رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أستاذ الشريعة الإسلامية لـ«الوفد»:

د. محمد كمال إمام : الإرهاب.. صناعة غربية

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 20 مايو 2020 21:46
د. محمد كمال إمام : الإرهاب.. صناعة غربيةد. محمد كمال إمام
حوار - صابر رمضان وتصوير- حسام محمد:

الإسلام دين إلهى والحكم اختيار بشرى.. ويجب الفصل بينهما

الدعوات إلى إلغاء الفقه.. طرح انفصالى باطل

التجديد سنة الحياة.. والعقل أساس الأحكام الشرعية

أنظمة التعليم الحالية.. أعاقت عملية النهضة

نحتاج «عملية جراحية» لإعادة الشباب إلى توازنه.. ولابد أن نعالج ظاهرة التطرف من الجذور

 

ولد الدكتور محمد كمال إمام رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية فى إسنا بمحافظة الأقصر1946، نال الليسانس فى الشريعة الإسلامية 1973 ودبلوم الدراسات العليا فى القانون عام 1976 جامعة عين شمس ثم الدكتوراه فى الحقوق 1982 بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف بجامعة الإسكندرية.

عمل «إمام» أستاذا ورئيسا لقسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، كما تولى رئاسة قسم الشريعة بجامعة المنيا، وعمل أستاذا مشاركا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض على مدى عامين وعضو اللجنة القومية للإصلاح التشريعى، كما ساهم فى إعداد العديد من مشروعات القوانين، وعمل فى الإذاعة المصرية حتى وصل إلى منصب كبير مذيعين بإذاعة القرآن الكريم ومديرا تنفيذيا بها.

أنجز الدكتور «إمام» العديد من الموسوعات الفقهية فى مجال العمل الفكرى الإسلامى، وعمل مديرا لتحرير مجلة «المسلم المعاصر» على مدى 20 عاما، شارك فى مؤتمر القمة العالمى لحوار الأديان فى نيويورك والمؤتمر الدولى للفقه والقانون بإيران، ومن أبرز مؤلفاته «الوصايا والأوقاف.. مقاصد وقواعد» و«أصول الحسبة فى الإسلام.. دراسة تأصيلية مقارنة» و«مقدمة لدراسة الفقه الإسلامى» و«النظرة الإسلامية للإعلام.. محاولة منهجية» و«أحكام الأسرة فى الإسلام» و«تنظير القوة.. دراسة فى فقه العلاقات الدولية» و«الإنسان والدولة.. دراسة فى فقه تنظيم السياسة» و«الدليل الإرشادى إلى مقاصد الشريعة الإسلامية».

«الوفد» التقت مع المفكر الكبير، وهذا نص الحوار.

