رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مستشار البرلمان الأوروبى للشئون الإسلامية:

د. محمد البشارى : الجماعات التكفيرية.. «خطفت» الدين

تحقيقات

الخميس, 18 يونيو 2020 10:28
د. محمد البشارى : الجماعات التكفيرية.. «خطفت» الديند. محمد البشارى خلال حواره مع «الوفد»
حوار: صابر رمضان

أعضاء الإخوان غرقوا فى المال والسلطة وانحرفوا عن صحيح الإسلام

طهران وإسطنبول والدوحة.. ثالوث التخريب فى الوطن العربى

الخطاب الدينى العنيف.. أبرز أسباب ظاهرة «الإسلاموفوبيا»

مصر تخوض حرباً شرسة ضد الإرهاب والمؤامرات الإقليمية

يجب تفكيك الخلايا النائمة للمنظمات الإرهابية عبر المواجهة الأمنية والفكرية

 

ولد المفكر الإسلامى الدكتور محمد البشارى بمدينة وجدة بالمغرب عام 1967، حصل على درجة الدكتوراه فى الإعلام من جامعة باريس بفرنسا، ونال الجنسية الفرنسية، شغل «البشارى» العديد من المناصب، فهو مستشار لدى البرلمان الأوروبى للقضايا الإسلامية والعلاقات الأوروبية العربية وعميد معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية بمدينة ليل بفرنسا، وهو أمين عام المؤتمر الأوروبى الإسلامى ببلجيكا ورئيس الفيدرالية العامة لمسلمى فرنسا ونائب رئيس المجلس الفرنسى للديانة الإسلامية حتى عام 2006 ونائب رئيس المؤسسة الوقفية للأعمال الإسلامية بفرنسا وعضو مجمع الفقه الإسلامى الدولى بجدة، وعضو المجلس الأوروبى للقيادات الدينية بالنرويج والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة وعضو رابطة الجامعات الإسلامية وعضو المجمع العالمى للتقريب بين المذاهب الإسلامية بإيران، وعضو المنتدى العالمى للحوار بجدة، ويشغل حالياً منصب أمين عام المجلس العالمى للمجتمعات المسلمة.

نال الدكتور «البشارى» العديد من الأوسمة والتكريمات أبرزها وسام الملك عبدالله الثانى للتميز من الدرجة الأولى بالأردن، ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى من مصر.

ألف المفكر الكبير العديد من المؤلفات والكتب التى أثرت المكتبة الإسلامية، إضافة إلى الأبحاث المنشورة فى المجلات والدوريات العربية والإسلامية والعالمية، ومن أبرزها: «العالم الإسلامى وتحديات 11 سبتمبر 2001 الواقع والمآل» و«مفهوم التنمية.. بؤس الأسس المعرفية وانزلاق التطبيقات الميدانية» و«التسامح الإسلامى بين الحقيقة والافتراء» و«الفقه الإسلامى المعاصر ومطلب التجديد الدينى» و«العقل الإسلامى المعاصر وتحديات المرحلة» و«الإسلام والمسلمون فى المناهج الدراسية الأوروبية» و«إشكالية وتبعات الحوار العربى الأوروبى على واقع الديمقراطية فى المنطقة العربية» و«المسلمون والغرب.. بين الخوف على الهوية والخوف منها» و«حوار الحضارات عوض صدام الثقافات» و«الأمة الإسلامية بين تحدى الأمن الفكرى والأمن الروحى» و«مفهوم التكفير وأثره على واقع الأقليات المسلمة» و«مخاطر الإرهاب.. صوره وآثاره فى زيادة التوتر على الصعيد العالمى» و«جغرافية الأزمات والتوتر فى المجتمعات المسلمة» و«أدوار الحقل الثقافى والإعلامى فى تقوية الأمن القومى العربى».

