رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الكاتب الكبير عبدالقادر شهيب :خضت حروبًا شرسة ضد «القطط السمان»

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 03 أبريل 2019 20:53
الكاتب الكبير عبدالقادر شهيب :خضت حروبًا شرسة ضد «القطط السمان»الكاتب عبدالقادر شهيب
حوار: أيمن عدلى وأحمد أبوصالح

فساد «ماسبيرو» وشركات توظيف الأموال.. من أهم معاركى الصحفية

خدمتى بالقوات المسلحة المصرية.. من أهم محطات حياتى

هزيمة 1967 زلزلت كيانى.. والإرادة والتخطيط سر نصر أكتوبر

«عبدالناصر» انحاز للفقراء ومحدودى الدخل لكنه قتل الديمقراطية

«السادات» سياسى جرىء.. والإضرار بالطبقة المتوسطة أبرز سلبياته

أنا من مدرسة القسوة فى النقد مع تجنب الألفاظ البذيئة

والدى كان وفدياً مثل غالبية أبناء جيله

 

هذا الحوار هو رحلة فى أعماق عبدالقادر شهيب، رئيس مجلس إدارة «دار الهلال» الأسبق والصحفى المناضل، والضابط المقاتل، البرىء الذى عانى من الظلم، والشاب الذى انهارت آماله وأحلامه فى نكسة 1967، والمحارب الذى ناضل ليمحو آثار الهزيمة، وشارك فى إعادة بناء القوات المسلحة المصرية كضابط احتياط وكمتخصص فى التوجيه المعنوى لأفراد الجيش، خلال حرب أكتوبر 1973.

يستعيد «شهيب» فى هذا الحوار مرارة الذكريات، وآلام الفراق، لحظات الفرح، وسنوات الجراح، دقائق السعادة، وثوانى الانكسار، نقلب معه الماضى، نستعرض معه فراق الأب والزوجة، تحمل المسئولية ورعاية الأشقاء، الحلم بالصحافة، ونضاله ليعود إلى صفوف «روزاليوسف» بعد 6 سنوات من البراءة، والتصدى للفساد وحملة القطط السمان وتعرية ماسبيرو وفضح شركات توظيف الأموال.. وإلى نص الحوار.

< حدثنا عن سنوات الطفولة فى حياتك ونشأتك فى حى شبرا؟

- حى شبرا من الأحياء التى تتجسد فيها الوحدة الوطنية بشكل واضح، وأهلها دائما متكاتفون وعلاقتهم علاقات طيبة ما بين المسلمين والمسيحيين على مر السنوات، فأنا ولدت فى حى شبرا ونشأت، وعشت هناك حتى زواجى، وانتقلت للسكن فى مصر الجديدة منذ عام 1977م، وأنا فى العقد الثالث من عمرى، فأنا عشت فى شبرا 30 عاما كاملة.

ولدت لأب من جذور ريفية، لكنه هاجر من قريته للمدينة، وعمل بها ويتسم بأنه قارئ جيد، كان حافظا للقرآن الكريم ويجيد اللغة العربية، وميوله كانت وفدية مثله مثل غالبية جيله، تعلمت منه حب القراءة، كما كنت أتابع حواراته السياسية بينه وبين أصدقائه، وهو الأمر الذى دفعنى لاختيار كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رغم أن والدى كان يريد إلحاقى بكلية الحقوق ويرى أنها كلية الساسة فى مصر، والحكام أيضاً.

والدى كان يتصور أن كلية الحقوق تمثل فرصة طيبة لى للاشتغال بالعمل السياسى، وممارسة دور سياسى مستقبلا، ولكننى انجذبت نحو كلية الاقتصاد والعلوم السياسية كونها كلية جديدة والتحقت بها عام 1965م، وشجعنى على الالتحاق بها مجموعة من أصدقاء الدراسة وأصبحوا أصدقاء العمر حاليا على رأسهم الدكتور أحمد يوسف أحمد، الدكتور أسامة الغزالى حرب، الدكتور عثمان محمد، بينما انقسم باقى الأصدقاء بين كليتى الطب والهندسة.

