رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إبراهيم عبدالمعطى يكتب: سعد زغلول فى عين العقاد

حزب الوفد

الأربعاء, 22 أغسطس 2018 18:18
إبراهيم عبدالمعطى يكتب: سعد زغلول فى عين العقاد سعد زغلول

استطاع زعيم الوفد أن يفرض نفسه على المجتمع بصفة بارزة لديه هى «الكرامة الشخصية»

فشل الإنجليز فى إخماد ثورة 1919 وأدركوا أنهم أخطأوا باعتقال سعد وزملائه ونفيهم

أصلح ميناء السويس ومد السكك الحديدية بالوجه البحرى وشرع فى تعميم التعليم الإجباري

 

الكتاب الذى ألفه العقاد عن سعد زغلول، عنوانه: «سعد زغلول: سيرة وتحية»، وهو كتاب ضخم يقع فى 629 صفحة يستعرض فيه حياة سعد زغلول ممهداً لذلك بحديث عن الطبيعة المصرية، ولا ينسى العقاد أن يتحدث عن سعد فى بيته، وعن أخلاقه وثقافته. ويختتم العقاد كتابه الرائع بقصيدة له عنوانها «فاز سعد»، وهى قصيدة تتكون من خمسين بيتًا. وفى الكتاب لا يتوقف العقاد عند سرد المواقف، وإنما يغوص فى أعماق المواقف نفسها، ويبين أسباب الكثير من الأحداث، ويناقش الآراء التى قيلت فيها، ونراه يبحث فى الجانب النفسى لسعد، إذ يحاول أن يقدم التفسير لكثير من مواقف سعد، والدوافع التى جعلته يقدم على ما أتى من أفعال، بل إنه يذكر لماذا لم يفعل ما يخالفها.

 ويحرص العقاد على الرجوع إلى الكثير من المراجع كلما استلزم الأمر، فهو لا يكتفى بالاعتماد على الذاكرة، لذلك نجده فى نهاية الكتاب يقول: «نشرنا الوثائق والأسانيد فى هذا الكتاب كما أذاعتها المصادر الرسمية فى حينها، فليس لنا فيها من عمل غير النقل والاستشهاد (سعد زغلول: سيرة وتحية ـ عباس محمود العقاد ـ مطبعة حجازى القاهرة 1355هـ ـ 1936م ـ ص629). ولأن الكتاب حول سعد فقد أهداه العقاد إلى ذكرى سعد.

وقد حاول العقاد فى كتابه هذا كما ذكر فى التمهيد أن يسير سيرة الصديق والمؤرخ، لكى يجمع الكتاب بين المتعة وذكر الحقيقة، ويمكن أن نقول إن العقاد شاهد صدق على سعد، لأنه أيد سعداً فى بعض المواقف وعارضه فى مواقف أخرى، كما يتضح فى مواضع من الكتاب، وسبب الحرص على التمسك برؤية الصديق والمؤرخ ما ذكره العقاد بقوله: «الصديق والمؤرخ فى الكتابة عن رجل كسعد زغلول يستويان أو يتقاربان، لأن الصديق لن يقول فيه ما ينكره المؤرخ، والمؤرخ لن يقول فيه ما ينكره الصديق. ومن النقص فى جلاء الحقيقة أن يكتب المؤرخ ترجمة لعظيم ثم لا يكون على مودة لذلك العظيم، لأن الترجمة فهم حياة، وفهم الحياة لا يتسق لك بغير عطف ومساجلة شعور، ولأن يكون الكاتب مؤرخاً وصديقاً خير للتاريخ نفسه أن يكون مؤرخاً وكفي، ولاسيما حين تستوى الحقيقة والمجاملة فى ميزان الأعمال والصفات«(ص3).

ومنهج العقاد فى كتابه الالتزام بالصدق ومحاولة قول كل كلمة يمكن أن تقال فى حق سعد، يقول العقاد: «وأنا فى هذه السيرة ـ أو هذه السيرة والتحية ـ قد أنطقت المؤرخ ولم أحاول قط أن أسكت الصديق، لأن الصديق هنا جدير بأن يتكلم، فما أثبت حرفاً فى هذه السطور إلا الذى أعلم أنه صحيح لا شبهة عليه، وما تميل بى الصداقة إلى الإعجاب، بل الاعجاب هو الذى مال بى إلى الصداقة فى الحياة وبعد الممات. وحسبك من إنصاف أنك لا تقول إلا ما يقره العدو فى الجملة، وإن ناقشه فى التفصيل، ولعله لا يناقشه فى التفصيل بدليل قاطع أو برأى جميل»(ص3).

وكما أسلفنا، فإن العقاد كان حريصاً على استجلاء «نفس» سعد والبحث عن دوافعه فى اتخاذ مواقف معينة، هذا إلى جانب ذكر الحقيقة، وهو ما يعبر عنه العقاد بقوله: «وكل ما فى هذا الكتاب من وصف أو ترجمة أو تاريخ فالمقصود به بادئ الأمر هو جلاء الحقيقة عن حياة سعد زغلول أو «نفس» سعد زغلول، فأكبر الحوادث ما لم تكن لها يد فى جلاء الحقيقة عن تلك النفس لا محل لها فى هذا الكتاب، وأصغر الحوادث التى تزيدنا علماً بها ونفاذاً إلى سريرتها لها المحل الأول فيه، وما ذكرناه فيه عن مصر أو عن الجيل أو عن هذا الرجل أو تلك الطائفة فإنما نذكره بمقدار ما نتأدى منه إلى تلك الغاية، ولشرح الحوادث بعد ذلك معرض غير هذا المعرض وسياق غير هذا السياق«(ص3).