< بداية.. ما أهم العراقيل التى تحول دون نهضة المسلمين وتقدمهم؟

<< نحن نعلم أن جزءا أساسيا من عدم تقدم المسلمين يرجع إلى المنهج الذى تتم فى إطاره العملية التعليمية والثقافية، لأن أى نهضة فى أى بلد لا يمكنها أن تسير وتتقدم إلى الأمام إلا مرتبطة بخطة تعليمية سواء كان ذلك فى التعليم العام أو فى التعليم الجامعى وأن تكون لديها أهداف وغايات محققة، فعلى سبيل المثال التعليم فى أوروبا وأمريكا هو أساس العملية الحضارية، ولعلنا نتذكر منذ سنوات ربما تزيد على 20 عاما أو 30 عاما أن أمريكا أصدرت بيانا، أو كتيبا بعنوان «أمة فى خطر» لسبب بسيط جدا، لأن المناهج والمؤسسات التعليمية معا كانت غير قادرة على تقديم الأمريكى المؤهل لكى يكون صانع فكر وحياة جديدة، وفى الوقت ذاته مرتبطا بتاريخه الثقافى والاجتماعى والإنسانى، فأول مشكلة أتصور أنها تعوق عملية النهضة بين الدول العربية والإسلامية هى نظام التعليم الذى ربما يخرج أعدادا ولكنه لا يخرج أفرادا متميزين، المشكلة الثانية هى التفرق وكثرة الخلافات بين أبناء العالم العربي، ونحن نعلم أن فى بدايات عصر النهضة فى مصر استطاع الأزهر أن يقدم حتى منتصف–ربما- السبعينيات أو الثمانينيات أفرادا قادوا حركة الفكر والثقافة أو التعليم فى كافة أنحاء العالم العربي، وهذه الخلافات بين أنحاء العالم العربى أغلبها يأخذ صورة سياسية حادة وهى سبب رئيسى فى التراجع إلى الخلف فى التعليم فى البلدان العربية والإسلامية، وكان من الممكن أن يتقدم نظام التعليم إذا استطاع أن يمر بمرحلتين، مرحلة تحقيق الأهداف الكبرى التى تخلق أرضية للتعاون الثقافى ما بين الدول العربية والإسلامية، التعاون القانونى بين الدول العربية، وجامعة الدول العربية أصدرت عددا من القوانين الموحدة سواء فى مجال الأحوال الشخصية أو فى مجال القانون المدنى أو القانون الجنائى وكلها قوانين لا يقصد أنها تفرض على الدولة القومية أو الوطنية وإنما تكون إرشادية فى وضع الخطوط العامة التى توجد الالتصاق ما بين هذه الدول مع بعضها البعض، التفكير المشترك فى الأهداف مع تنوع الأساليب طبقا لظروف ومشكلات وإمكانيات كل دولة سواء كنا نقصد بذلك الإمكانيات المادية أو المعنوية، هذا أيضاً سبب ثان، السبب الثالث من أسباب إخفاق عملية النهضة هو أن الذين يتحدثون عن الماضى يريدون أن يثبتوا عنده والذين يتحدثون عن الغرب يريدون ألا يجعلوا سببا آخر للتقدم إلا أن نكون قد لحقنا بالغرب وأخذنا بأدواته وأفكاره مع أن المسألة أبسط من ذلك لو أريد حلها، لأن ما تركه لنا الأقدمون هو تراث إنسانى نأخذ منه ما يستطيع أن يكون جزءا من نهضتنا وما يعطى لهذه النهضة سماتها وهويتها وقدرتها على العطاء وتماسك أرجاء العالم الإسلامى فى ظل هذه الثقافة تجد الشاعر ينتقل من بلدٍ إلى بلدٍ ومن دويلة إلى دويلة ولكنه يحمل نفس اللغة العربية ونفس مستوى القصيدة العربية وأوزانها، أى أن هناك مشتركات وأن ننظر إلى الغرب باعتباره خبرة إنسانية، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق، وبالتالى هذه الاختيارات الإنسانية لابد أن تكون محل اهتمامنا، وألا ننظر للغرب باعتباره مستعمرا أو باعتباره يريد أن يفرض ثقافته علينا أو يريد أن يكون هو المركز ونحن الأطراف، فينبغى أن تكون لدينا قدرة على الاختيار، نختار منه فى الجوانب المتعلقة بالعلوم والتقنيات ما لا ننتجه لكى نتعلم كيف ننتجه ونختار من ثقافته الأدبية ما يفيد فى ثقافتنا الأدبية، ونختار من ثقافته أيضاً الفكرية ومذاهبه الفلسفية ما يكون جزءا من تحريك الأفكار وإبراز اليقظة لدى شعوبنا، أى أننا فى نهاية المطاف علينا أن نتخذ أسلوب الاختيار الإيجابى سواء من ثقافة الغرب أو من ثقافتنا التقليدية، لكن الذين يجمدون على الثقافة التقليدية لن يتحركوا بنا إلى الأمام والذين يجمدون عند الثقافة الغربية لا يستطيعون أن يحافظوا على الهوية ولا قيمة وثقافة مجتمعاتهم الأصيلة.