< قال الدكتور أسامة الغزالى حرب إن عبدالقادر شهيب قرر أن يكون صحفياً، كان ذلك حلمه منذ الطفولة.. فما العوامل التى ساعدتكم على تحقيق هذا الطموح؟

- لقد كنت أهوى الصحافة منذ أن كتبت يدى، وقمت بعمل مجلة أسميتها فى الأول «النور»، ثم بعد ذلك «الأمل»، وفى الكلية قمنا بعمل مجلة اسمها «اللواء السابع» نسبة للدفعة السابعة، وتوليت رئاسة تحريرها نزولا على رغبة الزملاء، كما قمت بعمل مجلة وأنا فى المرحلة الابتدائية، وكان المناخ العام يشجع ذلك، وكانت المجلة فى ذلك الوقت تكتب على الآلة الكاتبة، وأقوم بإخراجها، ثم يتم تحرير الكلام، وكان يتم عمل نسخة أو نسختين أو ثلاث، ولا يزيد العدد على سبع نسخ.

وكنت أقوم بتوزيعها على أصدقائى ومعارفى، وقد كان المناخ مشجعًا، حيث كان مدرس اللغة العربية مهتمًا بتخصيص حصة لقراءة المجلة ومناقشتها، والحديث عنها، فمنذ الابتدائية وأنا معنى بالعمل الصحفى، لذا فأنا اشتغلت بالعمل الصحفى ولم أمتهن العمل الصحفى، فقد اشتغلت به مبكرا، فمنذ الصف الأول الابتدائى كتبت فى مجلة، كانت تصدر عن أمانة شباب الاتحاد الاشتراكى ومنظمة الشباب فيما بعد، وهى مجلة «الشباب». هذه المجلة خرجت العديد من الصحفيين، وكان يتولى رئاسة تحريرها فى ذلك الوقت زميل لنا فى الأهرام اسمه عبداللطيف الحنفى، ومدير التحرير كان الصديق الزميل الراحل رحمه الله نصر نصار، واستمررت بالكتابة فى ذات المجلة حتى بعد التخرج، حتى التحقت بالجيش لأداء الخدمة العسكرية.

وفى الحقيقة بالرغم من أن دراستى الأساسية كانت العلوم السياسية إلا أننى لم أفكر أبدا فى العمل الدبلوماسى، أو العمل فى بعض المؤسسات السيادية المختلفة، وكان متاحا فى ذلك الوقت عدد من الوظائف الشاغرة فى جهاز المخابرات، ورئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية، لكن هدفى الأساسى كان العمل فى المجال الصحفى، والحمد لله، عملت بالصحافة وكانت البداية من مجلة الشباب، ثم جريدة الجمهورية، ثم مجلة روزاليوسف، ثم مجلة الهلال بدار الهلال.

< شاركت فى حرب أكتوبر ضابطا احتياطيا فى سلاح المدرعات، هل يمكن أن تحدثنا عن هذه الذكريات، خاصة تلك التى يختلط فيها الأمر بين المواطن، والضابط المقاتل، والصحفى المليء بالحماس والوطنية؟

- تم تجنيدى بعد تخرجى مباشرة، فى عام 1969م، وكان هذا بناء على القرار السيادى الذى اتخذه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، مع الفريق محمد فوزى، لتحديث الجيش المصرى عن طريق تجنيد حاملى المؤهلات العليا، وهذا القرار أحدث نقلة نوعية فى الجيش، حيث إنه تم إمداد الجيش آنذاك بالعديد من الأسلحة المتطورة، التى كانت تحتاج إلى نوع من الاستيعاب الأفضل له، وهذا الأمر غير البنية الأساسية للقوات المسلحة بعد نكسة 1967.

وقد عملت فى أكثر من موقع فى الجيش، وكان أهم تلك المواقع على الجبهة، فى الجيش الثالث، لواء مدفعية، يتبع الفرقة السابعة مشاة، والتى كان يقودها الفريق أحمد بدوى، الذى أصبح فيما بعد وزيراً للدفاع، وهى تجربة ثرية وغنية جدا، كونت علاقات قوية ووطيدة، وكونت خبرات ضخمة، ولكنها فى النهاية كونت أهم خبرة من هذه الخبرات وهي «مفيش مستحيل، وأنك قادر على قهر الهزيمة»، تلك الهزيمة المزلزلة التى وقعت عام 1967، وكنت وقتها فى العام الثانى الجامعى، وكنا فى فترة امتحانات فى ذلك الوقت، لذا كانت هزيمة مزلزلة لكل ما آمنا به جيل يرى أن كل شيء جميل ورائع وأن مصر لا يمكن أن تهزم، بالعكس كنا نتصور عندما أعلنت الحرب أننا سندخل تل أبيب خلال ساعات، ففوجئنا بأن القوات الإسرائيلية على ضفاف قناة السويس، وسيناء كلها فقدت.