«الوفد» التقت المفكر الإسلامى الدكتور «البشارى» فى هذا الحوار:

< تعيش الأمة الإسلامية اليوم حالة من الشتات والضياع والفرقة؛ الأمر الذى يثير فى نفوس المسلمين اليأس والتشاؤم.. كيف ترى ذلك؟

<< هذه حالة قديمة ليست جديدة، لكن مع الأسف ازدادت وتيرتها بعد الربيع العربى أو قبله بقليل، حيث رأينا التدخل السافر لبعض الدولة الراعية للإرهاب المحتضنة لشيوخ الفتنة والضلال التى تعمل على التبشير بمشروع التقسيم والانفصال والتخريب من خلال قنوات التحريض، ولهذا نرى أن هناك معسكرات أو عواصم سوف تتشكل من خلال قربها أو بعدها من المشروع، هناك مشروع إسلامى وسطى معتدل يقوم الآن من خلال العواصم الخمس من أبوظبى والرياض وعمان والرباط، وهذه العواصم الخمس تشترك فى الطرح أولاً الاعتدالى، وأنها تؤمن بالدولة الوطنية واللحمة الوطنية، وتؤمن بأن الإسلام ما أتى إلا لنصر قيم التعايش والتكافل والتعاون، ثم تشكلت فى المواجهة فرقة أو تكتل ليس منسجماً داخلياً، لكن يلتقى فى التبشير بالمشاريع التخريبية، وهذا التكتل يضم الدوحة وإسطنبول وطهران، ورأينا كيف تعمل طهران على التبشير بالمذهب الشيعى، بل إنه لم يصبح التبشير على المستوى الدعائى الفكرى وإنما أصبح بالقوة والسلاح، حيث اختطفت طهران عواصم بغداد ودمشق وبيروت واليمن، ونرى أن الحروب المندلعة فى هذه المنطقة حروب وجود أو لا وجود، أى أن هذه الحروب التى اندلعت فى اليمن الآن هى بالوكالة عن المسلمين أمام المشروع الاستيطانى والتوسع الإيرانى الذى يريد تشكيل ما يسمى فى مشروع الخمينى بـ«الثورة الخمينية» أى تصدير الثورة إلى كل هذه البقاع، والخطورة أنه أصبح فى كثير من البلدان العربية الإسلامية السنية تيارات التشيع تعمل على التبشير بالمذهب الشيعى، وهى تشكل تيارات وأحزاباً ومرجعيات تتناقض مع واقعنا ومع تاريخ هذه الدول والشعوب، نحن لا ندعو إلى حرب طائفية أو مذهبية وإنما نقول على الكل أن يحافظ على وحدة بلده، ووحدة البلد تعنى أن تنطلق من مقوماته ووحدة المذهب ووحدة اللغة والإدارة الذكية للتعدديات الدينية والثقافية والعرقية.

< إشكالية علاقة الدين بالدولة والوطن خرجت علينا بها جماعات الإخوان والتنظيمات الإرهابية والتكفيرية تحت مسميات عدة.. فكيف ترى هذه الإشكالية؟

<< دعنى أقل إن الإشكالية التى خرجت بها هذه الجماعات التكفيرية وهى علاقة الدين بالدولة والوطن، حيث استطاعت هذه الجماعات أن تختطف الإسلام بل تختطف تراثنا وحاضرنا ومستقبلنا تحت شعار «الإسلام هو الحل» وتحت عباءة هذا الشعار أطلت علينا جماعة الإخوان المسلمين بالكذبة الكبرى سعياً لأهواء ومصالح جماعة أو تنظيم يسعى للحكم فى البلدان الإسلامية حتى إن خرب العقيدة ودمر الأوطان، ولو أزهقت الأرواح فى سبيل ذلك، ما أفرز هذا الواقع المرير فى أوطاننا العربية، لكننا نفهم الإسلام أنه دين ودولة وأنه عقيدة انبثق عنها سلوك وقيم تتأسس عليها حياة الناس كلهم أجمعين، من يؤمن بالإسلام ومن لا يؤمن به، أما جماعة الإخوان المسلمين ومنظروها فهم غرقى المال والسلطة، حتى انحرفوا بالإسلام عن جادة الصواب، ليصبح من لا يؤمن بفكر الجماعة ومرشدها والبيعة والحاكمية والجهاد خارج الدين والملة فيما يعرف بجاهلية المجتمع والتكفير واستحلال الدم والعمل على تغيير المجتمع من خلال «أسلمة الدولة» عن طريق الجنوح للعنف واستعمال وسائل التشهير والشائعات. ودفعت أهدافهم الخبيثة شباباً ليسقط فريسة لهم، تزهق روحه فى سبيل الجماعة والتنظيم، حتى تم تحريف النصوص عن الحاكمية والجاهلية والجهاد وتكفير المجتمع والخروج على الحاكم وقتل الآمنين والمخالفين فى العقيدة وللأسف خرج من عباءة الإخوان تنظيمات عدة مثل حزب التحرير وولاية الفقيه والقاعدة وداعش والتنظيمات التى استطاعت عبور القارات للتآمر على سيادة الدول واستقرارها.

