رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لواء أ. ح متقاعد حسام سويلم: بعض السلفيين يتقربون إلى الله بفتاوى هدم التماثيل وأبوالهول والأضرحة

أخبار وتقارير

الخميس, 06 ديسمبر 2018 20:18
لواء أ. ح متقاعد حسام سويلم: بعض السلفيين يتقربون إلى الله بفتاوى هدم التماثيل وأبوالهول والأضرحة

فى زاويته بصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 13 أكتوبر الماضى، قال الكاتب السعودى «مشعل السديرى» تحت هذا العنوان «دعا قيادى فى «الدعوة السلفية الجهادية» المصرية إلى تحطيم الأصنام والتماثيل التى تمتلئ بها مصر، مؤكداً أن المسلمين متكاسلون عن تطبيق تعاليم الشرع الحكيم- حسب تعبيرهم- حيث دعا هذا القيادى السلفى إلى تحطيم تماثيل «ابوالهول» والأهرام والتماثيل فى مصر كلها، وذلك على غرار ما قامت به حركة طالبان إزاء تمثال بوذا فى أفغانستان».

وأضاف السديرى: «ولا أدرى أى عقليات مريضة تحرض على مثل هذه الدعوات، وهل هو أفهم وأصلح من عشرات الرجال من الصحابة الذين دخلوا مصر وعاشوا فيها! ولكنهم لم يحطموا تلك التماثيل التى يسميها ذلك الداعية الجهبذ «الأصنام»؟ وحسب علمى وعلى كثرة ما شهدت من تلك التماثيل، لم أجد واحداً يعبدها، والله أعلم»، انتهى كلام السديرى.

 

ليست الدعوة الأولى الهدامة للسلفيين

وبغض النظر عن شخصية القيادى السلفى الذى دعا إلى تحطيم التماثيل المصرية، فكل قادة السلفيين والإخوان فى مصر وغيرها من بلدان العالم، يعتقدون فى هذا المعتقد الباطل، بل ويطبقونه عملياً كلما اتيحت لهم الفرصة، وهو ما وقع بالفعل فى العراق عندما قام الداعشيون الهمجيون بتدمير الآثار والمتاحف المتواجدة فى الموصل، والتى يعود تاريخها إلى «6000» سنة قبل الميلاد فضلاً عن إحراق آلاف الكتب وسط المدينة، متأسين فى ذلك بما فعلته حركة طالبان فى أفغانستان عندما قامت فى مارس 2001 بتدمير تمثالين عملاقين لبوذا فى مدينة بإيمان يعود تاريخهما إلى أكثر من «1500» عام.

وأيضاً ما فعله السلفيون فى ليبيا فى أغسطس 2012 عندما هدموا ضريح الشعاب الدهمانى فى طرابلس ودنسوه، ودمروا أيضاً ضريح الفقيه الصوفى من القرن السادس عشر الشيخ عبدالسلام الأسمر فى زلتين شرق طرابلس، وفى سوريا تم تفجير مئذنة المسجد الأموى لعناصر إرهابية من جبهة النصرة، وهو من روائع الفن الإسلامى.. ومدرج فى لائحة التراث العالمى لليونسكو.

وفى مصر قام السلفيون الإخوان بهدم كثير من مقامات أولياء الله الصالحين فى المدن المصرية، وهددوا بهدم الآثار والتماثيل المصرية القديمة، وعلى رأسها ابوالهول والهرم، وذلك أثناء احداث «25 يناير» بل وكانوا على وشك تدمير المتحف المصرى بميدان التحرير، كما نشر الموقع الإلكترونى فى «إسلام ويب» فتوى لمفتى قطر يطالب فيها بهدم الأهرامات وأبى الهول باعتبار ذلك واجباً شرعياً!! كما حطموا أس تمثال طه حسين عميد الأدب العربى فى المنيا، ووضعوا نقاباً على تمثال أم كلثوم بدعوة أن «وجهها عورة»!! فضلاً عن تحطيم تمثال سنوست الثالث فى المنصورة.. وذلك باعتبار أن هذه التماثيل أصنام ينبغى إزالتها من الوجود.