وفى فترة من الفترات التى كنت أعمل فيها «ضابط توجيه معنوى» فى إحدى القيادات، كنت أشعر بالاستفزاز وأنا أرى الجنود الإسرائيليين على ضفاف القناة، ومما أذكره أيضاً أن التوجيه المعنوى كانت إحدى القيادات التى استحدثها الفريق محمد فوزى فى الجيش، وهى كانت المعنية بالاهتمام بالروح المعنوية للمقاتل المصرى، فأنا كنت أتدرب كضابط احتياط، وأيضاً كضابط متخصص فى التوجيه المعنوى، والتوجيه المعنوى كان مفيدا جدا سواء فى فترة حرب الاستنزاف أو فى فترة حرب أكتوبر.

وأعود للحديث عن الانهيار النفسى الذى أسفر عن الزلزال الذى ضرب كياننا بسبب الهزيمة، وكنا نحتاج إلى إعادة ترميم النفس المصرية مرة أخرى، فما بالك بالنفس المصرية المقاتلة، فهذه التجربة أكدت لى أن الإرادة والتخطيط والجدية تحقق النصر، وأذكر فى هذا الصدد أننا كنا نستيقظ فى الصباح الباكر لحفر خنادق للاحتماء بها من الطيران الإسرائيلى، وبالفعل كانت القوات المسلحة محطة هامة فى حياتى خرجت بها بالكثير من انتمائى للقوات المسلحة المصرية.

< محطة أخرى تعد هى الأهم فى حياتك وهى الزواج من السيدة نعمت، نجلة الضابط يوسف صديق، أحد الضباط الأحرار عام 1952م والتى كان لها دور هام فى حياتكم ومشواركم الصحفى؟

- نعم هذا صحيح، لقد تعرفت على زوجتى أواخر عام 1974م، فى منزل خالها محمود توفيق، رجل القانون والسياسى اليسارى، وله أنشطة ثقافية متعددة وكاتب وشاعر، وقررت فى نهاية المطاف أن أتقدم لخطبتها، وتمت تلك الخطبة فى عام 1975م، وبعدها بفترة وجيزة توفى والدى، وأوكل لى مهمة رعاية إخوتى، اثنين من الأولاد، واثنين من البنات، وكان من الطبيعى كأخ أكبر أن أتولى هذه المهمة، لذا تأخر الزواج حتى عام 1977م.

وقد كنت من المتهمين فى قضية انتفاضة 18 و19 يناير، وكنت فى تلك الفترة مختفيا عن الأنظار، حتى صدر حكم البراءة الشهير من المستشار نبيل حكيم، ففوجئت بها فى أول لقاء بعد فترة اختفائى، تخيرنى بين الزواج أو الانفصال النهائى، وهى

كانت تقصد بتلك التضحية الكبيرة تدعيمى ومساندتى، وفى الحقيقة تزوجنا فى مارس 1977م، ورزقنا الحمد لله بابنى وهو يعمل دكتورا مهندسا بمجال الاتصالات فى فرع إحدى الشركات الألمانية الشهيرة بمصر، وطيلة فترة ارتباطنا حتى توفيت رحمة الله عليها فى عام 2009، كانت داعمة ومساندة لى، وبعد وفاتها تقدمت باستقالتى من منصبى وكان لى فى ذلك التوقيت منصبان، ولا أنسى كلماتها لى عندما كانت ترقد فى العناية المركزة، وطلبت منى ألا أجعل وضعها الصحى عائقا لى أمام أى قرار أتخذه، إذا رأيت أنه قرار صائب، دون الخوف من تبعاته، واتخذت القرار بالاستقالة، ولكن القائمين على الصحافة فى مصر فى ذلك الوقت رفضوا استقالتى المكتوبة، وتواصلت فى النهاية مع الدكتور مفيد شهاب وزير المجالس النيابية والشئون القانونية الأسبق إلى أن تم قبول الاستقالة بعد التجديد لى.