< وما تقييمك لثورة 30 يونيه فى مصر التى أسقطت حكم المرشد وجماعة الإخوان المسلمين؟

<< هى ثورة تجاوزت حد الزمان والمكان بكل المقاييس، فقد استعادت الإسلام من أيدى مختطفيه بأسلوبهم الإجرامى الدموى، وأسقطت أجندة خارجية دولية كانت تهدف لتدمير الحضارة والتاريخ العربى والإسلامى، التى كانت حضارة تقدم أنموذجاً عالمياً راقياً فى التعايش السلمى مع الآخر المخالف فى العقيدة، لكن التنظيمات الإرهابية لعبت دوراً كبيراً فى نشر الفكر التخريبى المشبوه فيما يعرف بـ«الإسلاموفوبيا».

< وما مفهوم مصطلح «الإسلاموفوبيا» من وجهة نظركم؟

<< هو ظاهرة حديثة تعبر عما يراه الغرب فى صورة الإسلام، فهو مصطلح مأخوذ من علم الاضطرابات النفسية الخاصة بظاهرة «الرهاب» أو «الخوف»، والغريب أن هذه الظاهرة ليست حديثة، بل تعود إلى تاريخ قديم قدم الدين الإسلامى نفسه، لكنه قد انتشر كثيراً من بعد التفجيرات الشهيرة التى شهدتها أمريكا فى سبتمبر 2001 التى أسندت إلى تنظيم القاعدة، وقد استقر النظر إلى الإسلام بكونه إرهاباً، وقد استند مروجو هذا المصطلح إلى أسباب اعتبروها دلائل على خلط الإسلام بالإرهاب، وهو مصطلح مركب من كلمتين هما كلمة «إسلام» وهى كلمة عربية، والكلمة الأخرى وهى كلمة «فوبيا» وهى يونانية، وتعنى الخوف وأصلها فوبوس، فالمصطلح يترجم

بشكل عام إلى الخوف من الإسلام أو الخوف من المسلمين، ولأن كلمة «فوبيا» هى كلمة فى الأصل يونانية، وتعنى خوفاً، فقد تردد الكثير من المصطلحات بهذا الشأن، إلا أن الترجمة الدارجة لدينا لهذا المصطلح هى «الرهاب» وبذلك يكون المعنى الاصطلاحى للإسلاموفوبيا هو «رهاب الإسلام» أى الخوف منه.

< وما دوافع هذه الظاهرة التى انتشرت فى أوروبا والعالم الغربى؟

<< هناك دوافع كثيرة لهذه الظاهرة، بعضها يعود إلى العرب والمسلمين أنفسهم، والبعض الآخر نتيجة التآمر الخارجى، وتوظيف الدين من خلال خطاب دينى متشنج عنيف، إضافة إلى كتابات بعض المستشرقين المغرضين فى الغرب وأوروبا بهدف إظهار الدين الإسلامى بأنه دين «غزواتى» وهذا كله تم توظيفه من قبل أجهزة مخابرات عالمية لتنفيذ مشروع استعمارى جديد لترسيخ ولاية المرشد الإخوانى وولاية الفقيه الإيرانى، وكل منهما يخدم ضرب استقرار البلاد ونهب ثروات الشرق وطمس هوية الأمة العربية والإسلامية حتى لا تتمكن من تحقيق الريادة الحضارية.