وقبل أن يكتب العقاد عن سعد زغلول يضع مقدمة عن «الطبيعة المصرية» يستعرض فيها طبيعة المصريين ممهداً بهذا للحديث عن سعد، وكأنه يريد أن يقول إن سعداً لا يخرج عن طبيعة هذه الشخصية، فهو يرى أن الطبيعة المصرية تمتاز بالوضوح والسهولة، والصفتان لا تظهران فى أمة أخرى أكثر من الأمة المصرية، ورد فى هذه المقدمة على كل الأوهام التى ألصقها الآخرون بالمصريين، ويرجعها العقاد إلى الأمم الناقمة أو الأمم الحاسدة، ويبين من ناحية أخرى حقيقة الطبيعة المصرية، وقد لخص العقاد ما يمكن أن يقال فى الأمة المصرية بقوله: «ولعلنا لا نلخص الأمة المصرية فى كلمة هى أوجز وأصدق وأجمع من وصفها بصفتها الجغرافية التاريخية المتفق عليها، وهى أنها أمة طويلة التاريخ قديمة عهد بالمدنية فى أرض زراعية» (ص،18 19). ومن خصائص هذه الأمة المصرية أنها ذات حضارة مستقرة ومعيشة منتظمة، ولا تلجأ للحرب إلا للضرورة، ولا تطيع حكامها طاعة عمياء، والمصرى محب لأسرته وحريص على استقرار نظام بيته ومحافظ على صلة الرحم وعلى العلاقات الاجتماعية، أما من ناحية الفكر فإن «الذهن المصرى العريق ذهن عملى واقعى سهل المنطق واضح فى نظرته إلى الدنيا وحكمه على الأشياء والناس، شأنه فى ذلك شأن أبناء الأمم الزراعية عامة «(ص27). والمصرى يقدس العمل ويكره الكسل، ويحب المزاح وقول النكتة «أما الغفلة فالمصرى يزدريها ويزدرى من يقع فيها، لأن الحوادث والمظالم قد أحوجته إلى الحيلة وحسن التخلص، واضطرته إلى التصرف بين الناس على حذر وكياسة توافق مصلحته وتليق بأدبه» (ص31).

سعد: الفلاح المصري

كان المدخل إلى شخصية سعد الحديث عن الطبيعة المصرية، ومقصد العقاد من هذا أن يقول لنا إن سعداً ابن هذه الأمة، ولا يخرج عن صفاتها «وهكذا يرسم الرجل صورة للبيئة المصرية والشخصية المصرية كخلفية لازمة للدخول فى قصة رجل كسعد زغلول.. والحقيقة أنه يرسم الصورة بعمقها الكلي، فلا يقدم سعد زغلول خارج إطار أمته، ولا يقدم حياته السياسية وحدها فحسب، إنما يصنع مزيجاً من هذا كله «(ماذا يبقى من العقاد ـ ص،145 146). وفى الحقيقة يرى العقاد أن صفات سعد هى الصفات التى ذكرها فى مقدمته عن المصري، وهذا ما يؤكده حينما يذكر أن «مزايا سعد جميعها كانت مزايا» المصرى القوي «بلا استثناء خصلة من الخصال ولا خلة من الخلال ولا عمل من الأعمال، فهو فى خلائقه العملية وفكاهته الحاضرة واعتداده بالأسرة وكراهته للغفلة وإيمانه بالغيب، مصرى فلاح من طينة المصريين الفلاحين: طبيعته هى طبيعة الفلاح فى صورة واسعة وإطار كبير، وطبيعة الفلاح هى طبيعة سعد فى صورة ضيقة وإطار صغير أو منحرف بعض الانحراف، ولكنهما على نموذج واحد فى الوضع والصناعة» (ص37). وهكذا يرى العقاد أن سعد زغلول فلاح مصرى أصيل بكل ما تمثله هذه الصفة من شروط.

النشأة:

ربما يليق بنا أن ننقل كلمة للعقاد نعبر فيها عن أن سعد زغلول جاء إلى الدنيا فى الوقت المناسب ليؤدى رسالته فى الوقت المطلوب، فهو يقول: «سعد زغلول من عظماء العالم الذين تتجلى توفيقات التاريخ فى بيئتهم ونشأتهم تجليها فى حوادث زمانهم، فهو ابن زمانه فى طفولته وصباه وفتوته وكهولته وهرمه، لم يولد قبل حينه ولم يولد بعده كما يحدث أحياناً فى نشوء بعض العظماء، ولم تكن رسالته متقدمة ولا متأخرة عن الرسالة المطلوبة منه، بل جاء كل عمل من أعماله بتقدير وتدبير، يخيل إلى من يراجعه أنه منقول من برنامج مرسوم» (ص49).

ويلقى العقاد نظرة على النشأة الريفية لسعد ليؤكد أنه فلاح مصري، فقد ولد فى قرية إبيانة، وذكر العقاد أن التاريخ المرجح لولادته هو ذو الحجة سنة 1274 هجرية، الموافق ليوليو سنة 1857 ميلادية، وقد نشأ فى أسرة من الفلاحين، ولم يكن من الفقراء، لكنه أحس شقاءهم. ووالد سعد هو إبراهيم زغلول عميد البلدة ومن أكبر أثريائها، وأمه السيدة مريم بنت الشيخ عبده بركات من الأسر العريقة، ويرى العقاد أن قرية إبيانة لها فضل فى عظمة سعد، حيث يقول: «والبلدة التى ولد فيها ـ ونعنى بها إبيانة ـ بلدة أكبر من القرية الضئيلة وأصغر من المدينة الكبيرة، وأمثال هذه البلدان من أصلح البيئات لنمو العظمة الفطرية، لأنها تعلو على خمول القرية الضئيلة التى تركد فيها الحياة وتضعف فيها الحوافز والمنشطات، ولأنها تنجو من ضجة المدينة العامرة التى تشغل الأذهان بالجلبة والمظاهر الفخمة، فتأخذها الظواهر الخلابة ويضيق فيها مجال الذهن الباطني، فلا يستوفى حظه من النمو والتثقيف والمراجعة المفيدة» (ص53).

