رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بنات مصر الأكثر معاناة فى العالم!

ختان الإناث.. جريمة العمر كله

تحقيقات وحـوارات

الثلاثاء, 04 فبراير 2020 20:56
ختان الإناث.. جريمة العمر كله
تحقيق: نادية مطاوع

دار الإفتاء تحرمها.. قانون العقوبات يجرمها.. والآباء يصرون عليها

ندى ودينا وميار وسهير.. آخر ضحايا أقدم جريمة ضد المصريات

أطباء يحذرون: مضاعفات نفسية وجسدية خطيرة للختان

«نهى» تحدت أهلها: الطب والدين قالا كلمتهما «حرام.. كفاية»

 

لم تكن الطفلة ندى ذات الاثنى عشر عامًا تعلم أنها ستكون واحدة من ضحايا أخطر وأطول جريمة عمراً فى مصر، فكل يوم ترتكب جريمة ختان الاناث فى حق عشرات الفتيات، منهن من تنجو منها لتعيش معاناة دائمة طوال عمرها، ومنهن من لا تنجو ويكون مصيرها مثل مصير ندى التى فقدت حياتها فى أسيوط تنفيذاً لعادة اجتماعية قبلية عفى عليها الزمن، وتبرأ منها الطب والدين، ومع ذلك يصر بعض الآباء على ارتكابها بحق بناتهم الصغيرات.

ورغم تجريم القانون لظاهرة ختان الإناث، وحملات التوعية التى ساهمت كثيراً فى الاقلال منها خلال الأعوام الماضية، فإن الجريمة ما زالت مستمرة.

ندى، زهرة صغيرة بدأت تتفتح فى قرية الحواتكة التابعة لمركز منفلوط بأسيوط، إلا أن اهلها لم يمهلوها لتكمل حياتها، فقد اختطفوها من بين ألعابها، وتوجهوا بها لعيادة طبيب لإجراء عملية ختان حفاظاً على «شرف العيلة» الذى يعتقد البعض أن قطع جزء من جسد الفتاة سيحافظ عليه، إلا أن الطفلة الصغيرة لم تتحمل ما يحدث لها، وأصيبت بصدمة عصبية أثناء إجراء الجراحة، وماتت على الفور، وبعد انتشار خبر وفاتها قام أحد أبناء القرية بإبلاغ خط نجدة الطفل بالواقعة، وتم إلقاء القبض على الطبيب ووالدى الفتاة، اللذين تم إخلاء سبيلهما، بينما ما زال الطبيب قيد التحقيقات.

ندى لم تكن الضحية الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد سبقتها العشرات والعشرات، ولما كانت القابلة قديما هى من تقوم بإجراء هذه الجريمة، اعتقد البعض أن إجراءها على يد طبيب لن يكون له نفس هذا التأثير السيئ، إلا أن الواقع أكد أن المشكلة فى عملية الختان نفسها، وليس فيمن يقوم بها، فميار ابنة الـ17 سنة، فقدت حياتها على يد طبيبة شهيرة وفى مستشفى كبير، نتيجة لقيام والدتها باصطحابها لإجراء هذه الجراحة فى المستشفى، وأصيبت الفتاة بهبوط حاد فى الدورة الدموية ما أدى إلى وفاتها، وقالت الأم فى التحقيقات إن ابنتها كانت تجرى جراحة لإزالة كيس دهنى على الرحم، إلا أن التحقيقات أثبتت أنها عملية ختان، وتم حبس الأم والطبيبة، إلا أن النيابة أفرجت عن الأم نظرا لسوء حالتها النفسية بعد وفاة ابنتها.

أما أشهر ضحايا هذه الكارثة فهى الطفلة بدور التى فقدت حياتها فى المنيا وهى فى عمر 12 سنة مثل ندى، والسبب «عملية ختان»، تسببت فى نزيف للطفلة حتى الموت، وبعد وفاة بدور بدأت منظمات المجتمع المدنى، وحملات مناهضة ختان الاناث التى تقوم بها وزارة الصحة تتزايد، إلا أن هذه الحملات وإن كانت قد ساهمت فى التقليل من عدد حالات الختان إلا أنها لم تمنعها تماما، لتنجو منها من نجت بما يشبه العاهة المستديمة التى تعيش معها طول الحياة، أما دينا وسهير وغيرهما كثيرات فقد فقدن حياتهن بسبب هذه العملية، وجميع الضحايا فى السنوات الماضية كانت تجرى لهن الجراحة فى عيادات طبية، وعلى أيدى أطباء متخصصين.