< قضية تجديد الخطاب الدينى كيف تراها من وجهة نظركم؟

<< داخل العالم الإسلامى وخارجه نرى أن موضوع تجديد الخطاب الدينى، هو أن مشكلة المسلمين فى دراساتهم أو مقاربتهم التاريخية لموضوع التراث لا يكادون يخرجون على المناهج التالية، أولاً: هناك من يرى قدسية التراث، وبالتالى كل ما أتى من تراث فقهى من تراكمات من أقوال واجتهادات الفقهاء والعلماء وزعماء المذاهب الإسلامية هو يصل إلى درجة التقديس الوحيد، وهذه إشكالية كبيرة، وثانياً: من يتعاملون مع التراث كأنه حقبة «تاريخانية»، أو ما يسمى المنهج التاريخانى، وأن هذا تاريخ لا يمكن الاستفادة منه كمصدر فقهى لمشاريع نهضوية جديدة، ومن يرى أن التراث هو تفاعلات اجتماعية، وبالتالى علينا النظر إليه من زاوية علم الاجتماع، ثم هناك من يقول بالقطيعة مع التراث الفقهى وأنه إذا أردنا أن نلتحق بالغرب والحداثة، فعلينا أن نقطع صلتنا بالتراث ثم هناك من يعمل على التوفيق، ولهذا أقول إن تجديد الخطاب الدينى عليه أن ينطلق من منطلقات أساسية أولاها أن «نشيل» القدسية عن التراث وبأنه عمل جبار قام به علماؤنا وفقهاؤنا وفق معطيات زمانهم ومكانهم، ثانيا العمل على تأصيل الأصول، فأنا لا أؤمن بأن يكون هناك تجديد فى الفقه دون أن يسبقه تجديد فى أصول الفقه، أى فى أسس الاستدلال كما قال مولانا الشيخ عبدالله بن بيه، وهذه مدرسة عصرية حديثة تؤمن بالتجديد الأصولى ابتداء لنصل إلى تجديد الفقه، وتجديد الأصول، يعمل على استحداث قواعد وأسس وطرق جديدة فى الاستدلال منطلقة بالبعد المقاصدى، لأن الأحكام تدور مع صالح الناس، وأينما وجدت مصلحة الإنسان فهناك شرع الله، هذا البعد المقاصدى مع التجديد فى القواعد الأصولية والفقهية قد ينتج لنا فقهاً جديداً قادراً على استيعاب كل التحديات والمتغيرات ويعمل على تذليل الصعاب ويعطى الصورة المشرقة للإسلام والمسلمين فى محاكاتنا مع الحضارات الأخرى.

< وما نظرتكم لدعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى مصر لتجديد الخطاب الدينى والتأكيد عليها فى أكثر من مناسبة وفعالية؟

<< من المؤكد أن دعوة الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى لتجديد الخطاب الدينى هى طوق نجاة جاءت فى محلها ووقتها وزمانها لتحرير الإسلام من قبضة جماعات العنف والدم ومحبى السلطة الذين يتحالفون مع عرقيات وقوميات ذات عداء قديم مع العرب، وهى القومية الفارسية أو التركية أو الصهيونية، وكلها مشروعات تخدم أجندة الكيان الصهيونى، وتتصدى لمشروع نهضوى عربى إسلامى، وهذا سر المؤامرة الإقليمية ضد مصر صاحبة الريادة العربية والإسلامية. وإذا كانت مصر تخوض حرباً ضروساً فى مواجهة الإرهاب لتحقيق الأمن والاستقرار على قدم المساواة فى معركتها الأصيلة لتحقيق التنمية، فإننا نلمس رغبة حقيقية من قبل الرئيس السيسى فى خوض معركة فكرية أخرى لا تقل فى أدواتها واستراتيجياتها وأطروحاتها عما سبقها، وهى ما يرتبط بإشكاليات الخطاب الدينى فى مصر، تلك القضية التى تفاخر بها مصر دوماً بكونها تمتلك قدرة كبيرة على التأثير فيها، عبر الزخم العلمى الكبير الذى تمتلكه وتستطيع التأثير فيه بشكل كبير عبر أذرعها المؤثرة والمتمكنة فى الداخل والخارج، إن الدفع الرئاسى القوى لقضية تجديد الخطاب الدينى وإصراره المتواصل عليها وطرحها فى أكثر من مناسبة ليمثل برأيى منطلقاً قوياً للمضى قدماً فى التفاعل المصرى الواسع مع القضية.