< هناك من يدعو إلى إلغاء الفقه وتحرير الناس من قيود الحلال والحرام التى تقيد الحياة وتضع حواجز بينهم وبين التقدم، فما ردكم على هذا الطرح؟

<< هذا طرح انفصالى، هم يريدون أن يتركوا الشريعة، «من شاء فليؤمن» وأريد أن أقول إن هذه مشيئتهم، لكن ستظل هذه المشيئة خاطئة أولا وآراء فردية، ثانيا لا تمثل المجتمع، فالمجتمع العربى والإسلامى هو مجتمع قيمه الرئيسية تتعلق بالممنوع والمشروع، وتتعلق بالحلال والحرام، شريطة ألا يجعل الحرام حلالا، وألا يجعل الحلال حراما، فالأصل فى العلاقات الإنسانية والمعاملات بين البشر وفى العقود وفيما ينشأ من صيغ تمويل وفيما ينشأ من أفكار الأصل فيها الحل، وحرمتها تأتى لأنها تترتب عليها مفاسد وهذه حلها أيضاً بما يترتب عليها من منافع، أن قياس النافع والضار بالمنظور الشرعى هو الذى على أساسه نستطيع أن نحكم نحن، لا نحكم الهوى ويقول إننى لا أريد الحلال والحرام، هذه إرادتك الشخصية واختيارك الشخصى وأنت محاسب عليه ولكن ما تقوله ينبغى ألا يتحول إلى دعوة داخل المجتمع، نحن لا نحاسبك على اختيارك الشخصى ولكن نحاسبك على أنك تريد أن تجعل هذا نوعا من الأيديولوجية التى تبشر بها وتدعو إليها الآخرين والتى تحاول أن تقتلع هذه المجتمعات من جذورها.

< هناك دعم من الدولة لتجديد الخطاب الدينى فماذا عن رؤيتكم لهذا التجديد وما ضرورته فى هذا الوقت وما أهم آلياته؟

<< أعتبر أن الدعوة المتكررة من القيادة السياسية فى مصر وعلى رأسها رئيس الدولة بضرورة تجديد الخطاب الدينى هى دعوة محقة، جاءت فى زمانها ومكانها، أولا هى دعوة محقة، لأن التجديد سنة الحياة، وهو ضرورة من الضرورات الإنسانية، ونحن لو نظرنا إلى صور العقود التى كانت موجودة قديما لدى الفقهاء والتى استجدت ونسميها بـ«العقود المستحدثة» وصور المشكلات التى كانت قديمة والتى استجدت وكل منها يحتاج إلى حكم، ولا نستطيع أن نقول للناس أنه ليس لدينا حكم، ما لم نستطع أن نجد له حكما شرعيا نجد له حكما عقليا، فالعقل دائما هو الذى يدعو إلى معرفة الصواب والخطأ عندما لا توجد نصوص مباشرة تقول لك ما هو الصواب والخطأ، لأن العقل هو أعدل الأشياء

قسمة بين البشر وهو مناط التكليف، وهو أساس تقبل الأحكام الشرعية، لأن الإنسان تنحسر عنه الأحكام الشرعية بقدر انحسار عقله وتقل بقدر قلة عقله، وتنعدم إذا انعدم العقل، وتثبت كاملة إذا ثبت العقل كاملا، فلا تكليف على صغير ولا تكليف بمستحيل ولا تكليف لمن هو فاقد العقل، التكاليف كلها إنما تأتى للعاقل المختار، فى عملية العقل والاختيار لابد أن ننظر إلى هذا الاختيار قد يكون فاسدا، ولابد أن ننظر إلى الاختيارات الفردية على أن بعضها صحيح وفاسد، وكذلك العقل الفردى قد يخطئ ويصيب، قد يختار الهوى، ويعتبر أن ذلك هو عين العقل عنده، يختار الضار ويعتبره أن هذا قمة الاختيار عنده، لكن هذا بالمنظور المتعلق بمستقبل أمة وحياة مجتمع وصناعة دول، هذا ليس هو الخطاب المطلوب، ومن هنا كان تجديد الخطاب الدينى -كما قلت- من الأمور التى هى من سنن الله الكونية.