وعقب وقوع كل جريمة من هذه الجرائم ينتفض المجتمع كله، إلا أنه بعد هدوء الأمور يعود كل شيئ إلى ما كان عليه، وتستأنف جريمة الختان ضد بنات مصر خاصة فى الريف وفى محافظات الصعيد، وكأن شيئاً لم يكن حتى نصحو على وفاة طفلة بسبب هذه الجريمة البشعة.

وعقب وفاة الطفلة ندى تقدمت النائبة منى منير، عضو مجلس النواب، ببيان عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الصحة، أكدت فيه أن استمرار عمليات ختان الإناث مؤشر على عدم فاعلية المبادرات الحكومية، وحملات التوعية خاصة فى المناطق الريفية والصعيد، موضحة أن الطب والدين ضد هذه العملية

ومع ذلك لا تزال منتشرة.

وطالبت النائبة بالتعامل بحسم مع أى طبيب يثبت إجراؤه مثل هذه العمليات، وايضا توقيع عقوبات على ولى أمر أى طفلة يثبت خضوعها لهذه العملية، مشددة على أهمية التعامل الحاسم مع العيادات الخاصة التى يتم إجراء هذه العمليات فيها، وتوعية طلبة المدارس بأهمية التبليغ الفورى من خلال وسائل التواصل المختلفة مع الجهات المعنية عن هذه العمليات سواء قبلها أو بعد إجرائها.

إحصاءات

ولكن يبدو أن هذه العادة الاجتماعية الخاطئة أقوى وأرسخ فى ذهن المصريين، ولديها القدرة العظيمة على مقاومة حملات التوعية والأفكار الدينية والطبية الصحيحة، فقد كشفت احصاءات منظمة اليونيسيف أن مصر تحتل المركز الرابع عالميا فى عمليات ختان الإناث، بعد كل من الصومال وغينيا وجيبوتى، حيث خضعت 91% من نساء مصر لهذه العملية.

كما أكدت وزارة الصحة المصرية فى تقرير لها أن 69% من نساء مصر يوافقن ويرغبن فى إجراء عملية الختان لبناتهن، وهو ما يؤكد على مدى قبول الفكرة بين الكثير من فئات المجتمع، وأكدت عفاف عبدالفتاح أن عادة ختان الإناث من العادات التى تربينا عليها، فهى تحافظ على شرف الفتاة وتجعلها أقل عرضة للانحراف، وأضافت العادات التى ورثناها عن أبائنا وأجدادنا دائما صحيحة وتصب فى مصلحة بناتنا، مشيرة إلى أنها أجرت هذه العملية لابنتها والبنت تزوجت وأنجبت ولا تعانى أى مشكلات.

أما سمية عربى فتقول إن القرية التى تعيش فيها بمحافظة القليوبية تعتبر الختان أمراً طبيعياً، فحتى المتعلمات فى القرية يخضعن بناتهن لهذه العملية الضرورية للحفاظ على الفتاة، وأضافت كلنا هنا تعرضنا للختان وتزوجنا وأنجبنا وبناتنا لم يحدث لهم شىء، وإذا كانت طفلة ماتت بسبب العملية فهذا خطأ الطبيب، ويحدث أحياناً فى حالات أخرى غير الختان.