< رغم أن التطرف الدينى ظاهرة عالمية فقد تم تجاهل جميع أشكاله والتركيز على ما لدى المسلمين من أحداث وتضخيمها حتى أصبحنا نوصم بدين التطرف.. فما ردكم على هذه الأكاذيب؟

<< التطرف موجود وواقع، والإرهاب أيضاً موجود وواقع، قامت به جماعات اختطفت الإسلام، لذا يجب تحريره عن طريق المقاومة والمواجهة العسكرية للجماعات التى حملت السلاح، والمواجهة الأمنية لتفكيك الخلايا النائمة لهذه التنظيمات، والمواجهة الفكرية والتصدى للفكر المؤدى للفكر القتالى، والمواجهة الاجتماعية وهى إعطاء بيئة اجتماعية صالحة لشعوبنا وأفرادنا حتى لا ينغروا وينجروا وراء التيارات التى تستغل فقرهم وجهلهم، ثم المواجهة التعليمية أى تنقية مناهجنا التعليمية حتى يمكن أن نعطى بيئة صالحة لنصل إلى فكر الاعتدال.

< وكيف يمكن إقامة علاقات قوية بين العالم الإسلامى ونظيره الغربى فى ظل الظروف الحالية والهجمات الشرسة على الإسلام والمسلمين؟

<< نحن لا نحجم الموضوع، فهناك «إسلاموفوبيا» وهناك «غرب فوبيا» وهناك تطرف فى الشمال وتطرف فى الجنوب، وهناك تعصب عندهم، ومصلحة المنظومتين الغربية والإسلامية أن يكون هناك تصالح تاريخى وأن ما كان فى التاريخ السابق لسنا وليسوا مسئولين عنه، وبأنه يمكن العمل على تجسير الهوة الفكرية والحضرية بين المنظومتين، وذلك يكون من خلال تفعيل أدوات وآليات الحوار، التثاقف، التبادل المعرفى أى تنشيط الجامعات الإسلامية، وأظن أن رابطة الجامعات الإسلامية برعاية الدكتور محمد عبدالكريم العيسى، هو والأمانة العامة برئاسة الدكتور أسامة العبد، سوف تلعب دوراً كبيراً الآن فى تجسير الهوة الفكرية والثقافية بين المثقفين والمفكرين وذلك من خلال برنامج التبادل المعرفى بين الجامعات العربية الإسلامية ثم الجامعات الغربية.

< لكن هناك جهات أوروبية تبدى مخاوف من خطورة الوجود الإسلامى فى أوروبا حتى أنهم يقولون إن هناك مخططاً لأسلمة القارة الأوروبية.. فماردك على هذا الطرح؟

<< بالتأكيد هذا طرح مغلوط يأتى لعرقلة النجاحات التى حققتها الجالية الإسلامية فى أوروبا وهناك

محاولات لاستنفار البلدان الأوروبية للتيقظ لهذا الخطر المزعوم من خلال السعى لسن قوانين تحد من الحقوق المتاحة أمام هذه الجاليات وعرقلة اندماجهم وتحويل القارة العجوز لمكان طارد للمسلمين لكن الحقيقة أنه ليس هناك هدف استراتيجى للجاليات المسلمة فى أوروبا لأسلمة القارة، فليس من الواجب على المسلمين فى أوروبا إكراه الأوروبيين على الدخول فى الإسلام، بل الدعوة غير المباشرة عبر التمسك بديننا وتطبيق السلوكيات الإسلامية السمحة فى التعايش مع الأوروبيين حتى لا يستغل البعض أى سلوك متشنج عنيف للإساءة ضد الإسلام والمسلمين وتحريض الحكومات والشعوب ضدهم.