 

الركائز الفكرية لهذا السلوك التخريبى وانعكاساتها الهدامة

تعود الركائز الفكرية التى يعتمد عليها السلفيون والإخوان فيما يمارسونه من أعمال تخريبية إلى ما أرساه ابن تيمية إمام السلفيين فى السعودية، وأبوالأعلى المودودى فى باكستان وسيد قطب فى مصر، من مفاهيم باطلة، حيث يصف الحضارة المصرية القديمة بأنها «عفن» وحضارة أصنام يجب التخلص من رموزها بهدم المعابد، وتحطيم التماثيل المصرية القديمة.

اما انعكاس هذا الفكر الهدام على الجيل الجديد من شباب مصر، فيشير إليه الصحفى عبده مباشر فى مقالة له بالأهرام بتاريخ 12 ديسمبر 2010 عن حوار أجراه مع طلاب كلية الطب بجامعة القاهرة، استنكروا أثناءه إقبال المصريين المسلمين على مشاهدة الآثار والتماثيل الفرعونية وإحاطتها بكل هذا التقدير، وأكدوا انها أصنام تستحق التدمير.. ثم عقبوا قائلين: «لو وصلنا السلطة فلن نتورع عن تدمير كل الآثار الفرعونية حماية للناس من الشرك».

ولم يفلح كلام الأساتذة ومنهم الأستاذ عبده مباشر فى اقناع هؤلاء الطلبة بأن هذه التماثيل والجداريات ليست أكثر من تسجيل لتاريخ المصريين القدماء وما حققوه من تقدم وحضارة فى كافة مجالاتها، وهو ما يعترف به علماء الغرب والشرق، لا يزالون عاجزين عن سبر أغوارها حى اليوم وأن المصريين القدماء تثبت كتاباتهم أنهم كانوا يعبدون إلهاً واحداً، الا أن هؤلاء الطلبة اعتبروا ما فعلته طالبان فى أفغانستان من تحطيم للتماثيل هو عين الصواب ولا قيمة لاستنكار العالم!!

ومن الأمور ذات المغزى أن هذا الحوار جرى قبل احداث 25 يناير بعامين، وعندما اتاحت الفوضى التى واكبت هذه الأحداث الفرصة لهؤلاء السلفين للقيام علمياً بتطبيق افكارهم ومعتقداتهم الهدامة التى اعتنقوها عبر سنوات من تأهيلهم فى المساجد والزوايا والنوادى على أيدى قادتهم السلفيين والإخوان، وفجروا ما فى قلوبهم من غل وحقد على النظام المصرى وحكامه وجيشه، والتى وصل إلى حد تحطيم بعض الآثار المصرية القديمة ومقامات اولياء الله الصالحين فضلاً عن احراق الكنائس وعدد من المساجد بعد أن نجحوا فى تلويث عقول هؤلاء الشباب والسيطرة عليهم، فأصبحوا لا يقبلون المنطق العقلى، ولا يريدون اسلوب الحوار حتى وان استند كلام المعارضين لهم على آيات من القرآن والاحاديث الشريفة، وما أثبتته احداث التاريخ انما يريدون املاء ما يرونه على الآخرين بكل ما يعتقدون من افكار هدامة، رغم ماثبت من أن اياً من العرب والمصريين بينهم لم يفتن فى دينه بسبب الآثار المصرية القديمة رغم أنهم كانوا حديثى عهد بالإسلام.

 

الرد على دعاوى هدم الآثار المصرية القديمة

أولاً: مصر القديمة معظمها إسلامية ولم تكن كلها فرعونية: وصف مصر القديمة بـ«الفرعونية» خطأ، لأن لفظ «فرعون» هو تعبير عن صفات الطغيان والبغى، وليس منصباً رئآسيا أو قيادياً فى مصر القديمة، بدليل أن المولى عز وجل وصف حاكم مصر فى زمن سيدنا موسى بالفرعون فى قوله تعالى: «اذهبا إلى فرعون أنه طغى» ـ 43 طه، كذلك وصفه بالإسراف والتعالى وتضليل الناس «ان فرعون لعالٍ فى الأرض وإنه لمن المسرفين» ـ 83 يونس، وقوله تعالى «وأضل فرعون قومه وما هدى» ـ 79 طه، كذلك من صفات فرعون تشتيت الناس وجعلهم فرقاً وأحزاباً متنافرة حتى يمكنه السيطرة عليهم، والإفساد فى الأرض «إن فرون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين» 4 القصص.. ناهيك عما يتصف به فرعون من تسلط وتجبر وتأله على الناس «وقال فرعون يا أيها الناس ما علمت لكم من إله غيرى» 38 القصص، وقوله تعالى حكاية عن فرعون «قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد» 29 غافر.