وعلى الجانب الآخر، تقف نهى سالم مدافعة عن حق الفتيات فى العيش بكامل أجسادهن مؤكدة أن الدين والطب قالا كلمتهما، وأكدا أن الختان ليس له علاقة بالشرف أو الانحراف، فالرغبة الجنسية تنبع من العقل، وقطع هذا الجزء من جسد الفتاة سيؤثر عليها وعلى حياتها بالسلب، فلماذا أعرض ابنتى لهذا العذاب، ويظل هذا الموضع مرتبطاً معها بالألم، وأكدت أنها رفضت اجراء هذه العملية لبناتها الثلاث، ووقفت أمام أسرتها وأسرة زوجها الذين كانوا يريدون إجراء هذه العملية للبنت الكبرى، وأضافت نهى: حرام.. كفاية تعذيب لبناتنا، وإذا كانت دراسات منظمة الصحة العالمية أوضحت أن الختان فى مصر مرتبط بمستوى التعليم الخاص بأسرة الفتاة، وما إذا كانت تعيش فى القرى أم المدن، إلا أن الواقع أكد أن هذه الظاهرة منتشرة فى مدن وقرى المحافظات على السواء بغض النظر عن مستوى التعليم، فحتى المتعلمون منهم يقومون بإجراء هذه العملية لبناتهم، فالعرف الاجتماعى أقوى.

تجريم.

بعد واقعة وفاة الطفلة بدور فى عام 2007 جرمت وزارة الصحة عمليات ختان الإناث، وأصدرت قراراً بحظر جميع أشكال تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، ونص القرار على أن «يحظر على أى طبيب أو ممرض أو أى شخص آخر القيام بأى قطع أو تسطيح أو تعديل لأى جزء طبيعى من الجهاز التناسلى للإناث».

وأصدرت دار الافتاء فتوى أكدت فيها أن الإسلام يعارض تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية. وقال مفتى مصر الشيخ على جمعة وقتها، إن الختان «ممنوع ومحظور، وفى مايو 2018 أصدرت دار

الإفتاء فتوى أخرى قالت فيها إن ختان الإناث حرام شرعاً، وهو ما أكده الدكتور خالد عمران أمين عام الفتوى بدار الإفتاء، مشيرًا إلى أن عملية ختان الإناث حرام شرعاً ولا تمس الشريعة الإسلامية من قريب أو بعيد، ولا تعتبر عفة وطهارة للمرأة؛ لأن العفة بالأخلاق والتعاملات، إنما الختان هو اعتداء على جسد المرأة.

من ناحية أخرى، جرمت القوانين الختان من خلال إضافة مادة لقانون العقوبات لأول مرة بنص صريح لتجريم ختان الإناث، واعتباره جنحة، إلا انه فى عام 2016 تم تعديل القانون وأصبح ختان الإناث جناية يعاقب مرتكبها بالسجن من 5 إلى 7 سنوات، وإذا نتج عنها عاهة مستديمة أو وفاة الضحية يعاقب المخالف بالسجن المشدد، وقالت نهاد أبوالقمصان، رئيس المركز المصرى لحقوق المرأة، إن تحويل عقوبة الختان من جنحة إلى جناية سيحد بشكل كبير من انتشار تلك الظاهرة، نظرًا لارتفاع فترة السجن فيها إلى السجن المشدد الذى يصل إلى 5 سنوات.

ووصفت أبوالقمصان الختان بأنه جريمة كبرى فى حق الفتيات ولا بد من العمل والتكاتف من أجل القضاء عليها، وقالت إن العقوبة تتضمن أيضا عقاب من يصطحب الأنثى للختان بالسجن من سنة إلى 3 سنوات.

تناقض

الغريب أنه منذ سنوات طويلة تحاول الدولة جاهدة القضاء على ظاهرة ختان الإناث من خلال القوانين والقرارات والحملات التوعوية، حتى إن وزارة الصحة أصدرت كتابًا دوريًا ألزمت فيه المستشفيات وجميع المنشآت الصحية الحكومية والخاصة والأهلية بضرورة إبلاغ الشرطة عند استقبال حالات تعانى من مضاعفات ختان الإناث، كالنزيف وغيرها لحفظ حقوق الفتيات، وفى نفس السنة قام المجلس الأعلى للجامعات بإدماج مكون تعليمى ضد جريمة ختان الإناث ضمن منهج النساء والتوليد المقرر على طلاب كليات الطب فى الجامعات المصرية.