< رحلة مليئة بالنجاحات فى عالم الصحافة، وذكريات هامة خاصة فى «روزاليوسف»، هل تحدثتا عن إحدى تلك التجارب الهامة التى قمت فيها بحملة ضد الفساد؟

- فى الحقيقة لم يكن الأمر مقتصرا على «روزاليوسف» وحدها، وقد خضت العديد من الحملات ضد الفساد، ومنذ التحاقى بـ«روزاليوسف» أواخر 1975م، وهى تجربة شديدة الثراء، وكانت من أصعب الفترات على نفسى تلك السنوات التى قضيتها بعيدا عن المجلة بعد فصلى وعدد من الزملاء على خلفية اتهامنا فى التورط فى انتفاضة يناير، وعدت لها فى فبراير 1986، بعد حكم البراءة الشهير، وبعد محاولات شاقة قاربت الستة أعوام، وكنت آخر العائدين للعمل، وقد خضت من خلال روزا ليوسف حملتى الشهيرة بـ«القطط السمان»، وهذا المصطلح صكه الدكتور رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب آنذاك، وكان يشير إلى من حققوا ثراء ضخما كبيرا، وغير مفهوم، وقد تتبعت خلال تلك الحملة ثراء هؤلاء الرجال، وإلى جوارها حملة أخرى بناء على طلب من الدكتور أحمد العطيفى، وزير الإعلام فى ذلك التوقيت، عن «عزبة الإذاعة وإمبراطورية التليفزيون»، ما يحدث من مشكلات أو ما يمكن تسميته بأكثر من مشكلات بداخل المؤسسة الإعلامية المصرية، وقد لاقت الحملتان صدى ورد فعل طيب، ولم يؤاخذنا أحد على كلمة أو سطر تمت كتابته فى هذه الحملات، فقد كان كل شيء مستندًا إلى وثائق ومعلومات ومصادر بشكل جيد.

وفى الفترة الثانية بروزاليوسف، كانت لى حملة من أطول الحملات ضد الفساد فى الصحافة المصرية، والتى خضت فيها حملة ضد شركات توظيف الأموال، منذ عام 1986م، ولم تنته إلا فى أواخر عام 1993م، حيث نبهت إلى خطورة هذه الشركات من وقت مبكر، والميزة فى هذه الحملة هى قيادتى لفريق من الشباب، أصبحوا حالياً نجوما فى الصحافة، وتولوا قيادة مطبوعات صحفية، منهم الزميل نبيل عمر بالأهرام، الزميل يوسف هلال توفاه الله وهو شاب، الزميل إبراهيم خليل تولى رئاسة مطبوعات «روزاليوسف»، الزميل حمدى رزق تولى رئاسة تحرير «المصور» و«المصرى اليوم».

وهذه الحملة كانت مؤثرة جدا، وأتت بنتائج إيجابية، ولا أنسى النقاش الذى دار بينى وبين الكاتب الصحفى الكبير مكرم محمد أحمد عندما قال لى: «اللى زيك لازم يتبسط، اللى أنت قلته تحقق، واللى انت طالبت بيه تم تنفيذه»، لأن الدولة لم تتدخل إلا بعد ضغط، وإلحاح وحملات صحفية، وكنا فى هذا التوقيت ثلاث مطبوعات تشارك فى هذه الحملة، وكانت المطبوعة الأساسية التى تولت الحملة طيلة سنوات هى مجلة «روزاليوسف» وكان معنا مجلتا الأهرام الاقتصادى و«المصور»، حيث كان الزميل عزت حنفى يخوض هذه الحملة من خلال المصور، لكن فى الحقيقة «روزاليوسف» خاضت بفريق، وكنا نتسم بدرجة من الجرأة غير العادية، ولم يتمكن أحد من رجال توظيف الأموال ولا بعض رجال الحكومة المتسترين على فسادهم من إسكات أصواتنا أو نتوقف عن الحملة، وأخيراً تدخلت الدولة وحاولت إنقاذ ضحايا شركات توظيف الأموال، ولكن بعد وقت متأخر، مما تسبب فى تأخر استعادة حقوق هؤلاء المواطنين.

< انتقلت إلى دار الهلال وتدرجت فى مناصبها حتى توليت رئاسة مجلس إدارتها ورحلة عطاء تحديات ونجاحات.. ماذا تتذكر من هذه المرحلة؟

- أتذكر الكثير، وأهمها أمران، الأول هو خوض مجلة «المصور» تحدى الوصول إلى القارئ البسيط العادى، الذى يحتاج إلى معرفة الحقيقة مجردة عن الهوى، لا تزييف وعيه ولا التغرير به ولا خداعه، ولا الضحك عليه إنما تقدم له الحقيقة الكاملة، وفى نفس الوقت تعتصم بالمهنية، وأن تحرص على المصداقية، وقد حرصت على أن يتوفر هذا فى مجلة «المصور»، ولا تتوجه إلا للقارئ، ولا يهمها مخاطبة مسئول ولا آخر غير مسئول، لتستفيد من ورائه بشىء، وفى الحقيقة المناخ ساعد الزملاء فى تقديم انفرادات، وتقارير، وتحقيقات، لها صوت لدى الدولة ولدى القراء أيضاً.