يؤكد ما سقناه آنفا أن لفظ «فرعون» يشير إلى شخص يتصف بهذه الصفات والسمات السيئة، سواء كان حاكماً أو دون ذلك لذلك هذا الوصف لا يتعلق بكل حكام مصر القديمة بل هو وصف دائم ومستمر فى الوجود لكل إنسان يتصف بصفات فرعون ويسلك سلوكه يتأكد هذا المفهوم من حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «فرعون أمتى أشد عليها من فرعون أخى موسى».

وفى ضوء هذه الحقيقة نجد أن القرآن الكريم قد وصف حاكم مصر فى زمن سيدنا يوسف عليه السلام بـ«الملك» ولم يصفه بفرعون لأنه كان من المؤمنين بحضرته مصداقاً لقوله تعالى «وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم» 54 يوسف.

وقد ساعد على انتشار المفهوم الباطل حول «مصر الفرعونية» عدم إدراك البعض ما تحمله اللغة المصرية القديمة من رموز تدل على معان

وحقائق معينة فقد حوت الآثار المصرية القديمة الكثير من الكتابات والنقوش التى تشير إلى أن الكتابة المصرية القديمة «صورية» وليست «حرفية» مثل باقى اللغات نجد معظمها يعبر عن الخير والشر والحساب فى الآخرة عبادة الإله الواحد الأحد، وليس ذلك غريباً إذا ما تذكرنا أن الكثير من رسل الله الكرام قد قدموا إلى مصر فى الزمن القديم، هم سادتنا إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وادريس وموسى وعيسى.. وغيرهم عليهم جميعاً الصلاة والسلام وجميعهم جاءوا بالإسلام مصداقاً لقوله تعالى «إن الدين عند الله الإسلام»، ولابد أن كان لهم تبعية مؤمنة مصداقاً لقوله تعالى «وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله» 64 النساء، وما يعنيه ذلك من أداء الشهادة بأنه لا إله إلا الله وأن كل رسول فى وقته هو رسول الله، وإقامة الصلاة بنفس الأركان التى نقيمها اليوم وعلى الدوام والاستمرار «يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين» 183 البقرة، هذا فضلاً عن أداء باقى أركان الإسلام من أداء الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام فى مكة، وهو ما تشهد به الجداريات المصرية القديمة العديدة التى تصور المصرى القديم مرتدياً ملابس الاحرام لتأديته فريضة الحج فضلاً عما تزخر به الآثار المصرية القديمة مما يؤكد إيمانهم بالبعث يوم القيامة.

لذلك كانت الحضارة المصرية القديمة بكل ما صورته من معارف وعلوم إنسانية فى كل المجالات.. فلك وهندسة ومعمار وزراعة وصناعة كيمياء وطب.. إلى غير ذلك من علوم عجزت الحضارة الغربية حتى اليوم عن سبر أغوارها وفك طلاسمها ثمرة لوجود رسل الله الكرام بين المصريين، لأنهم المتحققون باسم الله العليم، من ذلك وصفه تعالى لسيدنا إسحق عليه السلام «وبشرناه بغلام عليم».

ثانياً: سيدنا سليمان يأمر ببناء تماثيل

يوجد فرق كبير بين «الأصنام» و«التماثيل».. فالأصنام هى تلك التى تعبد من دون الله، أما التماثيل فهى تنحت لأغراض أخرى.. فهى مع الجداريات ذات النقوش والكتابات تعكس تاريخ وتراث الأمم وتسجله للأجيال القادمة وهى ليست محرمة بدليل قوله تعالى حين ذكر النعم التى أنعم الله بها على سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام «ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأسلنا له عين القطر، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزع منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير، يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكًرا وقليل من عبادى الشكور» 12 سبأ.