< وماذا عن كيفية التجديد؟

<< إن لدينا تقصيرا فى عملية التجديد، وهذا التقصير مصدره ليس فقط نظامنا التعليمى وإنما إرثنا الثقافى، الإرث الثقافى يكاد يكون قيدًا يغل الكثيرين عن أن يصدروا أحكامًا جديدة لأحداث جديدة وكأنهم يحسون بأن هذا أمر فوق طاقتهم، وإحساسهم هذا جزء من أزمة الخطاب الدينى، لأنه أين الاجتهاد الجماعى، أين دور العلماء، أين دور رجال الفكر فى هذا الوطن، أو فى الأوطان العربية والإسلامية، إذن التجديد هنا ليس تجديدا فيما يتعلق بالثوابت التى لا تتغير وإنما هو تجديد بما يتعلق بالمتغيرات التى تحتاج منا إلى مزيدٍ من التفكير، كيف نعالج الواقع المتغير، فهو سيتغير رغما عن أنفنا، إما أن نلحق به ونعطيه صفته الشرعية وحكمه العقلى ودوره الأخلاقى وينقل إلينا ثقافة الآخرين وعقلهم وآرائهم، ففى كل الأحوال سيتغير، فبدلا من أن يكون هذا التغير رغما عن أنفنا وأن يكون هذا التغير بعيدا عن هويتنا وعن مجتمعاتنا فلنبادر نحن بعملية التغيير، ولذلك المبادرة والدعوة إلى تغيير الخطاب الدينى هى دعوة فى وقتها، ولماذا مصر هى مكانها، لأن مصر بالنسبة للعالم العربى والإسلامى تمثل الدولة المركزية، الدولة القائدة، لأنها كما صنعت التاريخ الثقافى للأمة العربية خلال القرنين الماضيين وربما أكثر، فهى القادرة بحكم عددها وبحكم علمائها وأزهرها ودورها الكبير وسياستها، فهى التى تستطيع أن تستنقذ العالم العربى والإسلامى من هوة التقليد إلى مساحة التجديد الواسعة التى لا يضيق فيها لا كيان الفرد ولا كيان الجماعة ولا قدرات الدولة، كل هذه تتكامل مع بعضها البعض لتصنع التجديد، وهذا التجديد لا يمس القطعيات.

< هناك من يرى أن المؤسسات الدينية متعثرة فى تجديد الخطاب الدينى خاصة الأزهر، فماذا ترى، وهل الأزهر وحده المخول بالتجديد؟

<< أبدأ من آخر السؤال بأن تجديد الخطاب الإسلامى مسئولية جماعية لكل مؤسسات الدولة سواء كانت مؤسسات تعليمية أو إعلامية أو مؤسسات ثقافية، لأنه لا ينبغى أن تتناقض الأهداف الكبرى داخل هذه المؤسسات لأنها تعمل فى دولة واحدة ولهدف واحد وهو أن يصبح وعى الإنسان وعيا قادرا على معرفة عصره وزمانه ومكانه وما ينبغى أن يتحمله من جهود، فإذن عملية الفصل هذه تجعل ما قد تبنيه هنا قد تهدمه هنا، فما يبنيه الأزهر قد تهدمه الثقافة، وما تقدمه الثقافة قد يهدمه الإعلام، وبالتالى ينطبق علينا قول الشاعر:

متى يبلغ البنيان يوما كماله.... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