وقد توفى والد سعد، وهو فى السادسة من عمره، ووجهه أخوه إلى المكتب لحفظ القرآن الكريم، حتى أتمه فى الحادية عشرة من عمره، وانتقل بين المساجد لدراسة النحو والصرف وأصول التجويد، ثم تم إرساله إلى الجامع الأزهر الشريف، وفى هذا الوقت قدم إلى القاهرة السيد جمال الدين الأفغاني، وكان سعد يذهب إلى داره بخان أبى طاقية للتعلم على يديه مع آخرين، ويروى أنه قال بعد أن رأى السيد جمال الدين لأول مرة «هذا بغيتي»! وأن السيد جمال الدين استكتب تلاميذه موضوعاً عن الحرية، فأجاد سعد فى كتابته إجادة فاق بها أقرانه، وأعجب بها أستاذه، فقال السيد: «مما يدل على أن الحرية ناشئة فى مصر أن يجيد فى الكتابة عنها هذا الناشئ» (ص،62 63).

وعندما تولى الشيخ محمد عبده تحرير صحيفة «الوقائع المصرية» استعان بسعد وعينه محرراً للقسم الأدبى عام 1880، وقد كان محمد عبده أستاذاً لسعد تتلمذ على يديه فى الجامع الأزهر الشريف، وكان يمثل بالنسبة له قدوة فى الخلق.

سعد المحامي:

بعد عمل سعد فى جريدة «الوقائع المصرية» انتقل للعمل فى وظائف أخري، فقد عمل معاوناً بوزارة الداخلية، ثم ناظراً لقلم قضايا الجيزة، ثم قامت الثورة العرابية فاشترك فيها، واعتقل، وفقد وظيفته، ورفض سعد الاعتذار كما فعل آخرون، وحاول أن يعود إلى وظيفته أو يعمل فى وظيفة حكومية غيرها، لكنهم ساوموه ففضل العمل بالمحاماة، ولم يكن للمحامى فى ذلك الوقت قيمة، بل كانت مهنة المحاماة ممتهنة، يقول عنها العقاد: «لم تكن بالصناعة الشريفة التى نعرفها اليوم، وإنما كانت صناعة وضيعة مبتذلة يشتغل بها من لا يحسب «المرافعة» إلا مجالاً للبذاءة وطول اللسان، ومن لا يحسب النجاح فى القضايا إلا ضرباً من الاحتيال و«الشطارة» يغش به القاضى ويغش به الخصم ويغش به الموكل، ويعتمد فيه على الكذب والمراوغة والاختلاس، ولم تكن للمحامى منزلة فى نظر القضاء ولا فى نظر العلية ولا السواد، بل كانت كلمة من القاضى تكفى لفصله، وكان كل رجل «مستور» الحالة يأنف من معاملته، فضلاً عن مزاملته ومصاهرته، وكان اسم المحامى مساوياً لاسم المزور كما قال سعد» (ص71).

إذًا المهمة صعبة على سعد، فلم تكن صفات المحامين فى ذلك الوقت تليق به، ويكفى أنها مهنة تدعو إلى الابتعاد عن صاحبها، ورغم ذلك استطاع سعد بأخلاقه وشخصيته القوية أن يفرض نفسه على المجتمع بصفة بارزة لديه هى «الكرامة الشخصية»، وبدلاً من أن يبتعد الناس عنه تقربوا إليه، وصار صديقاً للأمراء والأميرات، وكما قال العقاد: «لم تهبط صناعة المحاماة بسعد زغلول كما كان يخشي، بل كان سعد زغلول هو الذى ارتفع بصناعة المحاماة، وهى معجزة خارقة لما اعتاده الناس، ولكنه لم يتكلف لها إلا ما تعود من عادة الجد والأمانة والعزة، أو من طبيعة الجد والأمانة والعزة التى طبع عليها» (ص،73 74). لقد فرض سعد زغلول أخلاقه على هذه المهنة فلم يدافع عن الباطل، ولم يرفض أن يدافع عن حق أبداً، ويدرس القضايا التى يتولاها دراسة جيدة، ولا يترك فرصة لأحد أن يستدرك عليه شيئاً فى عمله، وكان ينتهز أى فرصة للصلح، ويرد لموكله مقدم أتعابه، وبسبب هذه الأخلاق اشتهر سعد فى القطر كله، وكان معنى توليه قضية معينة أن يكسبها، لذلك حرص المتقاضون على أن يكون سعد معهم لا عليهم وهكذا ارتقى سعد بمهنة المحاماة بعد أن كانت محتقرة، وكما أعطى لها أعطت له، والجانب الواضح فى إفادتها له هو ارتباطها بصفة الزعامة، كما ذكر العقاد: «لا نعرف لزعامة سعد طريقاً أقرب إليها وأشبه بها من المحاماة، لأنها مجال كل مزية كبيرة فى طبعه وفكره ولسانه: هى هيأت له وسائل النمو على منبته وفوق جذوره، وهى التى أتاحت له فرصة طويلة لتفتيق ذهنه وتجويد ملكاته، وهى شحذت فيه بديهة المنطق وقريحة البيان، وصانت قدرة الخطابة فيه عن التعطل والركود، ولم تحرمه تلك الفضيلة الأصيلة التى ورثها عن آل أبيه وآل أمه، وهى فضيلة النجدة والدفاع عن المظلوم» (ص77).