ثالثاً: سيدنا إبراهيم كان يحطم أصناما بشرية

تؤكد الآيات التى تشير إلى قيام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بتحطيم الأصنام أنها كانت أصناما بشرية يتبعها قومه، نحتوا لهم فى قلوبهم مقامات وضعتهم من حيث الطاعة والتسليم فى مصاف الآلهة يسملون لهم أمورهم فى الدين والدنيا تسليمًا أعمى، وبما يصل إلى عبادتهم من دون الله يأتمرون بأمرهم فى كل ما يدعون إليه من ضلالات وأباطيل تخالف كل ما يأمر به الله ورسوله وأبرز هذه الأصنام البشرية فى زمننا الحالى حسن البنا وسيد قطب والمودودى والبغدادى والظواهرى وأسامة بن لادن والزرقاوى.. وغيرهم من أئمة الضلال والفكر المتطرف والإرهاب وزعماء السلفية الذين أمروا أتباعهم بهدم الكنائس، وتسببوا فى اشاعة الفتنة والقتل والتخريب فى جنبات الأمة الإسلامية باسم الدين وارتكبوا أشد الجرام فى حق دينهم وأهلهم وأوطانهم، والاعتداء على كل حرمات المسلمين من أرواح ودماء وأموال وأعراض مخالفين فى ذلك صريح القرآن والأحاديث التى تنهى وتحرم كل ذلك ولا تخفى على أى مسلم، ومما أدى إلى وقوع البلدان الإسلامية فريسة فى أيدى القوى الأجنبية على النحو الذى نراه اليوم فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، وكانوا يريدون أن تمتد الفتنة إلى مصر لكن الله وحده أنقذ كنانته من براثنهم، ومن ثم كان هؤلاء الاتباع فى حكم من يعبدون هذه الأصنام البشرية، ويأتمرون بأمرها مهما خالفت ما يأمر به الله ورسوله.

ومما يؤكد أن سيدنا إبراهيم كان يحطم عن طريق الحجة والاقناع أصناماً بشرية لا أصناماً من الحجارة قوله تعالى يصف طبيعة هذه الأصنام "إنهن أضللن كثيراً من الناس35/36 " إبراهيم، فمن البديهى أن الأصنام المنحوتة من الحجارة لا تستطيع أن تضل أحداً ولو مكث أمامها سنوات، ولكن الذى يمكن أن يضل غيره هو الإنسان الذى يدعو غيره بدعوة الشيطان.

ومما يدل أيضاً على أن حضرته كان يقيم عليهم الحجة البالغة فى بطلان دعاواهم، وأن هذه الاصنام كانت بشرية، أنه ترك أكبر تلك الأصنام ولم يحطمه، كما يقول تعالي: "فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، وقالوا من فعل هذا بآلهتنا انه من الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون"  51الأنبياء، والسؤال الذى يرفض نفسه فى هذا الشأن هو: لماذا ترك سيدنا إبراهيم أكبر تلك الأصنام ولم يحطمه؟ لقد أراد حضرته أن يتبنين للناس افتقاد هذا الصنم الأكبر من الأصنام البشرية إلى الحجة وعجزه عن الدفاع عن دعاواه الباطلة، وتتأكد نفس هذه الحقيقة أيضاً- وأن هذه الاصنام والاوثان تشير إلى بشر يضللون الناس ويفسدون عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم، عندما نرجع إلى قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم "وقال إنما اتخذتهم من دون الله أوثاناً مودة بينكم فى الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار وما لكم من ناصرين" 24 العنكبوت.. فإذا افترضنا أن عابد الوثن من الحجارة يمكن أن يقيم مودة مع هذا الوثن الذى يعبده فى الحياة الدنيا، فكيف يكون بينهما نقاش ومحاورة يوم القيامة، وهو ما تبينه الآية الكريمة "فيكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا"، ان هذا هو الواقع الذى نشهده اليوم بين أئمة الباطل الذين يجتمعون على التكفير والإرهاب واستحلال الحرمات والقتل والهدم والتخريب فى الدنيا، يتوعدهم المولى عز وجل بسوء العذاب فى نار جهنم فى الآخرة.

