اللغوى التاريخى الذى سيصدره المجمع وتطورات العمل به؟

- المعجم التاريخى منصوص فى قانون إنشاء المجمع منذ 90 عاما، على أنه يعمل المجمع على تأليف معجم تاريخى للغلة العربية، ومنذ عقدين من الزمان أذكر جيدا عند بداية التحاقى عضوا بالمجمع بدأنا التفكير جديا فى بعث هذا المشروع وكانت عوائق مادية فى الدرجة الأولى ولوجستية لو صح التعبير، حاولنا أن نعرّب لوجستية فصعب علينا هذا التعريب وقررنا أن ندخل إلى اللغة العربية بشكلها الحالى، مثلت عوائق فى سبيل تنفيذ هذا المشروع حتى تكرم سمو الشيخ سلطان القاسمى حاكم الشارقة بالتعهد بإنجاز هذا المشروع واحتشد له عدد ضخم من علماء مجمع القاهرة وعلماء المعاجم العربية كلها، وأخذوا خطوات جادة حتى أعلن منذ شهر تقريبا إصدار المجلدات الثمانية الأولى التجريبية، وأحسب أن هذه بداية مشجعة جدا، لابد من استكمالها بإذن الله، كما أن لمجمع القاهرة مشروعاً آخر فى غاية الأهمية يوازى المعجم التاريخى، وهو المعجم الكبير يستكمل به سلسلة معاجمه الوجيز والوسيط ثم الكبير، وقد قطع فيه شوطا طويلا، وأصدر عددا ضخما من المجلدات ويسارع خطاه فى سبيل إنجاز بقية هذه المجلدات، لكن هذه المعاجم - فى تقديرى - لابد أن تتحول إلى معاجم إلكترونية، ولابد أن يتسنى لكل من يرغب الإفادة منها الحصول عليها بأشكالها المختلفة والرقمية.

< كيف يمكن إصلاح التعليم الذى يعد محور أى نهضة فى المجتمعات من وجهة نظركم؟

- فى تقديرى أن كثيرا من البلاد العربية نجحت وتنجح فى إصلاح مؤسساتها التعليمية، ومصر بدأت مشروعها الطموح فى

إصلاح التعليم منذ عدة أعوام وكرست جهدها لذلك وهى ماضية بإصلاح التعليم العام والجامعى بطريقة منهجية منظمة للغاية، وهو ببساطة أن يكون التعليم هو قاعدة الانطلاق للمستقبل، وأن يكون له الأولوية فى كل شىء، وأن يصبح تعليما جيدا وليس تعليما رديئا، وجودة التعليم وليس مجرد الأخذ بظواهره السطحية ومحاربة الأمية وشمول استيعاب التعليم الأساسى لكل طبقات المجتمع ووحدة مناهجه، وهنا أجد أنه من الضرورى التقريب بين ثلاثة فروع تعليمية متباعدة جدا لدينا فى المرحلة الأساسية وهى التعليم الحكومى والتعليم الأجنبى والتعليم الدينى، هذه الفروع الثلاثة لابد من التقارب التدريجى بينها حتى ننتهى خلال عدة سنوات إلى إدماجها، بحيث يصبح العقل المصرى متواجداً فى تكوينه على أساس الفكر العلمى والقيم الروحية والصلابة الأخلاقية والمعرفة بالحضارات المعاصرة وإتقان اللغتين العربية والأجنبية فى الآن ذاته، وكفاءة الإنسان فى لغته هى التى تسمح له بإتقان لغة أخرى، هذه نتائج بحثية وعلمية بمعنى أن من لا يملك لغته الأصلية سيظل ضعيفا فى اللغات الأخرى، لأن آليات التفكير الإنسانى فى الكفاءة اللغوية مترابطة ومتداخلة من يستمتع بقراءة الأدب العربى مثلا سوف يجد متعة جمالية بالغة فى قراءة الآداب الأخرى، وإذا أتقنت لغتها كان أقدر على هذه المتعة، ولأننى منذ عامين أعمل رئيسا للجنة قطاع الآداب بالمجلس الأعلى للجامعات، فقد جعلنا من متطلبات الجامعة المادتين معاً اللغة العربية والإنجليزية حتى يقوى فيه الشباب وحتى يستكمل جناحيه لأن اللغة هى التى ترقى بنا مثلما يصعد الطائر بجناحيه ليحلق فى السماء، فإذا كان بجناح واحد كسير الجناح الآخر لم يستطع أن يرقى كما يود.