إذن على المؤسسات الدينية دور كبير، دور توعوى وتعليمى وإفتائى، أدوار كبيرة جدا، وهى أدوار ينبغى أن يتحملها بكفاءة من العلماء ما يوثق فى دينهم وفى معرفتهم بعصرهم من الناحية السياسية والثقافية والتعليمية والإعلامية، ولا بأس أن توجد مجالس للفتوى، للاجتهاد الجماعى ويكون فيها، بالإضافة إلى علماء الأزهر أو الإسلام ينبغى أن يكون إلى جوار هؤلاء المختص فى الاقتصاد والإعلام والطب، حتى يعطوا الصورة الحقيقية للواقع وحتى تتحرك الأحكام على أرض الواقع وهى قد ألمت بكل جوانب الواقعة التى أمامه، فلابد أن ينظر علماء الإسلام إلى أهل الاختصاص سواء كانوا من رجال الثقافة أو الإعلام أو الطب أو الهندسة أو الكيمياء أو غيرها من منظومة العلوم الإنسانية والطبيعية، وعليهم فى كل الأحوال أن ينظروا إلى حقيقة مجتمعاتهم ماذا يريد منهم الإسلام فى هذه المجتمعات، ماذا تريد منهم الأمة، ماذا يريد منهم الأفراد، ماذا تريد منهم الأسرة، وبالتالى الأزهر الشريف يدعو الآن إلى ما اصطلح عليه بـ«الاجتهاد الجماعى» الذى يشترك فيه العلماء ومعهم من أهل الاختصاص فى الموضوع الواحد من هو قادر على أن يضيء الطريق أمام المفتى وعليهم كما قلت نفس المسئولية فى أن يجعلوا ذلك المجتمع، همومه، مشكلاته، مثل مشكلات الإرهاب، البطالة، الأسرة، كل هذه المشكلات نصب أعينهم وأن يقدموا حلولا حقيقية تستطيع الدولة أن تستفيد من هذه الحلول فى تحويلها إلى تشريعات وقرارات وتصدرها بعد ذلك وتتلقى النتيجة الإيجابية، وباكتمال هذه المؤسسات تكتمل المنظومة المنتجة للأحكام الجديدة والتى تؤهل المجتمع إلى حركة تجديد دينى يصبح جزءا أساسيا من فكر النهضة الحديثة أو الجديدة التى نريدها لمصر، وهى نهضة كل الوسائل متاحة لها لا ينقصها، إلا أن نعمل عليها وأن نقتنع بها وأن نعمل من أجلها.

< ما الخطاب الدينى المطلوب توجيهه للشباب المسلم فى ظل الظروف الحالية التى تحيط بالعالم الإسلامى؟

<< ينبغى أن ننظر ما المشكلات الفكرية لدى هؤلاء الشباب، فبعضهم يرى نموذجه فى الغرب والبعض الآخر يرى نموذجه فى الابتعاد عن الدين كلية أوجزئيا، وبعضهم يرى مستقبله فى أن يحتك بالمجتمع بكل ما فيه دون تخير ما بين الصالح والطالح، وما بين النافع والضار، إذا لابد أن نعرف هذه المشكلات حتى نستطيع أن نضع خططا تربوية، وثقافية وإعلامية وبرامج دراسية فى مجال التعليم تكون مهمتها الأساسية حل هذه الأزمات، لأن الذى يوجد لدى الشباب هو أسئلة ليس لها أجوبة عندهم، فلابد أن يجدوا عند هذه المؤسسات العاملة وفى مقدمتها المؤسسات الدينية إجابات لهذه الأسئلة، وهذه الإجابات تخصهم هم من زاوية التبصير والتفكير، لكنها أيضاً تخص الدولة باعتبارها ينبغى أن تنشئ أنماطا من القرارات واللجان التى تعكف على هذه المشكلات، وترى أن تغذيتها إيجابيا تحتاج إلى إصدار قرار فى اتجاهات متعددة، وهناك مشكلات أيضاً بالنسبة للشباب تحتاج حلولا مثل المشكلات الاقتصادية التى تتعلق بالبطالة، فلابد من تخفيف نسبة البطالة، هناك مشكلات تتعلق بعدم وجود مساكن، فلابد أن تخصص مساكن للشباب فى المجتمعات العمرانية الجديدة لا يدخلها غيرهم ومساكن للمتزوجين حديثا.. إلخ.

< بالرغم من وجود المؤسسات الدينية فى البلاد الإسلامية التى تقوم بجهود كبيرة لمواجهة الأفكار المتطرفة لكن التطرف فى ازدياد فما أسباب ذلك؟

<< لأننا ندين التطرف ولا نفكر فى أسبابه، فلابد من معالجة الظاهرة من الجذور، فإدانة الإرهاب ليست هى القضية،

فلابد من وضع خطط لمواجهة أسباب التطرف والإرهاب، والقيام بعملية جراحية كبيرة لإعادة الشباب إلى توازنه والبحث عن المشكلات سواء المادية أو الثقافية والبطالة فكلها دوائر مشتركة، وهذه الدوائر كل منها يفضى إلى الآخر، فلا ينبغى أن تكون معالجة الإرهاب بإدانته وإنما أن تصبح هذه الإدانة هى ناقوس الخطر الذى يدق ويدعونا إلى ضرورة معرفة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية، وأن نعمل على وضع خطط لمعالجة هذه الأسباب، ولدينا بحمد الله علماء وسياسيون وقانونيون ورجال إسلام وفقهاء يملكون القدرة على أن يدخلوا إلى عالم الأسباب وأن يقدموا حلولا للمجتمع.