لذلك يأمر المولى عز وجل أئمة الهدى فى الأمة الإسلامية بمقاتلة دعاة الباطل هؤلاء بالحجة والبرهان الساطع لقتل دعاوى الباطل، فى قوله تعالي "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون"

12 التوبة. وبديهى أن المخاطب فى هذه الآية هم أئمة الإيمان، والقتال المعنى هو قتال الحجة والبرهان وليس القتال المادى وهو ما يتبين من قوله تعالي "لعلهم ينتهون" أى حتى ينتهى أئمة الكفر والضلال عن تضليل وتكفير الناس، وهو نفس المنهج الذى وضعه سيدنا إبراهيم للتصدى للأصنام والاوثان البشرية ومقاتلتها قتال الحجة، لذلك أمر المولى عز وجل المؤمنين على الدوام والاستمرار بالتأسى بسيدنا إبراهيم "لقد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه" 4 الممتحنة.

"طالبان" والسلفيون يخالفون أوامر قرآنية صريحة:

يقول المولى عز وجل مخاطباً المسلمين فى كل زمان ومكان "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم108 " الانعام، حيث تنهى هذه الآية عن سب الكافرين حتى ولو باللفظ، وذلك حتى لا يقوموا رداً على ذلك بالاساءة إلى الله تعالى والاضرار بالمسلمين، ولقد خالفت حركة "طالبان" عام 2001 هذا الأمر الالهى عندما قاموا بتحطيم تماثيل بوذا فى أفغانستان.. فقام البوذيون فى معظم بلدان شرق وجنوب شرق آسيا بإحراق المصاحف فى الشوارع ومهاجمة المساجد ودور العلم وقتل بعض المسلمين، فضلاً عن مهاجمة وسائل الاعلام العالمية للإسلام وتصويره على أنه لا يحترم معتقدات الآخرين، هذا فى حين أن هذه التماثيل لم تكن تمثل أدنى خطر أو فتنة على المسلمين المتواجدين فى هذه البلدان منذ مئات السنين، ولم يكونوا يقتربون منها.

وكما جاء فى القاعدة الشرعية درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة فإن ما قد يراه البعض مصلحة فى هدم تماثيل أصحاب العقائد الأخرى، يجب ألا يترتب عليه مفسدة أكبر منه، كما حدث فى هذه الحادثة التى يتخذها المتطرفون فى مصر أسوة ونموذجاً لهدم التماثيل المصرية القديمة، وإذا كان المسلمون يطلبون من غير المسلمين فى الدول الأخرى احترام الاقليات المسلمة والمحافظة على مساجدهم فلابد لهم أن يحترموا حق غير المسلمين فى اختيار معتقداتهم وعدم المساس بمعابدهم أو مقدساتهم.

لماذا لم يقم الصحابة بهدم التماثيل عند فتح مصر؟

جاء إلى مصر قديماً- كما ذكرنا آنفاً- العديد من رسل الله الكرام، وكانت لديهم تبعيات مؤمنة.. وقد سجل المصريون القدماء تاريخهم هذا فى جداريات وتماثيل فى المعابد والتى تؤكد أنهم كانوا فى معظمهم مسلمين، ولان لنا الاسوة الحسنة فى صحابة رسول الله  الذين شاركوا فى فتح مصر كان أي من حضراتهم الذين جاءوا إلى مصر وشاهدوا هذه التماثيل والجداريات- بما فيها الأهرام وأبو الهول- لم يتعرض لها بأى سوء بل وكتب بعضهم أسماءهم فى أماكن من الأهرام تسجيلاً لهذه الزيارات، وكان من كبار الصحابة الذين جاءوا إلى مصر.. فضلاً عن سيدنا عمرو بن العاص فاتح مصر.. وسادتنا كل من الزبير بن العوام، والمقداد بن الاسود وعبادة بن الصامت وحسان بن ثابت والقعقاع بن عمرو التميمى (الذى وصفه سيدنا أبو بكر بالرجل الجيش ومقامة فى مدينة المنزلة).. وغيرهم ولو كانت التماثيل المصرية تشكل فى نظرهم أصناماً تعبد من دون الله لقاموا بتحطيمها لكنهم لم يفعلوا ذلك، ولأن صحابة رسول الله هم أسوة حسنة لنا مصداقاً للحديث الشريف "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتهم اهتديتم" فإنه يتعين لنا أن نقتدى بهم فى نظرتهم واحترامهم لهذه التماثيل المصرية ولا نقول مقولة الجهلاء المغرضين ولا نسلك مسلكهم.. فى انها أصنام تعبد من دون الله ينبغى تحطيمها.