ولأن سعد زغلول أخذ نفسه بالجد جاءته وظيفة «نائب قاض» بمحكمة الاستئناف عام 1892، وكانت هذه أول مرة يتولى فيه محام القضاء، وأثناء عمله قاضياً اجتهد ودرس ليحصل على إجازة الحقوق، وكان ذلك نتيجة أنه أبدى رأياً فى إحدى القضايا الفقهية أمام رئيس جلسة إنجليزي، فتطاول عليه الرجل وأخبره أن هذا الرأى جدير بمن درسوا العلوم التشريعية وحصلوا على الإجازات، وقد علق العقاد على هذا مبيناً همة سعد ونفسه الأبية، حيث قال: «ومن ثم تتجلى لنا البواعث الكبرى فى نفس سعد إلى العمل فى كل ميدان، لا فى القضاء وحده، ولا فى المحاماة وحدها، وهى العزة والكرامة وفرض هذه الكرامة على المكابرين والمتعنتين كلما وجب أن تفرض، وفى هذا السبيل يهون المال، ويهون العناء، ويهون كل شيء» (ص82).

سعد وزير المعارف:

أراد اللورد كرومر عام 1906 أن يجمل وجه الاحتلال البريطانى وينفى عنه تهمة إهمال التعليم عمداً وحرمان الشباب المصرى من التربية الصالحة والتثقيف النافع، وكان من نتيجة هذا تعيين سعد زغلول وزيراً للمعارف. يقدم العقاد الأسباب التى أهلته لاستحقاق هذا المنصب، حيث يقول: «وقد كان منصبه يرشحه للوزارة بغير محاباة بعد أن أصبح فى طليعة المستشارين بمحكمة الاستئناف، تضاف إلى ذلك مزاياه الشخصية، وتقدمه بين شيعة الشيخ محمد عبده إمام المصلحين، وتاريخه الماضى فى الحركة الوطنية، وانتقاده سياسة التعليم قبل عرض الوزارة عليه، والرغبة فى ترشيح وزير من عنصر الفلاحين يكون انتقاؤه ترضية متفقاً عليها للنهضة الوطنية، فكل أولئك يخصصه ويكاد يسميه تسمية ولا يجعل له مزاحماً واحداً بين زملائه، عند البحث عن الوزير الذى يفتتح بوزارته عهد السياسة الجديدة» (ص101،100).

لم يجد سعد الطريق سهلاً فى وزارة المعارف، فلم يكن النفوذ قبله للوزير، وإنما كان للمستشار الإنجليزى وأعوانه من الإنجليز والفرنسيين، وعدد من المصريين الذين يمنحونه الولاء، إضافة إلى أن بعض المصريين فى الوزارة كانوا يرون أنفسهم أحق بمنصب الوزير من قاض لم يعمل فى سلك التعليم من قبل، وحاول الموظفون الإنجليز أن يضعوا العراقيل أمام سعد، وبذلوا فى هذا كل ما فى وسعهم، وأكثر من هذا أن زملاء سعد من الوزراء كانوا خاملين، وكان يضيرهم أن يكون هناك زميل لهم نشيط ومتمرد يكشف ضعفهم. ولم يستغرق سعد وقتاً طويلاً لكى يكون كل شيء بين يديه، فهذا الأمر لم يستغرق إلا أسبوعين فقط، وأصبح من المحتم أن كل ورقة فى الوزارة «تعرض على الوزير، وكل أمر من أمورها

يظل معلقاً حتى يؤخذ فيه رأى الوزير، وكل موظف يعلم أن عهداً انتهى وعهداً بدأ، وأن الوزير هو رئيس الديوان، وأن المستشار مستشار يقول ما يعن له والرأى الأعلى فى قوله لرئيسه» (ص109). فقد كان الوزير سعد يصدر الأمر للموظف، ولم يكن هناك مفر من شيئين، إما الطاعة وإما العقاب، وذلك من خلال أحكام القانون وما تتيحه للوزير» وكثيراً ما اعتمد فى العقوبة ما يهون ضرره ويشتد ألمه وتشيع العبرة به فى وقته، كالنقل أو تغيير العمل تغييراً يفيد معنى التأخير والغض من المكانة، ولا يمتد أذاه إلى الرزق والمعيشة» (ص109). وقد استطاع سعد أن يواصل مسيرته فى الوزارة بحسن التصرف وقوة الحجة والهيبة والدراية والشجاعة والقدرة.