< ماذا عن مشروع تعريب العلوم.. وكيف تقيّم التجربة السورية فى ذلك؟

- أنا مثل زملائى فى المجمع نميل كلنا تقريبا إلى استعادة العصر الذهبى للعربية عن طريق إنتاج العلم باللغة العربية وتعريب كل العلوم، لكنى أوافق على استثناء يسير فى علم خطير يتغير من ساعة إلى أخرى، وإذا تم تعريب التدريس به أخشى أن يباعد بين خريجى المهنيين من أبنائه وبين مستحدثاته المتغيرة ساعة بعد ساعة وهو الطب، فأنا أميل إلى الأخذ برأى صديقى الكاتب الكبير الدكتور أحمد الجارم نجل الشاعر العظيم على الجارم الذى تحفظ على تعليم الطب بالعربية، وعندما نتأمل فى التجربة السورية مثلا، وقد عربوا الطب سنجد أن المرضى من أهل الخليج يفضلون الذهاب إلى العيادات الأردنية وليس للعيادات السورية وهذا مؤشر يمكن أن يشير إلى أن تعريب التعليم بالطب لا تسده الترجمة، ففى تقديرى أن وسائل الإعلام تحاول اللحاق بسرعة عن طريق الترجمة الفورية والعلوم ترجمتها يسيرة آليا لكن عدم قدرة الطبيب على متابعة الأبحاث الجديدة يوما بيوم يمثل عائقا شديدا يتصل بصحة الناس الحيوية، ولذلك أشك فى أن تعريب الطب سيساعد على إنتاج أبحاث طبية مواكبة للعصر، لأن معظم هذه الأبحاث يتم تداولها يوميا باللغة العالمية المتداولة وهى الإنجليزية، ومع أنى لا أثق فى إنجليزية دروس الطب فهى مهجنة وإنجليزية عجيبة جدا، إلا أنها على الأقل تؤهل أصحابها لكى يستشعروا ضرورة إتقان اللغة الأجنبية كأداة يومية للتعامل فى الأبحاث، فى الفلك، فى النبات، فى الزراعة، فى العلوم، فى الطبيعة، الكيمياء، فى البترول، هذه أبحاث تحتمل الانتظار حتى تتم الترجمة، لكن أبحاث الطب على وجه التحديد لا تحتمل هذا الانتظار، ولذلك كنت أنضم لرأى الدكتور «الجارم» فى استثناء الطب من التعريب، ليس معنى ذلك أننى لا أفرح جدا بالقواميس الطبية العربية ونعمل عليها، لكن القواميس شىء والممارسة اليومية شىء آخر، ومع ذلك فأنا أعرف أن رأى المجمع الرسمى هو الموافقة على التعريب.

< كيف ترى تجديد الخطاب الدينى وما استراتيجيتك فى هذا المضمار وإذا كنت ترفض تجديد الخطاب الدينى فما البديل؟

- لا أرفض تجديد الخطاب الدينى، لكننى - ولى تجربة بعيدة المدى منذ شاركت فى صياغة وثائق الأزهر - أوجز رأيى فيه فى ثلاثة عناصر، الأول: يبدأ فى التعليم الأساسى فالعلوم الدينية تخصص مثل العلوم الهندسية والطبية والرياضيات والآداب والفنون، والإنسان لا يبدأ التخصص منذ الطفولة، يقطع المرحلة الأساسية أولا، يمتلك فيها قدرات التفكير العلمى والتفكير النقدى وقدرات المعرفة العامة فى شئون الحياة فى المرحلة الأساسية ثم فى التعليم الجامعى يتخصص، والأزهر طيلة تاريخه لم يكن للأطفال، الكتاتيب هى التى كانت للأطفال والأزهر كان للدراسات العليا «التخصص» ومن الجامع الأزهر انبثقت الكليات الثلاث، كلية اللغة العربية، الشريعة وأصول الدين ثم ضمت إليها كلية الدعوة الإسلامية، فالكليات الأزهرية ضرورة حتمية لأن هذا التخصص الدينى جوهرى على ألا يذهب إليها إلا من يحمل الثانوية المشتركة التى اقترن فيها التعليم الدينى بالمدنى بالأجنبى، فالإصلاح لابد أن يكون جذريا وتدريجيا، أعرف أن هذه مهمة خطيرة جدا وسوف لا يوافق عليها الأزهر لأنها تنتقص من إمبراطوريته وسلطاته وتوسعه، لكننى دائما أحتكم إلى تحربتى الشخصية، فقد كان هناك 5 معاهد «القاهرة والإسكندرية وطنطا والزقازيق وأسيوط» فقط وكان يتخرج منها ألف طالب سنويا، أما الآن فهناك 20 ألف معهد تخرج نصف مليون طالب، فهل نحن فى حاجة إلى نصف مليون رجل دين، لا ينتجون شيئا غير الخطاب الدينى المنقوص، ولذلك أعتقد أن الخطاب الدينى بحاجة إلى تقليص مصادره وتنوير معطياته وتحديث أدواته بحيث يصبح خطابا متفقها فى الدين بعمق فى دراساته العليا متبعاً للتفكير العلمى فى تأسيسه الأول.