أما بالنسبة للإدارة سعيت إلى حماية مستقبل من انضموا للمؤسسة وهم شباب، فبالنسبة لى ولأبناء جيلى لم يكن لنا سوى سنوات ونترك المؤسسة، لكن من عينوا مؤخراً كان أمامهم مستقبل طويل، فكنت حريصًا على حمايتهم، وقد خضت معركة طويلة مع بعض المسئولين الذين لم يريدوا خيرا لهذه المؤسسة، وتحديدا مطبعة أكتوبر، وأعتقد أننى نجحت فى هذه المعركة التى خضتها بقوة وبشدة، فى حماية المطبعة ومنعت الاستيلاء عليها، لأننى طولبت بعد تعيينى بثلاث شهور بتصفية المطبعة، فرفضت رفضا شديدا وحرصت على أن أدفع قيمة الأرض المقام عليها المطبعة، حتى لا يستغل ذلك فى الاستيلاء عليها، والحمد لله، تم إنقاذ المطبعة، ولم أقدم تنازلا واحدا من 2007م، وحتى 2011م، ولم تأخذ «دار الهلال» مليما واحدا من الدولة، ولم نقترض من البنوك.

وقبل تركى للمؤسسة حدث شيئان، الحدث الأول: أن كل الديون التجارية التى كانت على المؤسسة لعدد من الموردين التجاريين، بعضهم رفع على المؤسسة دعاوى قضائية، وكسبها وتمكن من الحصول على أحكام بالحبس على عدد من المسئولين فى المؤسسة السابقين والموجودين، تم سداد تلك الديون بالكامل، والحدث الثاني: أنه تم تعيين كل العمال المؤقتين فى المؤسسة باستثناء واحد فقط، على مدى قرابة الست سنوات، وهذا الفرد لم يعين لرفض الصحة تعيينه كونه يعانى من مرض عضال يمنع عمله بالمطبعة، وقد حرصت على بقائه فى المؤسسة فى عمل لا يسبب له أى ضرر صحى.

< كشاهد على التاريخ، خاصة أنك تجمع ما بين العمل الصحفى والعمل السياسى، ما هى رؤيتك لحقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ما لها وما عليها؟

- اتسمت فترة حكم الرئيس الراحل عبدالناصر بالانحياز الواضح والشديد للفقراء والغلابة وأصحاب الدخول المحدودة، وفى عهده نمت الطبقة المتوسطة، وأقولها بمنتهى الجرأة أننى لم يكن يتاح لى دخول التعليم الجامعى، إلا بمجانية التعليم التى أقرها «عبدالناصر»، فهو الذى أضاف مجانية التعليم الجامعى، حيث انحاز لأبناء الطبقة المتوسطة والفقراء، كما قدم إنجازات شديدة فى مجال الصناعة المصرية، وتطوير الاقتصاد المصرى، ففى حقبة الستينات وصل معد النمو الاقتصادى إلى قرابة 7%، كما حقق العدل الاجتماعى.

السلبيات الأهم والأخطر فى عهد عبدالناصر هى عدم وجود «ديمقراطية»، رغم أنها المبدأ السادس من مبادئ الثورة، ولم نشهد إلا تجاوزات فى حقوق الإنسان والتنكيل بالمعارضين، وصل إلى قتل بعض

من كانوا بالسجون.

< وماذا عن الرئيس الراحل أنور السادات؟

- هو سياسى بارع، من الدرجة الأولى، استفاد من عمله السياسى ما قبل 1952، كان قارئًا مبكرا للخريطة الدولية، وما يحدث بها من تغيرات وانهيار الاتحاد السوفيتى القوة العظمى الثانية، وصعود القوة العظمى الأولى الولايات المتحدة الأمريكية، فقرر أن يغير السياسات، وهو شديد الوطنية مثل «عبدالناصر»، وكان حريصا على استعادة الأرض المحتلة، ونجح بالفعل فى ذلك، واتخذ قرارًا خطيرًا يصعب على أى قائد مصرى أن يتخذه بسهولة، وهو قرار الحرب فى أكتوبر عام 1973، وهو ما يُسطر بحروف من نور فى صفحته المجيدة.