وقد ترك سعد فى الوزارة الكثير من الإنجازات، فقد أعان الجامعة المصرية، واستأنف إرسال البعثات إلى أوروبا، وأشرف على اختيار الطلاب بنفسه مشترطاً فيهم النجابة والأخلاق والذكاء والكفاءة. وقد حارب سعد الأمية بالإكثار من إنشاء المكاتب «الكتاتيب» فى القرى الصغيرة، مع زيادة دعمها، وعمل على زيادة عدد المدارس التى يتخرج فيها معلمو المكاتب، وشجع على إنشائها، وأنشأ أقساماً ليلية لتعليم الكبار ممن جاوزوا سن التعليم فى المكاتب والمدارس. وقد أغضب سعد الإنجليز بتحويل التعليم من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. وعندما أنشأ سعد مدرسة القضاء الشرعى تعرض لغضب الخديو ومجموعة من شيوخ الأزهر، فقد كان هؤلاء الشيوخ يريدون أن تكون مناصب القضاء الشرعى والمحاماة الشرعية لهم وحدهم، أما الخديو فقد كان يريد أن يظل الأزهر فى قبضته، أما سعد فقد وضع أمام عينيه أحد شيئين: إما مدرسة القضاء، أو الاستقالة، وتم بالفعل إنشاء مدرسة القضاء. وهيأ سعد للمصريين تولى الوظائف فى التفتيش والإدارة، وأتاح لعدد منهم أن يكونوا وكلاء للمدارس الثانوية، ليرقوا بعد ذلك نظاراً للمدارس، بعد أن كانت هذه الوظيفة للإنجليز دون غيرهم إلا فى حالات قليلة. ولا شك أن ما فعله سعد فى الوزارة كان مرتبطاً بالزعامة، فقد حقق أشياء كان لها أثرها على جموع الموظفين، إذ حققت لهم استقلال الشخصية المصرية والإحساس بالوطنية، وإليك ما ذكره العقاد فى هذا السبيل: «وإذا ذكرنا أن سعداً كان أول وزير مصرى تحدث إلى الصحف، وأول وزير مصرى خرج من ديوانه للطواف فى الأقاليم، وأول وزير أبطل التحية العسكرية التى كان يقابل بها الوزراء على أبواب الدواوين، وأول وزير مصرى قرر إقفال المدارس للاحتفال برأس السنة الهجرية، علمنا أنه أفاد التربية الوطنية حقاً بالقدوة الشخصية كما أفادها بالخطط والأعمال، فإن لكل عمل خطير بداية صغيرة، وإن لبعض المراسم أثراً فى تبديل العادات الشعبية والإيحاء إلى الضمائر لا يقل عن أثر الدساتير المكتوبة والحقوق المكسوبة، ولا شك أن اتصال سعد بالرأى العام كان أول اعتراف بسلطة الأمة وحق الرأى العام فى الرقابة على الحكومة، وأن خطوته الأولى التى خطاها فى إثبات وجود الوزير وإخلاء الوظائف الكبيرة لأبناء البلاد كانت بداية استقلال الموظف المصرى فى جميع الوزارات» (ص123).

سعد وزير الحقانية:

بعد مقتل بطرس غالى باشا رئيس الوزارة عام ،1910 تم اختيار محمد سعيد باشا ليكون رئيساً للوزارة الجديدة، وتولى سعد فى الوزارة الجديدة وزارة الحقانية، وكانت إحدى وزارات الدرجة الأولى الثلاث، وهي: وزارة الداخلية ووزارة المالية ووزارة الحقانية، ولم يكن اختيار سعد لهذه الوزارة رضاء عنه، وإنما كما ذكر العقاد: «كان الغرض من إسناد الحقانية إلى سعد تقييده واتقاء صدماته، لأن الحقانية هى وزارة التشريع والقضاء، والتشريع كما لا يخفى من عمل مجلس الوزراء كله لا من عمل وزير الحقانية وحده، والقضاء عمل تتولاه المحاكم ولا دخل فيه للوزير إلا الرقابة من بعيد، فوجود سعد فى هذا المنصب هو أسلم الحلول فى تلك الحالة: أسلم من رئاسته للوزارة، وأسلم من خروجه، وأسلم من بقائه فى وزارة المعارف العمومية» (ص124). لكن سعد زغلول ليس الرجل الذى تقيده الأشياء، فهو رجل مرن، ويحسب الأمور جيداً، وله مقاصد ثلاثة هي: الكرامة والإصلاح وإنصاف المظلومين. وقد حرص سعد على كرامة القضاة فمنع إرسال الخطابات التى تحمل تنبيهاً للقضاة على أخطائهم حتى لا يتعرض القاضى للإهانة، وكانت تبحث أخطاء القضاة لجنة المراقبة من خلال اطلاعها على تقرير المفتش الذى يراجع الأحكام ويعقب عليها، ورأى سعد أن يستدعى القاضى إلى مكتبه ليستمع إلى دفاعه بعيداً عن الإهانة على مشهد من المرؤوسين، فإن أقنع القاضى سعداً أعطاه الحق، وإن لم يقنعه وجه إليه اللوم الشفاهى الذى يكون وقعه أبلغ من الخطابات التى كانت ترسل إلى القضاة ويطلع المرؤوسون على ما فيها من إهانة للقضاة، وبهذا حفظ سعد للقضاة كرامتهم» واهتم سعد بكرامة المحامين كما اهتم بكرامة القضاة، فأسس لهم نقابة تحميهم وتصون حقوقهم، وتجمعهم إلى هيئة واحدة يناط بها الدفاع عن سمعتهم وشرف صناعتهم، ويشترك أناس منها فى محاكمتهم ومحاسبتهم، بعد أن كان أمرهم موكولاً فى جميع ذلك إلى غيرهم، وكانوا لا يملكون لأنفسهم نصفة من قاض أو رئيس يعتدى عليهم، وفارق الوزارة وهذه النقابة على وشك التمام» (ص127). وحرص سعد على إنصاف القصر والمحجور عليهم من طغيان القيمين والأوصياء.