ولقد كان هذا أيضاً سلوك التابعين وتابعى التابعين على مدار الزمان بل وأيضاً أئمة الفقه الأربعة الذين لم يفت أى منهم بتحطيم التماثيل المصرية القديمة، وهنا يفرض السؤال نفسه: من أين أتى هؤلاء المتطرفون مدعو السلفية بهذه الاحكام بهدم التماثيل المصرية القديمة والتى تخالف ما فعله الصحابة والتابعون؟ لقد استمرت الآثار المصرية القديمة فى مواقعها شاهدة على الحضارة المصرية القديمة منذ آلاف السنين وقد مر بها وشاهدها ملايين البشر من مصريين وغير مصريين.. فلم نشاهد أيا منهم يسجد لأبى الهول أو يتعبد لتمثال رمسيس الثانى أو توت عنخ آمون!!.. ان ذلك لم يحدث على الإطلاق.. فلماذا يتشدق هؤلاء المتطرفون ويتاجرون بالإسلام والحرص عليه ويزعمون كذباً وزوراً أن هذه التماثيل أصنام تفتن الناس فى دينهم ويجب هدمها؟

الرد على الزعم بتحريم التصوير:

تستند الجماعات السلفية والمتطرفة فى تحريمها التصوير إلى الحديث الصحيح لرسول الله: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون»، وهذا الحديث لا يشير إطلاقاً إلى الصور الفوتوغرافية كما يزعم أصحاب هذا الفهم الخاطئ.. وإنما يشير إلى الذين يسيئون المعتقد فى الله سبحانه وتعالى ويصورونه عز وجل فى أى صورة تحمل شبهة التجسيم والتشبيه.. مثل الفرق التى تسمى (المجسمة والمشبهة) والتى تروج لمعتقدات باطلة لليهود وتنكر تأويل الآيات المتشابهة فى القرآن وتقول إن لله يداً وعيناً ووجهاً استناداً إلى الفهم الخاطئ لبعض الآيات المتشابهات التى لا يمكن فهمها إلا من خلال التأويل.. وهؤلاء هم (المصورون) الذين يعنيهم الحديث الشريف وهؤلاء هم الذين يتوعدهم المولى عز وجل بالعذاب الشديد فى الآخرة.

ولقد كان ابن تميمية- إمام السلفيين- من أشهر المروجين لأقوال (المشبهة والمجسمة) وكان ذلك هو السبب الرئيسى لثورة المسلمين فى مصر والشام على ابن تيمية ودخوله السجن لمرات متعددة حتى إنه مات فى سجن القلعة فى دمشق بسبب إصراره على الدعوة والترويج لهذه المعتقدات البطالة عن المولى عز وجل، حيث كان يصر على أقوال المشبهة والمجسمة وترديدها فى خطبة يوم الجمعة، حيث كان يقول من فوق المنبر: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كما أنزل من منبرى هذا، وكان ابن تيمية يكرر هذه الأقوال الفاحشة مراراً وتكراراً حتى أن الرحالة ابن بطوطة قد سجل فى كتاباته أنه سمع هذه الأقوال بنفسه من ابن تيمية عندما زار مسجده فى دمشق، وتتفق الكتب التى وردت عن ابن تيمية - القديم منها والحديث- على حقيقة ترويجه لاقوال المشبهة والمجسمة وإصراره عليها حتى موته.