وفى المقابل، فإن من أبرز سلبياته عدم انحيازه للطبقة المتوسطة، ومحدودى الدخل، كما أهدر ما حققه عبدالناصر اقتصاديا وتنمويا، بالتحول الاقتصادى المفاجئ، مما كان له مردود وأذى على الطبقة المتوسطة والفقيرة.

< ماذا كتبت عن الساعات الأخيرة فى حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك؟

- كتبت عن تنحى «مبارك»، وكيف كان يحاول معالجة الأمر، وأعتقد أن بعض المحيطين به هم من كانوا يتولون الأمر، منهم جمال مبارك وأنس الفقى وزكريا عزمى، وطريقتهم فاقمت الأزمة ولم تحد منها، حيث كانوا يتخذون قرارات متأخرة فى الأساس، وقد كنت معنيًا بالبحث والتدقيق فى: متى فكر «مبارك» فى تعيين عمر سليمان نائباً له؟ ومتى فكر فى تسليم السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة؟، ومن الأشياء التى أعتز بها أننى بدأت كتابة ذلك منذ أبريل عام 2011، ولم يكن قد مضى نحو بضعة أسابيع على تنحى حسنى مبارك عن الحكم وأعتقد أن الراوية التى قدمت تفاصيلها وأحداثها هى التى اعتمد عليها كثيرون فيما بعد.

< عام من حكم جماعة الإخوان لمصر.. كيف تراه؟

- كان من أسوأ الأعوام التى مرت على مصر، لأن جماعة الإخوان لا تمثل حزبًا وجماعة سياسية، بالرغم من أنهم كانوا يمارسون السياسة رغبة فى الاستيلاء على الحكم فى البلاد، وكان هدفهم السيطرة على جزء من مصر للسيطرة على بقية الأجزاء، ومن ثم نجد دويلات إسلامية صغيرة كنواة لدولة الخلافة الكبرى، فلا يهمهم أن يقتطع من مصر قطعة أو مساحة، جيشها يضعف أو يقوى، ولكن سعيهم الحقيقى هو تقوية الجماعة، كما حاولوا أن يخترقوا كل مؤسسات الدولة المصرية، ونجحوا فى اختراق البعض، وكانوا يحاولون جاهدين اختراق المؤسسة العسكرية المصرية ولكن باءت كل محاولاتهم بالفشل الذريع.

وقد أفاقت الجموع من تلك الغيبة السياسية التى حاول الإخوان أن يفرضوها على الشعب المصرى، عبر النشطاء السياسيين الذين يتبع بعضهم لليسار أو المعارضين للإخوان، وقد كان يروج إلى أن الإخوان فصيل سياسى يسهل التعامل معه، يمكن أن يصل إلى السلطة ويتداول الحكم فيما بعد، ولكن عموم المصريين أفاقوا سريعاً وأدركوا أنهم أمام فصيل غير وطنى، «عصابة» تحاول الاستيلاء على الدولة، فانتفض الشعب ضدهم، وأتذكر أننى كتبت صفحة كاملة فى جريدة «فيتو» وقمت بتنقيحها وأصبحت الفصل الأول فى كتابى، تحت عنوان «الساعات الأخيرة فى حكم مرسي» حيث قام عصام كامل، رئيس تحرير «فيتو»، بطبع العدد سريعاً، ليكون متوافرا فى الأسواق ليلة 30 يونية، ليتم تداوله وتوزيعه عند الاتحادية والتحرير مجانا على الناس.

< ما أصعب الفترات خلال فترة حكم الرئيس المؤقت عدلى منصور، خاصة أن آخر نتاج لكم كان كتاباً عن هذه الفترة؟

- نعم، كتاب «335 يوماً من حكم المستشار» وهذه الفترة الانتقالية كانت صعبة للغاية، فعندما تولى المستشار عدلى منصور الحكم، كان وضع مصر الاقتصادى متدهورا جدا، ولعل الجميع يتذكر أزمات البنزين، والبوتاجاز، والكهرباء، وندرة الكثير من السلع الغذائية، فضلا عن تدنى معدل النمو عن 2% وهو معدل قاتل، أقل بكثير من معدل زيادة السكان، مما يعنى تدهور مستوى المعيشة.