تأليف الوفد المصري:

فى عام 1913 صدر القانون النظامى بإنشاء الجمعية التشريعية لكى تساهم فى تحسين الأسلوب التشريعى وتستفيد الحكومة من آرائها ومقترحاتها فيما يتعلق بإدارة الشئون الداخلية، ودخل سعد غمار انتخابات هذه الجمعية، وكان سعد فى الصف المعارض للحكومة، وفاز سعد بالأغلبية، حيث حصل على 65 صوتاً، وذهبت أصوات 15 عضواً إلى خمسة من المرشحين، واستمرت الجمعية خمسة أشهر من يناير سنة 1914 إلى شهر يونيه من نفس السنة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى فكر الناس فى ضرورة أن تطالب مصر بحقها فى الحرية والعدل والديمقراطية وإلغاء الحماية. وكان من الواجب أن تكون هناك هيئة تقوم برفع هذه المطالب نيابة عن الأمة «لقد كانت الجمعية التشريعية قائمة يومئذ لم تلغ ولم تسقط صفة النيابة عن أعضائها، فاتجهت النية إلى اختيار الهيئة التى تتولى الكلام باسم الأمة من بين أعضاء الجمعية التشريعية، أو اختيار هيئة يزكيها هؤلاء الأعضاء ويخولونها صفة الوكالة العامة، وفى هذا فكر سعد وأصحابه إلى ما قبل الهدنة بأيام قليلة» (ص192). وقد كان الأمير عمر طوسون يفكر أيضاً فى تكوين طائفة من المصريين تطالب بحقوق مصر فى مؤتمر الصلح، والتقى سعد والأمير طوسون على نفس الفكرة، وسعى الأمير إلى سعد لكى يشترك الفريقان فى هيئة واحدة، لكن السلطان فؤاد لم يكن يريد لأعضاء البيت المالك أن يقعوا فى مآزق سياسية، فاستدعى الأمير طوسون الذى أطاع أمره، ورأى سعد وأصحابه أن ينتخبوا فى هذه الهيئة بعض أنصار الأمير. وقد جاء فى المادة الأولى من قانون الوفد: «تألف وفد باسم الوفد المصرى من حضرات سعد زغلول باشا وعلى شعراوى باشا وعبدالعزيز فهمى بك ومحمد على بك وعبداللطيف المكباتى بك ومحمد محمود باشا وأحمد لطفى السيد بك وإسماعيل صدقى باشا وسينوت حنا بك وحمد الباسل باشا وجورج خياط بك ومحمود أبوالنصر بك ومصطفى النحاس بك والدكتور حافظ عفيفى بك»، وجاء فى المادة الثانية: «مهمة هذا الوفد هى السعى بالطرق السلمية المشروعة حيثما وجدوا للسعى سبيلاً فى استقلال مصر استقلالاً تاماً»، وفى المادة الثالثة: «الوفد يستمد قوته من رغبة أهالى مصر التى يعبرون عنها رأساً أو بواسطة مندوبيهم بالهيئات النيابية» وفى المادة الخامسة: «لا يسوغ للوفد أن يتصرف فى المهمة التى انتدب لها، فليس للوفد ولا لأحد من أعضائه أن يخرج فى طلباته عن حدود الوكالة التى يستمد منها قوته، وهى استقلال مصر استقلالاً تاماً وما يتبع ذلك من التفاصيل»، وفى المادة الأخيرة: «يعين الوفد لجنة تسمى باللجنة المركزية لجمع التبرعات ومراسلة الوفد بما يهم من شئونه».

بعد إعلان الهدنة توجه سعد زغلول وعلى شعراوى باشا وعبدالعزيز فهمى بك إلى السير ريجنالد ونجت المعتمد البريطانى لعرض مطالب الأمة المصرية، وفوجئ بسماع كلمة «الاستقلال» منهم، وأخبرهم بأنه لا يعرف شيئاً عن أفكار حكومته، فطلبوا السفر إلى لندن لمعرفة أفكار الحكومة البريطانية وعرض أفكار الأمة المصرية، وبعثوا بهذا خطاباً إلى رئاسة الجيش الإنجليزي، فجاء الرد بإرجاء الإذن، وظل الوفد يطالب بالسفر لكنه لم يجب إلى طلبه، فعمل الوفد على «إشهار الاحتجاج فى مصر كلما سنحت فرصة القول والخطابة فى مجتمع من المجتمعات، ومخاطبة الدول الأجنبية عن طريق وكلائها أو عن طريق الرسائل البرقية والبريدية إلى رؤسائها وكبرائها، وهى على ذلك ليست بالوسائل الميسورة إلا على قدر محدود فى المناسبات المتباعدة، لاشتداد الرقابة على الصحف وعلى المراسلات والمجتمعات، والحجر على الصحافة أن تنشر خبراً عن الوفد وحركاته حتى الخبر بتأليفه أو الإشارة إلى اسمه وغرضه» (ص205). ومنذ أوائل ديسمبر عام 1918 أرسل الوفد احتجاجات ونداءات إلى رئيس الوزارة البريطانية ووكلاء الدول فى القاهرة والرئيس الأمريكى ويلسون وكليمنصو رئيس مؤتمر السلام ورئيس مجلس النواب فى إنجلترا.

ذهب القاضى الإنجليزى مستر برسيفال لإلقاء محاضرة فى نادى «جماعة الاقتصاد والإحصاء والتشريع»، وكانت ضمن محاضرات الهدف منها تخليد الحماية على مصر وإبدال القوانين الإنجليزية بالقوانين المصرية، وفى نفس الوقت كانت القيادة العسكرية تمنع كل اجتماع وطنى يصلها خبره، وذهب سعد إلى هذه المحاضرة، وبعد أن انتهى مستر برسيفال من كلمته أسرع سعد إلى المنبر، فقال كلمة بدأها بقوله: «إن أمتنا المصرية ليست من قبيل الأقوام الهمج الذين ليست لهم شرائع مقررة، وأيما بلد كبلدنا له حياة عريقة فى القوانين والشرائع فمن الخطر أن يعمد إلى تغيير كلى فى شرعه دون أن تدعو الضرورة لذلك أو تهدى إليه التجربة والاختبار» (ص211). وقد وقعت كلمة سعد على الحاضرين وقع المفاجأة «لأنهم حضروا ليستمعوا إلى خطبة فى تسجيل الحماية لا إلى خطبة فى إنكار الحماية وإعلان بطلانها» (ص212).