يتبين من ذلك أنه ليس هناك أية علاقة بين هذا الحديث )أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) وبين التصوير الفوتوغرافى الذى تعرفه البشرية اليوم والذى ساهم وأثمر فى تحقيق أعظم الإنجازات العلمية فى كافة مجالات تكنولوجيا المعلومات والتطبيقات الطبية والصناعية والزراعية والتسليحية وكافة مجالات الحياة العصرية.. ومن ثم لا يمكن لعاقل أن يتصور أن من يتعامل مع الصور الفوتوغرافية وما نشأ عنها من تطبيقات يستحق غضب الله وعذابه يوم القيامة كما يزعم السلفيون أتباع ابن تيمية.

ماذا وراء تحطيم «داعش» للآثار العراقية القديمة؟

إن ما قام به تنظيم «داعش» بالعراق من تحطيم الآثار العراقية القديمة فى متحف الموصل، وتجريف مدينة النمرود وتحطيم تماثيل مدينة الحضر إنما يستهدف الآتي:

أولاً: تزييف وسرقة تاريخ العراق عن طريق محو كل ما يشير للحضارات العربية القديمة حتى لا يبقى للشرق الأوسط إلا ما تحاول إسرائيل ادعاءه من وجود حضارة إسرائيلية مزعومة، حيث تسعى إسرائيل دائماً لتزييف التاريخ ونسبة الحضارة إلى اليهود والزعم بأنهم شاركوا أو صنعوا الحضارات القديمة التى كانت فى هذه المنطقة.

ثانياً: المساهمة فى تمويل العمليات الإرهابية التى تقوم بها «داعش» عن طريق سرقة الآثار ونقلها وبيعها فى الخارج بعد أن تم تجفيف الكثير من مصادر تمويله.

ثالثاً: بث ثقافة الإرهاب والعنف والكراهية وتدمير المكونات الثقافية والحضارية بين أبناء المنطقة والقضاء على أى أيديولوجية تخالف معتقدات اليهود حتى لو كانت تاريخية أو ثقافية حتى لا تقوم فى المنطقة كلها سوى أيديولوجية واحدة قائمة على المعتقدات التى تروج لها «داعش» وسعيها لإعادة كتابة التاريخ بما يخدم أهدافهم بعد تدمير الوثائق والكتب والآثار التاريخية التى تحكى التاريخ الحقيقى لبلدان المنطقة، فضلاً عن نشر الاحاديث الموضوعة والروايات التى تخدم أهدافهم ومعتقداتهم، لذلك شمل التخريب الآثار القديمة ليس فقط فى العراق بواسطة داعش بل أيضاً فى أفغانستان وباكستان بواسطة طالبان، ومالى ونيجيريا بواسطة جماعة بوكوحرام الإرهابية، وهم يسعون إلى أن يمتد التخريب أيضاً إلى الآثار المصرية القديمة ولكن الله تعالى هو الحافظ لكنانته وسيرد سهامهم إلى نحورهم ولا تقتصر أهداف التخريب على الآثار فقط بل تمتد إلى الوثائق والكتب وكافة الآثار التاريخية.

وليس غريبا أن تقع هذه الجرائم ممن توحشوا.. يذبحون المسلمين وغير المسلمين ويستحلون حرماتهم بأبشع مما تأتى به الحيوانات المفترسة، وبما يفتقد لأبسط المعانى الإنسانية، بل ويعبر عن درجة من الجنون التى أصابت هذه الوحوش الآدمية التى لا تضم إلا قتلة محترفين أو مرضى يشبعون رغباتهم فى سفك الدماء البشرية، وتحطيم كل ما هو قائم من مظاهر الحياة، فهؤلاء المجرمون ليسوا أصحاب عقيدة أو دعوة أو فكر يدافعون عنه، وليس لهم أدنى علاقة بالإسلام من قريب ولا من بعيد.

ولعله من المفيد أن نعيد التذكير هنا بأن الفتوحات الإسلامية للعراق عندما تحققت فى زمن سيدنا عمر بن الخطاب على أيدى الصحابة وعلى رأسهم خالد بن الوليد، لم يرتكبوا مثل هذه الجرائم، بل كانوا مثلا يقتدى فى حسن التعامل الإنسانى مع سكان هذه البلاد، والتعامل بكل الرقى الأخلاقى حتى مع أعدائهم، تنفيذا لوصايا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأسيا به فى غزواته.

أهم الاخبار