وقامت الدولة بحملات لمناهضة ختان الاناث، وتم انشاء اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الاناث برئاسة الدكتورة مايا مرسى رئيس المجلس القومى للمرأة، وقامت اللجنة بعمل حملات توعية أشهرها «شهر بدور» وتمت إقامة أنشطة فى جميع المحافظات بالتعاون بين المجلس القومى للمرأة والمجلس القومى للطفولة والأمومة، ومنظمات المجتمع المدنى، للتوعية بأخطار ختان الاناث.

الغريب أن كل هذه الحملات والاجراءات لم تسهم مساهمة فعالة فى القضاء على هذه الظاهرة التى تهدد بنات مصر، فوفقاً للاحصاءات كانت نسبة انتشار ختان الإناث فى مصر عام 2000 تصل الـ97%، إلا أنها سجلت انخفاضا فى عام 2015 لتصل إلى 92%، ثم وصلت إلى 87% عام 2016، إلا أنها عادت للصعود مرة أخرى لتصل إلى 91% فى عام 2017، رغم كل القوانين والتشريعات والقرارات وحملات التوعية.

آثار سلبية

ولأن عادة ختان الإناث هى جريمة العمر كله، فمن تنجو من الفتيات منها تلازمها آثار سلبية تستمر معها العمر كله، تصفها الدكتورة شادية حسين، استشارى أمراض النساء والتوليد، بأنها تختلف من حالة لأخرى، فبالإضافة إلى النزيف الذى قد يودى بحياة الفتاة أثناء العملية، قد تصاب الفتاة بخلل فى وظائف العضو التناسلى، ويصبح غير قادر على الحماية من الميكروبات والجراثيم نتيجة إزالة تلك الطبقة التى يتم بترها فى عملية الختان، ما يجعلها عرضة للاصابة بالالتهابات الحادة والمزمنة، بالاضافة إلى مشكلات تشويه الأعضاء التناسلية وما ينتج عنها من آلام شديدة أثناء العلاقة الزوجية، أو البرود الجنسى لبعض الفتيات، وتعسر الولادة الطبيعية.

وإذا كان الدين والطب قد قالا كلمتهما بأن هذه العادة القبلية التى تمارس بقوة لدى القبائل الافريقية التى لا يعرف معظمها شيئاً عن الاسلام ولا المدنية، فلابد أن يتكاتف الجميع للقضاء عليها، خاصة أن آثارها لا تتوقف على الآثار الطبية فقط، بل يتبعها آثار نفسية لخصتها الدكتورة سوسن فايد خبيرة علم النفس بالمجلس القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، فى ارتباط هذه المنطقة بالخوف والشعور بالألم، وهو ما يستمر معها حتى بعد زواجها، وقد يصل الأمر ببعض الفتيات للإصابة بالتبول اللإرادى، واضطرابات النوم التى تظهر فى صورة كوابيس نتيجة المعاناة والألم الذى تشعر به الفتاة.

وأضافت أن الألم الجسدى الذى تشعر به الفتاة نتيجة لعملية الختان ينتهى، لكن الألم النفسى يظل معها العمر كله، ويصبح الزواج مرتبطاً معها بهذه التجربة القاسية، هذا بالاضافة إلى المشاكل الزوجية التى تحدث بسبب البرود الجنسى الذى تصاب به العديد من الفتيات نتيجة إجراء هذه العملية بشكل خاطئ، ما يؤثر على شعور المرأة بالمتعة أثناء العلاقة الزوجية، وهو ما يتسبب فى فشل الكثير من حالات الزواج، ويتسبب فى ارتفاع نسبة الطلاق.

هكذا نستطيع أن نجزم أن ختان الإناث أصبح «جريمة العمر كله» إن لم تفقد الفتاة عمرها بسببها، تفقد بسببها انسانيتها واحساسها طول العمر، فمتى تنتهى؟

 

97٪ نسبة ختان الإناث فى عام 2000

92٪ نسبتها فى 2015

تراجعت إلى 87٪ عام 2016

ارتفعت إلى 91٪ فى 2017

 

 

أهم الاخبار