يقول العقاد: «ترى ماذا يصنعون بالرجل الذى قام بين أساطين الاحتلال لينكر نظام الحكم فى وجه ممثليه؟ ماذا يصنعون به والبلاد لاتزال فى قبضة القيادة العسكرية؟ والقيادة العسكرية تملؤها خيلاء النصر والثقة العمياء بتوطيد آثاره؟ أيعتقلونه؟ أيتركونه؟ أمست الدوائر العليا وهذا التساؤل حديثها، وتسايرت الروايات فى أنحاء القطر بأخبار الخطبة، فكان الناس يتناسخون ما يصل إليهم منها، ويضمونه إلى ما تلقفوه من الخطب والنداءات قبلها. ويزدادون حرصاً على اقتنائه كلما ازداد الحرص على منعه. وقد كانوا يستهولون هذه الصيحات فى وجه الحماية على قدر ما كان يهولهم من طغيان القوة العسكرية وسهولة النفى والحجر والاعتقال والتعرض للمتاعب والأخطار لأيسر شبهة». (ص212). وهكذا وصلت الأمور إلى درجة شديدة من الحرج، وقد كان هناك حرج من نوع آخر عندما طلب حسين رشدى باشا رئيس الوزارة السفر إلى لندن فرفض طلبه فقدم استقالته والوزير عدلى باشا، وفى النهاية تمت الموافقة على سفرهما مع رفض سفر الوفد أو بعض رجاله «فحار رشدى باشا فيما يصنع: إن سافر إلى لندن لتنظيم الحماية والوفد باق فى مصر يطلب الاستقلال ولا يقنع بما دونه فليس لمسعاه عند الحكومة البريطانية مصير غير الفشل المحتوم، وإن غير طلبه الأول وارتقى إلى طلب الاستقلال بعد تصريحاته الحديثة والقديمة بحمد الحماية والقنوع بتنظيمها فليس له أمل فى النجاح، فتشبث بسفر الوفد معه، واتخذ من رفض سفره ذريعة إلى التنحى والاعتزال» (ص،214 215).

النفى إلى مالطة:

بعد استقالة وزارة رشدى تأزمت الأوضاع، فإذا تألفت وزارة جديدة فمعنى هذا أنها ترفض سفر الوفد وتقبل عدم الحديث عن الاستقلال، ورأى سعد أنه لابد من إحباط الوزارة المنظورة أو حدوث قارعة، فأبلغ معتمدى الدول احتجاجه على الأوضاع السائدة وألقى بالمسئولية على الإنجليز، وكتب هو وزملاؤه عريضة إلى السلطات يطلبون فيها عدم تأليف الوزارة الجديدة، لأن الشعب لن يتنازل عن الاستقلال، وإزاء هذا الوضع لم يكن أمام القيادة العسكرية الإنجليزية إلا «اعتقال الطالبين (بعدم تأليف الوزارة الجديدة) أو اعتقال ذوى النفوذ منهم وكفهم عن مواصلة العمل لإحباط قيام الوزارات، وهذه هى «القارعة» التى كان يتمناها سعد لإبلاغ صوت مصر إلى أسماع العالم كله، مادام الإنجليز قد بيتوا أمرهم على خنق هذا الصوت وراء السدود والأغلاق» (ص217)، وبالفعل أرسل السير ملن شيتهام إلى حكومته طالباً نفى سعد إلى جزيرة مالطة، وتم قبول طلبه. وأراد الإنجليز أن يعتقلوا سعداً أو يحاكمونه بسبب شيء غير التمرد على الأحكام العسكرية وإحباط تأليف الوزارة، فطلبوا من السلطان أن يصرح بعصيان سعد وأصحابه وخروجهم على واجب الولاء لعرشه، فرفض أن يجيبهم إلى طلبهم، فلم يجدوا أمامهم إلا أن يبلغوا إنذاراً إلى سعد وأصحابه بعدم وضع مسألة الحماية البريطانية على مصر موضع المناقشة »فى اللحظة التى فرغ فيها القائد العام من تهديده، طلب سعد نسخة من الإنذار للرد عليه، ولم تنقض إلا ساعات قلائل ـ وهى المدة الكافية لكتابة الرد وترجمته ـ حتى كان جوابه على الإنذار عند رئيس الوزارة البريطانية، يبلغه فيه أن الوفد يطلب الاستقلال التام ويرى الحماية غير مشروعة، ولا يتأخر عن أداء واجبه مهما كلفه ذلك، ويلقى التبعة فى بقاء البلاد بلا وزارة «على الذين وضعوا من هم أهل للوزارة فى مركز حرج أمام ضمائرهم وأمام مواطنيهم» (ص220).