< وما أهم ما يواجه الجاليات المسلمة فى أوروبا الآن؟

<< طبعاً الوجود الإسلامى فى بعض الدول الأوروبية هو طارئ وجديد وأتى جراء الهجرات العمالية وظهر ما يسمى بالجيل الثانى والثالث، وهذا فى أوروبا وفى الأمريكتين، ونرى أن هذه الأجيال تعيش تناقضات بين انتمائها لأوطانها ثم تمسكها بهوية أجدادها وآبائها، فهناك أولاً صراع الثقافات، صراع ثقافات الأجيال، بين الجيل الأول والثانى والثالث فى قضية التصورات والذهنيات، وفى المذهبيات والتصور، وفى التفكير، الصراع الثانى هو صراع مع التيارات الأخرى، إما تيار الانجذاب والانصهار أو تيار الاندماج أو تيارات الانزوائية والانعزالية، ولكل تيار له خططه وله مشروعه وبرنامجه السياسى والأيديولوجى، فالانزوائية هى تيارات مثل تيارات الإخوان والسلفية الذين لا يريدون أن تكون هناك مشاركة مع المجتمع تحت «ذريعة الخوف من الضياع والانحلال»، أما تيار الانصهار وهو تيار يؤمن به بعض الأحزاب التى ليس لها مشروع قوى وإنما ترى أنه لابد على المسلم ليكون مواطناً صالحاً أوروبياً أن ينسلخ من دينه وعقيدته وكذا، وهناك تيار آخر وهو تيار الاندماج الإيجابى، وهو الذى نؤمن به وندفع به ونؤصل له ونقول إنه ليس هناك تعارض بين الانتماء للدين والانتماء للوطن، بل إن تكوين المسلم المواطن الصالح يكون بالفعل وبلاشك أساساً من الأسس المهمة فى التلاؤم الوطنى واللحمة الوطنية.

< المنطقة العربية تواجه خطر الإرهاب خاصة مع بروز التنظيمات المتطرفة مثل داعش والخطير فى الأمر أنها ترفع شعار الإسلام.. فما رؤيتكم لذلك؟

<< هذه الجماعات وصلت للحكم قبل الربيع العربى بسبب وجود اضطراب فى المفاهيم لدى المسلمين، حتى إنها اختطفت الدين الإسلامى كما قلنا، ويجب على العلماء والمفكرين التصدى لاستعمالات قاصرة لمفاهيم لم تستوعب فى علاقتها بمقاصد الرسالة المحمدية وسياق تكوين الأمة وحفظ تماسكها الداخلى وأمنها الخارجى، وبالتأكيد ما يرتكبه داعش لا يمثل حقيقة الإسلام دين المحبة والإنسانية، والغربيون ليسوا سواء، فهناك عقلاء وهناك من لا يحبون الإسلام، إضافة إلى صورة الإسلام فى المناهج الأوروبية وصورة داعش، ومن قبله تنظيم القاعدة ومن على شاكلتهم سبب رئيسى قى تلك الصورة الذهنية المغلوطة عن الإسلام.