والأمر الثانى كان شبه الحصار الإقليمى والدولى الذى فرض على مصر، حيث جمدت عضوية مصر فى الاتحاد الأفريقى، كما اجتمع الاتحاد الأوروبى لاتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر، واجتمع مجلس الأمن ليتخذ قرارًا ضد ما اعتبره انقلاب 3 يوليو، كما تجمدت المساعدات العسكرية الأمريكية وتم وقف التعاون والتدريب العسكرى المشترك، كما استشرى العنف فى غالبية أنحاء البلاد، فبعد فض اعتصامى رابعة والنهضة تعرضت كنائس كثيرة للحرق والتخريب، وتم اقتحام عدد من منازل المسيحيين، وتم الاستيلاء على ممتلكاتهم، انتشرت عمليات التفجير فى أماكن شتى، والصدام مع قوات الأمن، وإلقاء الزيت على الكبارى والطرق، للتسبب فى ارتفاع معدلات حوادث الطرق. فقد كانت البلاد تعانى من حالة عدم الاستقرار الأمنى والسياسى، فالوضع كان شديد الصعوبة وسيئا جدا وصعبا جدا، وأنا أرى أنه من حسن حظ مصر تولى المستشار عدلى منصور مصر فى تلك الفترة، كونه يمتاز بالذكاء والصبر والهدوء ودماثة الخلق، مما مكننا من الخروج من الأزمات واحدة تلو الأخرى، حتى نهاية حكمه وتسليم السلطة للرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى فى يونية 2014، وهناك رصيد ضخم وكبير نتاج عمله خلال هذه الفترة من تاريخ مصر بدعم قوى من المؤسسة العسكرية والأمنية، قدر يخرج بنا لبر الأمان.

< فى إجابات موجزة.. ماذا يمثل لك يوسف صديق؟

- هو فارس نبيل، وشاعر رائع، ومناضل كبير، وعاش حياته مقاتلا من أجل الوطن، ولم يكن باحثا عن مصلحة شخصية له قط.

< والدكتور أحمد يوسف أحمد؟

- هو صديق عزيز، وأحد أصدقاء العمر، وهو أفضل شخصية فى مجموعتنا.

< والدكتور أسامة الغزالى حرب؟

- أحد أصدقاء العمر، وقد درسنا سويا قبل الجامعة وما بعدها، وتربطنا ذكريات جميلة، وخضنا معا عملا سياسيا مشتركا.

< والدكتور يوسف بطرس غالى وزير المالية الأسبق؟

- هو عقلية اقتصادية جيدة، وشخص مجتهد، ولكنه اتخذ منى موقفا معادياً لأنه كان يريد الحصول على مطبعة «دار الهلال»، وتصديت له، مما كلفنى الكثير من المتاعب كونه كان وزيرا للمالية ومشرفا على بنك الاستثمار القومى خلال حكم حسنى مبارك.

< كيف ترى مستقبل مهنة الصحافة فى ظل السوشيال ميديا والانترنت؟

- مستقبل المهنة من الممكن أن يكون جيداً، ولست مع من يقول إن الصحافة الورقية قد تنتهى أو إلى زوال فى المستقبل القريب، ولكن للأسف الشديد أنا أرى أن الصحافة الورقية تمر بأصعب فترات حياتها، وسيستمر هناك دور الصحافة الورقية قومية، أو حزبية، أو خاصة بشرط أن تكون المهنية هى المعيار وصحافة للقارئ أولاً.

< من صاحب الفضل على الكاتب الصحفى عبدالقادر شهيب؟

- كثيرون فى الحقيقة، فقد التقيت بالكثير فى الصحافة المصرية ممن أعتبرهم أصحاب فضل على، كما تأثرت بالكثير منهم مثل مصطفى أمين رئيس تحرير الأخبار الأسبق تأثرت بطريقته الصحفية، والعمل الصحفى المثير، والقصة الصحفية، والاهتمام بالقارئ، وتأثرت بطريقة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل فى جمع المعلومات، وتأثرت بالأستاذ أحمد بهاء الدين رئيس تحرير دار الهلال والأهرام الأسبق فى كتابة العمود الصحفى، استفدت كثيرا من خبرات فتحى غانم، وصلاح حافظ فى «روزاليوسف»، كما استفدت من خبرات الأستاذ مكرم محمد أحمد فى دار الهلال، وأظن أن حرصى الشديد على المصداقية أخذته عن حرصه فى دار الهلال.