< شهدت الدول العربية إبان ثورات الربيع العربى صعودا لتيار الإسلام السياسى ما لبث أن تهاوى بطرق متباينة، فإلام تعزو ذلك الصعود ثم التهاوى السريع وهل تتوقع إمكانية قيامهم بمراجعة فكرية تمكنهم من العودة مرة أخرى؟

- الإسلامى السياسى تجارة بالدين، والدين أقدس من أن يصبح موضوعا للتجارة، وهو وسيلة للقفز على السلطة وانتزاعها وتضييع الدين فى سبيل السلطة، وقد أفرخ من الإرهاب ومن النزعات الدموية ومن الدمار ومن الحروب الأهلية فى وطننا العربى ما جعل تجربته موجعة وأليمة وردة حضارية، لحسن الحظ أنه لم يستمر فى مصر سوى عام واحد أسود، ولا أحسب أنه قابل للمراجعة، مراجعاته مخاتلة وخداع ونفاق، هو فى جوهره استغلال للدين للوصول إلى السلطة ثم الحكم باسم الله وعودة للعصور الوسطى، واعتقاد عودة شكل الخلافة وهذا تفكير موغل فى أوهامه وفى أسطوريته، لأن أشكال الحكم اختلفت، يمكن إقامة اتحادات للدول الإسلامية كما تشاء لكن أن تبنى خلافة لحكم بلاد المسلمين كلها، لا أعرف أى عقل يتسع لهذا الوهم، وبحجة واهية أن هذا من الإسلام، وقد سقطت هذه الحجة علميا، وبالتالى فشرط تدين ما شئت، الدين علاقة بينك وبين ربك، لكنك عندما تعيش فى وطن تصبح حماية هذا الوطن من الإيمان، ولابد أن تكون الأوطان دولا مدنية متحضرة حديثة، لا ترفع شعار الدين، فلدينا ثلاثة مجتمعات، المجتمع الإيرانى الذى يخضع لحكم الملالى، ونظرة واحدة تكفى لكى ندرك مدى عدائه للعالم ومدى تضييعه لمصالح شعبه ومدى تدخله لدى الشعوب الأخرى، ولدينا أراجوز ضخم فى تركيا يبيح ما لا يبيح أى دين أخلاقيا فى دولته ويطمح مطامح لا حد لها فى جيرانه، ويساعد القوى الإرهابية فى العالم ويريد أن يقضم أجزاء من الأوطان المجاورة له وأن يشعل فيها الحرائق لمصالحه الاقتصادية والإمبراطورية على وهم أنه يعيد مد الخلافة العثمانية، وهذا نموذج من أفشل النماذج السياسية فى العصر الحاضر، ثم لدينا التجربة التونسية التى استقرت على قدر من الديمقراطية بمشاركة من أنصار الإسلام السياسى لكنها لم تشف بعد من علة وطموح وهيمنة التيارات المتطرفة والمتعصبة عليها، مصر حماها الله ووقاها من هذه التجربة وعبرتها وحملت على أكتافها عبء الأمة العربية بأكملها ونجت من التمزق والحروب الأهلية وأدعياء وتجار الدين، أن يغيروا عقيدتهم - لا أظن - على من يشتغل بالسياسة أن يكف عن استخدام اسم الله - وهكذا كان يقول النحاس زعيم الوفد - يقول إن السياسى الذى يبدأ خطابه باستدعاء اسم الله هو مخادع، لأنه يتكلم باسمه وباسم حزبه، لكن الله لم يكلفه، ولم يبعثه نبيا، ادعاء أن تنطق باسم الله فى السياسة ادعاء كاذب، لأن الدين فى جملته مسألة عقيدة وعلاقة بين الفرد وربه، أما المجتمع فتحكمه قوانينه وتحكمه عدالته وتحكمه من الدين صلابته الأخلاقية.

< أخيراً.. ماذا عن مشروعاتك الفكرية التى تستطيع من خلالها أن تغير من واقعنا الثقافى المعيش؟

- مشروعى كان فى جوهره نقديا وأعتقد أننى قمت ببعض مسئولياتى فى مجال النقد الأدبى - الحمد لله - فلدىّ ما يربو على 40 كتابا واضطررت للعمل العام فى العقدين الأخيرين، لأداء مسئوليتى الثقافية وأحسب أنه لم يبق فى العمر شىء، إلا لكى يستكمل الإنسان ما شرع فيه من مهام.

أهم الاخبار