< البعض يرى أن ما يحدث على الأراضى العربية والإسلامية هو صراع بين السنة والشيعة والبعض يراه بين الإسلام والمسيحية فى الغرب وأن جماعات الإرهاب صنيعة الغرب فما رأيكم؟

<< لا شك أن الجزء الأكبر من الحركات الإرهابية فى العالم الإسلامى هو صنيعة الغرب، لأن أعداء الأوطان هم الذين يفجرون الأوطان ومن الداخل من خلال هذه النماذج الرديئة وهذه المجموعات التى تتغذى على محاربة قيم بلدها وأوطانها إلخ، لكن أيضاً لا ينبغى أن نخلى الواقع المحلى والإقليمى من أن فيه أيضاً ما قد يسبب هذه الصراعات، فنحن لدينا مذاهب إسلامية، حنفى، مالكى، شافعى، حنبلى، ولدينا مذاهب مختلفة عقائديا مذهب شيعة، معتزلة، ماتريدية، أشعرية، سلفى، هذه لا ينبغى أن تكون منطقة صراع، فجعلها منطقة صراع هو تغذية للإرهاب، لأنها مناطق ضعيفة إذا ما أخذت باعتبارها جزءا من الشقاق، ولذلك أستطيع أن أقول أن مشكلة الإرهاب الداخلى أنه يفجر قضايا التكفير والهجرة وأن المجتمع ليس مجتمعا إسلاميا، مع أن بلادنا، مصر على سبيل المثال منذ أن دخل الإسلام حتى هذه اللحظة وهى أكبر الدول الإسلامية، ليس فقط فى عددها السكانى وإنما فى تماسكها تحت مظلة قيم الإسلام عبر تاريخها ودافعت عن الإسلام وهى التى أدت إلى انتصاره فى حطين، والكثير من الغزوات، فنحن لا نحاول أن نقرأ تاريخنا بعين منصفة، وإنما نقرأه بعيون الآخرين الذين هم أعداء، فهم لا يريدون لهذه الأمة أن تنهض ولا يريدون لهذا الشعب أن يقوى، لا يريدون لثقافة هذا المجتمع أن تجسد هويته، لكن هذا لا ينفى أن هناك عوامل داخلية موجودة يستثمرها الآخرون، فربما يستثمرون قلة العلم أو المال أو الحوار الجاد، فيما بين فئات المجتمع المختلفة، كل هذه المسائل يمكن أن تصبح خرقا فى سفينة المجتمع التى ينبغى أن تكون قوية وقادرة على عبور كل المياه.

< ما تقييمك لتجربة الإسلاميين فى الحكم والحياة السياسية بعد ثورة 25 يناير وحتى ثورة يونيه وهل ترى أن هذه التجربة أضرت بالدعوة الإسلامية؟

<< بصراحة.. أرى أن التيار الإسلامى ينبغى أن يكون تيارا فكريا وثقافيا وليس تيارا سياسيا وأن دخول أهل السياسة فى الدين يعقد المسائل ودخول رجال الإسلام أو أهل الثقافة الإسلامية إلى عالم السياسة أيضاً يضر بالسياسة، وبالتالى ليس معنى ذلك أن الإسلام ليس له قيم سياسية، أو ليست له منظومة، لكن هذه المنظومة تتحرك من خلال المجتمع، ولذلك أقول إننى ضد أن تكون الحكومة أيضاً تبعا لتيار من التيارات الإسلامية وضد أيضاً أن يتصور أن الإسلام ليس منظومة قيم سياسية، لأن القيمة الكبرى فى الإسلام هى العدل، وهى قيمة سياسية، القيمة الكبرى فى الإسلام هى التعارف وهى قيمة إنسانية عامة وهى أيضاً قيمة سياسية عامة سواء كان تعارفا داخليا أو خارجيا، إذن حتى نحافظ على هذه المنظومة القيمية لابد أن نجعل لهذا مكانا ولهذا مكانا، هذا مكانه الإعلام، والتعليم، والحوار العلمى، والنقاش وليس مكانه إصدار القرارات والسلطة، لأن هذه لها أهلها وآلياتها وليس كل من ألقى خطبة فى مكان ما يصبح مصطفى النحاس أو مصطفى كامل أو سعد زغلول، فليس فى الأزهر طموحات سياسية، وما ينبغى أن تكون هناك طموحات سياسية، حتى الاختيار السياسى من القيادة السياسية لعالم من علماء الأزهر يأتى لكفاءته. وفى عبارة موجزة الإسلام هو الإسلام والحكم هو الحكم، فالحكم اختيار بشرى، والإسلام دين إلهى ولا نخلط بين الأمرين.