< ماذا عن مجلس المجتمعات المسلمة.. ما أهم أهدافه وما آلياته لتحقيق هذه الأهداف؟

<< للتذكير إن ثلث الأمة الإسلامية تعيش حالة أقلية دينية وبشرية وعرقية فى مجتمعات متعددة الأعراق والأديان تختلف عن الأنماط العربية والإسلامية فى إدارتها لقضايا مثل ممارسة الشعائر التعبدية، إذ إن عدد المسلمين يقدر بأكثر من 500 مليون مسلم يعيشون خارج العالم الإسلامى، أكبر عدد فى الهند وبعدها الصين ويليها روسيا ثم القارات مثل أوروبا وإفريقيا وأستراليا والأمريكتين، وقد أنشئ المجلس من أجل خدمة قضايا المسلمين وتحصينهم من تيارات التطرف والعنف ومواكبة التطورات التى توجد داخل هذه المجتمعات، ثم العمل على التوفيق بين انتمائهم للدين ثم انتمائهم لأوطانهم، العمل على ترسيخ قواعد وأسس المواطنة الصالحة، تعليمهم التعليم الإسلامى السليم النقى بعيداً عن كل التشنجات والتيارات وما يحدث فى مجتمعاتنا، رابعاً العناية بقضايا المرأة والأسرة والطفل، لأننا نعلم أن ما تقدمه المرأة المسلمة داخل الأسرة والمجتمع له دور كبير، فلا يمكن أن نتركها أو ندعها أو نعطيها لتحزبات أو جماعات أو تيارات التغريب التى تريد سلخ المسلم من دينه وحضارته بحجة ما يسمى بالحداثة أو التقدمية، نعم نحن نؤمن بأن هناك حداثة، نؤمن بالإسلام الحداثى، نؤمن بالإسلام الحضارى وفق الضوابط الشرعية، كما يقوم المجلس كذلك بالتوفيق بين المؤسسات الإسلامية والدول الحاضنة لها، والعمل على تذليل الصعاب، العمل على كيف يمكن الآن أن يكون المسلم مواطناً صالحاً ومطبقاً لقواعد دينه، أى ليس هناك أى تناقض بين الانتماء للدين كعقيدة، كحضارة، كتاريخ، كمنظومة فكرية وانتمائى لبلدى، فالمواطنة الصالحة لا يمكن لها إلا أن تكون قوة دافعة وداعمة لتطور الشعوب والمجتمعات والدول، والمجلس العالمى للمجتمعات المسلمة يضم أكثر من 600 منظمة وينتشر فى 142 دولة برعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وأنشئ المجلس خدمة للمسلمين والعمل على تشبيك جهودهم وأن يكونوا بالفعل قيمة مضافة فى مجتمعاتهم.

< وهل سيكون للمجلس دور فى إفريقيا؟

<< من بين أنشطة المجلس أنه أقام عدة مؤتمرات ذات هوية ومنها مؤتمر فى أوغندا بإفريقيا وكان فرصة لأن تلتقى وفود 27 دولة من مجموعة ما يسمى شرق آسيا، وكان موضوع المؤتمر «أى خطة إقليمية إفريقية لمواجهة خطط وبرامج التطرف» الذى ذهب ضحيته أى- التطرف- ملايين من أبناء المسلمين من الجماعات مثل بوكو حرام والمرابطين والشباب وجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير وولاية الفقيه والتشيع، وكل هذه العوارض التى تعيشها المجتمعات المسلمة فى هذه المجتمعات الإفريقية كان لازماً أن يقوم المجلس العالمى للمجتمعات المسلمة بدوره تجاه ذلك، وكان المؤتمر فرصة للتفكير بصوت عالٍ فى كيف يمكن أن نعمل من الوجود الإسلامى فى إفريقيا قوة دافعة للتنمية والتقدم.

< وماذا عن الجهود المبذولة لتصحيح صورة الإسلام فى مناهج أوروبا وكيف ترون هذه الخطوة؟