< ما أجمل لحظات حياتك؟

- مررت بلحظات جميلة كثيرة، الحمد لله، وكانت أجمل لحظة عندما رزقت بابنى، برغم أننى كنت مُقالاً وقتها من «روزاليوسف»، وكنت أعمل نظير مكافأة رمزية جدا فى جريدة «الشعب»، الصادرة عن حزب العمل الاشتراكى، كما كنت مفلسًا، ولم يكن معى دفع ثمن الولادة بالمستشفى، وقد عرض علىّ فى نفس اليوم عمل خارجى بمقابل معقول.

< لحظات صعبة ولحظة بكاء لا تنساها أبدا؟

- هى أيضاً لحظات كثيرة، أولها فقدان الأب، فهو لم يكن مُعلمًا وقدوة فقط، ولكنه كان يقوم بدور الأم أيضاً، خاصة أنه ترتب على ذلك أيضاً مسئولية رعاية أشقائى، واللحظة القاسية القريبة كانت فراق زوجتى، خاصة أنها عانت قبل موتها من مرض عضال، تألمت كثيرا، وقد بذلت ما فى وسعى لتخفيف هذا الألم، وقد انتصر المرض فى النهاية، ففقدت زوجة وصديقة عزيزة ورفيقة درب حياة وداعمة ومساندة قوية.

< هل تعتبر نفسك راضياً عما قدمته خلال مسيرتك الصحفية، أم كانت هناك آمال وطموحات أكبر؟

- الحمد لله، أنا أشعر بالرضا، وذلك نتيجة اكتسابى صداقات جميلة ورائعة، وهذا ما قمت بكتابته فى جريدة الأهرام، فعندما أجريت عملية جراحية قاربت من الثمانى ساعات، لم يقف نجلى وحده، بل سانده ووقف إلى جواره الأساتذة مكرم محمد أحمد، وحلمى الحديدى، وغانم محمد، وأسامة الغزالى حرب، والعديد الآخرون، غير الاتصالات الهاتفية، وهو الأمر الذى يشعرنى بقيمة ما قدمت، حتى الذين عادونى وهم قلة لم أفقد احترامهم وظللت محتفظا باحترامهم ويصلنى من بعضهم ما يفيد بذلك الآن.

< ما الكلمة التى تود أن تلصق دائما باسمك؟

- كان شريفاً وصادقاً مع الجميع.

< وماذا تقول فى مصر الوطن؟

- الوطن يحتاج منا التعاون للنهوض به، وتجاوز ما يتعرض له من أزمات والتصدى بكل قوة لمن يريدون العبث به وبمقدراته.

< أهم نصيحة كانت دائما نُصب عينيك؟

- أن تكون صادقا مع الجميع بلا استثناء، وأن تفعل ما تريد وتقول ما تريد بشجاعة دون أن تسبب ألما أو أذى للآخرين، وأنا من مدرسة «أن تنتقد بقوة دون أن تسيل دماً»، ولذلك مهما استخدمت القسوة والشدة فى النقد أتجنب السفالة والألفاظ البذيئة، وأعتمد على المعلومات الصادقة ولا أسعى لتحقيق مكاسب شخصية، وكان من الممكن أن أحقق الثراء من مهنتى، وكان أبرز ذلك عندما عرض على أصحاب شركات توظيف الأموال الكثير، ولكنى الحمد لله تمسكت واعتصمت بالحق، ولا أريد أن أقبض ثمناً لما أكتبه إلا احترام القارئ.

< ما النصائح أو ما يمكن أن نقول روشتة نجاح لمن يُريد أن يكون عبدالقادر شهيب آخر؟

- أتمنى أنه لا يكون عبدالقادر شهيب، بل أتمنى أن يكون هو نفسه ويستفيد من خبرات عبدالقادر وغيره، ويجب علينا أن نبذل جهدا فى نقل هذه الخبرات للشباب، ويجب عليه أن يكون صادقا مع نفسه أولاً، ومع من يخاطبه، فلا يخدعهم ولا يغرر بهم ولا يضللهم، والحقيقة يمكن أن تقدم بطرق شتى وأساليب كثيرة.

< أخيرا، دعوة تحرص عليها بينك وبين الله؟

- دعوتى الأخيرة حالياً، هو أن يمنحنى الله الصحة والعافية، ويكتب لى الشفاء من المرض الخطير الذى أصبت به.

 

أهم الاخبار