< البعض يرى أن السلفيين أخطر من الإخوان ويخشون تشددهم وإقصاءهم للآخر فهل ترى أن السلفيين أخطر من الإخوان؟

<< لا أريد أن أقوم بعملية تصنيف، كل من يحاول أن يحتكر السلطة والمجتمع ويجعله على هواه فهذا مخطئ وإذا كان هذا الاختيار باسم الدين يكون الخطأ أكبر، فالعملية ليست تصنيفا بحيث أقول إن هؤلاء أخطر من هؤلاء، لأن هؤلاء بعيدون عن السلطة وهؤلاء مغرقون فيها، ونحن وضعنا قاعدة عامة ابتعدوا عن الإسلام بقيمه ومنظوماته، اجعلوها مكانا فى قلوب الناس وليست مقعدا فى لعبة الكراسى الموسيقية التى تتم فى السلطة.

< مصر تخوض حربا ضد الإرهاب فماذا عن الدور المنوط بالعلماء فى هذه المرحلة ؟

<< تأييد هذه الحرب ضد الإرهاب، لأن الإرهاب لا يضر شخصا معينا وإنما يضر بالأمة كلها ومهمة العلماء وفى مقدمتهم علماء الإسلام أن يحموا الأمة من كل مخاطر، والخطر هو ما يمكن أن نسميه فيروس المخاطر داخل هذه الأمة، هذه واحدة؛ أيضاً، عليهم صنع ثقافة لا تغذى الإرهاب، لأن الثقافة التى تغذى الإرهاب إذا جاءت عن طريق رجل الإسلام أصبح تأثيرها أكبر، عليهم أيضاً أن يكونوا جزءا من التماسك الاجتماعى، تماسك بين الحكام والمحكومين، تماسك بين العلماء بعضهم البعض وبين المجتمع وأفراده، وهذا التماسك لا يلغى التنوع فسيظل الطبيب طبيبا وأفكاره أقرب إلى الناحية العلمية، وسيظل المهندس مهندسا، إلخ، فهذا لا يلغى التنوع ولكن يضعنا داخل قاعدة واحدة هى القاعدة التى تقول إن الوطن للجميع فحمايته واجب على الجميع.

< البعض يتهم مناهج الأزهر بالميل إلى التطرف والعنف فما ردكم على هذا الطرح؟

<< لست خبيرا ببرامج الأزهر من هذه الناحية لأننى لم أتعلم فى الأزهر، ولكن أعلم أن هناك جهودا كبيرة يبذلها الأزهر فى تنقية مناهجه، وهذه التنقية هى لون من التجديد، لأنه يرفع من داخل كتابات الأزهر، الكتابات القديمة التى كانت موجودة فى عصرها مثل «باب الحديث عن الرق» فقد كان الرق جزءا من طبيعة المجتمعات الموجودة وقتها، فأرسطو وأفلاطون كتبا فى الرق، والرق كان موجودا فى الدولة الرومانية وكذلك فى الدولة الفارسية وفى المجتمعات الإسلامية، لكن الآن نحن وقعنا وربما مصر كانت من أولى الدول التى وقعت على اتفاقية منع الرقيق فى العالم فى عهد الخديو إسماعيل، إذن ما أهمية تدريس مثل هذه المعلومات سواء فى كتاب يتعلق بتعليم مدنى أو تعليم دينى، لكن كثقافة سنجد فى مجموعة عالم المعرفة كتابا عن الرق بكل مشتملاته.