<< المجلس يهتم بكيفية ترسيخ قواعد الحوار والتواصل الحضارى والحوار بين أتباع الأديان والحوار مع المكونات الثقافية الأخرى والعمل على كيفية التعرف على ثقافة ودين من خلال عجلة الحوار ومن الآليات العملية التى نراها ونعمل من أجلها موضوع الصورة النمطية، صورة الآخر سواء أكان ذلك فى المناهج الدراسية والمقررات مثل كتب التاريخ بالخصوص أو فى الإعلام، فالصورة الموروثة والموجودة فى بعض هذه المناهج هى صور غير صحيحة وغير سليمة كموضوع: الفتوحات الإسلامية، المرأة، الجهاد، أهل الذمة، موضوعات كثيرة ومشحونة بمغالطات كثيرة نعمل من خلال لقاءاتنا مع ثلاث جهات أساسية هى التى يمكن من خلالها تصحيح الصورة، أولاً: إدارات المناهج فى وزارات التربية فى هذه البلدان، وثانياً: دور النشر لأن دور النشر لها استقلالية فى نشر الكتب، وثالثاً: النخب الفكرية خصوصاً بؤر الاستشراق التى لها دور وتأثير كبير فى صناعة الصورة وتشكيلها، وذلك كما قلت فى المناهج التى سوف تؤثر لاحقاً على صورة الإسلام فى الإعلام، وإن كانت صورة الإسلام فى الإعلام عن أخلاق المسلمين هى هذه الانفجارات، فذلك لأن هذه الجماعات التى اختطفت الإسلام، هى تقوم بالأحداث الإرهابية والدامية، وهذا الاختطاف الذى يقع لبعض المواطنين الغربيين كل هذه العوامل ثم التصريحات اللا مسئولة من شيوخ الفتن والضلال ومن القتاليين ومن الإخوان المسلمين وغير هذا لأن هؤلاء ينطلقون من أن أوروبا وأمريكا هما دار كفر ودار حرب، وأن كل شىء مباح فيهما، السرقة والنهب والسطو وإحلال نسائهم وغيرها من الفتاوى التى نراها تسوق عبر الإنترنت والجروبات والفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعى، هذه كلها سوف تشكل ذريعة للإعلام المغرض الذى لا يتحرى الحقيقة أو الذى يعمل على التفرقة بين الإسلام السليم والمزيف، أضف إلى ذلك أنه لاحظنا فى السنوات العشر الأخيرة أجندات لدول داعمة تحت ما يسمى العمل الخيرى، بناء مؤسسات ومراكز، لكنها لديها أجندات تعمل على تجييش هؤلاء الأبناء فى جيوش القتاليين، ورأينا كيف استطاعوا أن يؤمنوا السير والطريق لأكثر من 20 ألف مقاتل من أبناء المجتمعات المسلمة ليصلوا إلى جيوش داعش من خلال أنهم يتنقلون بكل حرية بالطائرة عبر جوازات السفر ومن تركيا دخلوا والتحقوا بهذا الجيش الكبير، فهل يدخل بدون مراقبة.. تساؤلات.

< ما تصوركم لشكل الخطاب الإسلامى المعاصر الذى يجمع بين مقاصد الشريعة ويحقق مصالح العباد؟

<< العالم يعانى للخروج من الورطة، فلا يمكن أن نعتمد فقط على الخطاب التقليدى وإنما يمكن أن تكون هناك مقاربة جديدة.

< أخيراً.. ما تقييمكم لجهود المؤسسات الإسلامية فى العالم، وهل تؤدى دورها المنوط بها؟

<< هو دور منوط به كثير من المخاطر، ومنها خطورة أن تيارات العنف وتيارات الإخوان وغيرها استطاعت أن تنفذ إلى هذه المؤسسات وتستولى عليها لتوجه الجاليات والمجتمعات وفق منظومتها الفكرية، ضعف التمويل هذا عامل أيضاً يدفعها إلى أن ترتمى فى أحضان الدول الراعية للإرهاب التى تدفع، ثالثاً ضعف التأطير، ولهذا نحن فى المجلس العالمى للمجتمعات المسلمة بالتعاون مع وزارة الأوقاف ودار الإفتاء والأزهر، ومع كل المؤسسات الإسلامية نعمل على التكوين المستمر والتأهيل المستمر للأئمة والخطباء والمفتين على أساس أن تكون صناعة الإمام والخطيب صناعة قوية وحضارية لمواجهة كل هذه التحديات.

 

أهم الاخبار