< ماذا عن مشروعاتكم الفكرية التى تقومون بها خاصة مشروع كتابات النهضة؟

<< مشروع كتابات النهضة شارك فيه أساتذة كبار وشاركت فيه مكتبة الإسكندرية سواء من خلال مديرها السابق دكتور إسماعيل سراج الدين أو مديرها الحالى د. مصطفى الفقى، وشارك فيه علماء آخرون مثل الدكتور صلاح الدين الجوهرى والدكتورة شيماء العقالى أى أن جيل الشباب وجيل الشيوخ ساهموا فى هذا المشروع مساهمة حقيقية وكان المقصود من هذا المشروع أننا اخترنا النماذج التى قدمت أسئلة مهمة جدا، كما قدم فى سؤال كتاب لشكيب أرسلان «لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟» هذه الأسئلة فى الكتب التى نشرناها وهى تزيد على قرابة 60 كتابا فى هذا المشروع، لا تزال بلا أجوبة، هذه الكتابات ظهرت منذ قرن ونصف من الزمن، ومع ذلك ما زال لدينا تخلف فكرى وثقافى وإبداعى، ومن هنا جئنا لنقول لقد قام هؤلاء بأن حللوا لنا المشكلات وأسباب التخلف الموجود والأسباب التى تعوق النهضة ولماذا عندما فعل غيرنا ببحث الأسباب فى القرنين الثامن والتاسع عشر فى أوروبا نهضوا وبدأ عصر العقل يعمل بقوة وهذا لا يتعارض مع إيجاد الحرية والديمقراطية إلخ، ونحن لم نتقدم، فكان جوهر هذا المشروع هو لنبدأ من جديد فى طرح هذه الأسئلة لنضيف من جديد الوقائع التى لم يكن قد أبصرها السابقون ونبدأ فى الإجابة، أما مشروعاتى الخاصة، فأغلبها عندما وجدت أنه فى الجانب التشريعى روح الإسلام ليست واضحة فكان اهتمامى بالمقاصد التى يقول عنها أصحابها هى روح الإسلام، وكذلك يقول عنها الغربيون، فشغلت نفسى بالتراث الخاص بالمقاصد وأصدرت «دليلا إرشاديا» فى عشرة مجلدات وكتبت أكثر من ستة كتب، وهناك أربعة كتب فى طريقها إلى الصدور فيما يتعلق بالمقاصد التى تعمل فى مجال الحياة الاجتماعية، الثقافية، التعليمية، فى مجال التشريع، النهضة، فلها دور كبير، لأن هذه هى روح الإسلام التى تسرى وتحول الفكرة إلى سلوك وبمعنى أن العبادات لا تكون مجرد طقوس وشعائر وإنما أيضاً آثار ونتائج «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» وهذا فى كل الأمور مثل العقود، وهكذا فعملية التجديد وعى بواقع استثمار هذا الواقع فى الإيجابى ونفى كل ما هو سلبى فى هذا الواقع.

< أخيرا.. ما النصيحة التى توجهها للمصريين على اختلاف توجهاتهم؟

<< أن يكونوا أكثر تماسكا وتقاربا وأن يحسوا أولا أنهم مصريون قبل أن يحسوا بالمناصب، لأن منطق القرآن يقول: «يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» وهذا التعارف له معنيان: الاعتراف بالغير سواء داخل الوطن أو خارجه، والاعتراف بحقوق كل مواطن، بداية بحق رئيس الدولة انتهاء بحق أصغر فرد فى الدولة، كما أن هؤلاء عليهم واجبات فلهم حقوق، ولابد أن تسير منظومة الحقوق والواجبات متكاملة مع بعضها البعض، فلابد أن نحسن إدارة مجتمعاتنا، نحسن إدارة خلافاتنا، إدارة توزيع المسئوليات، ولذلك نقول أن عصر المعلومات الذى نعيش فيه ينبغى أن نتواضع فيه وأن نحترم آراء الآخرين حتى ولو لم يكونوا على اتفاق معنا، لأن من يملك المعلومة الصحيحة هو أقدر الناس ملكية للقرار الصحيح.

 

أهم الاخبار