وتم اعتقال سعد ومعه إسماعيل صدقى باشا ومحمد محمود باشا وحمد الباسل باشا، وتم نفيهم إلى جزيرة مالطة، ولم يعرفوا بوجهتهم إلا بعد خروجهم من ميناء بورسعيد، وسرى خبر الاعتقال ببطء فانطلقت الثورة «ثورة 1919» فى مصر كلها، ولم يعلم سعد وأصحابه بالثورة إلا عندما زارهم اللورد مثوين حاكم الجزيرة، وقال لهم: «أشعلتم النار فى مصر وجئتم إلى هنا» فشعروا بأن هناك شيئاً خطيراً فى مصر «وأدركوا أنها الثورة حين استطاع طاهيهم الألمانى أن يدس إليهم بعض القصاصات من صحيفة التايمز، عرفوا منها قبساً من مظاهرات الطلبة وثورة البدو فى الفيوم، ولكنهم لم يسمعوا بما يدلهم على مداها وتفصيلات وقائعها» (ص،241 242). ورأت القيادة العسكرية أنها اخطأت باعتقال سعد وزملائه ونفيهم، لأن هذا أدى إلى اشتعال الثورة العارمة، وباءت كل محاولات إخماد الثورة والاضطرابات بالفشل ولم يكن أمام الإنجليز من حل إلا إطلاق سراح سعد وزملائه ومنحهم الحرية فى السفر إلى أى مكان.

المعركة فى أوروبا:

ذهب الوفد إلى باريس حيث مؤتمر الصلح، واستطاع الوفد أن يقابل عدداً من رجال المؤتمر وأعضاء وفوده وكبار موظفيه، والتقى بالساسة والكتاب والصحفيين الأوروبيين والأمريكيين «يشرح لهم الحوادث التى كانت تهملها الصحف ويريهم صور المظاهرات التى اشترك فيها السيدات ورجال الجيش، وظهرت فيها الأعلام وعليها الصليب إلى جانب الهلال، ويذكر لهم ما استفاده الحلفاء من أموال مصر ورجالها مما كانوا يجهلونه ولا يعرفون خبراً عنه» (ص274). واستطاع الوفد إقناع بعض مشاهير الكتاب فكتبوا عن قضية مصر، ومد الوفد نشاطه إلى الولايات المتحدة، من خلال الدعاية، فاهتم بالقضية المصرية ذوو النفوذ من الشيوخ الأمريكيين ورجال الصحافة، وكان للدعاية المصرية فى أمريكا أثرها فى إزعاج السفارة البريطانية هناك، إلا أن الدعاية المصرية كانت فى ازدياد. وفعل الوفد نفس الأمر وإن كان بصورة أقل فى باريس.

وجاءت لجنة ملنر إلى مصر وقوبلت بمقاطعة من جميع المصريين، ونشرت اللجنة بياناً ذكرت فيه أنها جاءت للتوفيق بين أمانى الأمة المصرية والمصالح الخاصة لبريطانيا فى مصر، وأرسل سعد زغلول بلاغاً نشر فى مصر عقب نشر بيان اللجنة جاء فيه: «يحاول الأقوياء بجميع الوسائل أن يأخذوا منكم رضاء بحمايتهم ليزدادوا قوة ويزيدوكم ضعفاً، فلا تنخدعوا إذا وعدوكم ولا تخافوا إذا هددوكم، واثبتوا على التمسك بحقكم فى الاستقلال التام، فهو أمضى سلاح فى أيديكم وأقوى حجة لكم، فإن لم تفعلوا ـ وليس فى قوة إيمانكم الوطنى ما يجعل احتمالاً لذلك ـ خذلتم نصراءكم وأهنتم شهداءكم وحقرتم ماضيكم وأنكرتم حاضركم ومددتم للرق أعناقكم وحنيتم للذل ظهوركم وأنزلتم بأمتكم ذلاً لا يرفع منه عز، وإن تفعلوا ـ كما هو أكبر فى عظيم إخلاصكم ومتين اتحادكم وقوة وطنيتكم ـ فقد استبقيتم لأنفسكم قوة الحق وأعددتم لنصرتكم قوة العدل، فلا تذلوا وإن قهرتم، ولا تخشوا وإن ظلمتم، ولابد من يوم يعلو فيه حقكم على باطل غيركم، وينتصر فيه عدل الله على ظلم خصومكم، وتتحقق بإذن الإله القدير آمالى وآمالكم فى الاستقلال التام» (ص،290 291). وصدرت بعد ذلك البيانات من أهل الرأى وذوى الشأن، فكادت لجنة ملنر تفقد الأمل، وعاد ملنر من القاهرة ولم يجد حلاً أمامه إلا مفاوضة الوفد، وقد قبل سعد المفاوضة، وبرر العقاد هذا الموقف بقوله: «وهو لو رفض المفاوضة مكتفياً بنشر الدعوة بين الشعوب الأوروبية لم يعدم هنالك من يلقى عليه اللوم ويبرئ بريطانيا العظمى من التهمة، لأنها مهدت له سبيل التفاهم والمناقشة الحرة فأعرض هو عنها وأشفق على نفسه وعلى أمته من مناقشتها ومساجلتها، وفى وسعه أن يعود إلى نشر الدعوة متى احتاج إليها يوم ينجلى سوء النية من جانب السياسة البريطانية، وينجلى عذر المصريين فى رفض مفاوضتها بعد الاستجابة إليها» (ص209). ودارت المناقشات بين الطرفين المصرى والبريطاني، وقدم كل طرف مذكراته، لكن مشروع لجنة ملنر لم يخرج عن الحماية ولم يكن فيه تقارب مع المطالب المصرية، بعكس الوفد الذى كان يسعى إلى التوفيق بين حقوق الاستقلال ومصالح بريطانيا فى مصر، ولم يحدث التقارب بين الطرفين.

عودة سعد:

عاد سعد زغلول إلى مصر لكى يكون فى قلب الأحداث، وكانت عودته فى الرابع من ابريل عام 1921. ويصور العقاد الحفاوة الضخمة للمصريين بالزعيم، والتى امتدت من الإسكندرية حيث وصل إلى العاصمة المصرية، فالكل يهتف باسمه والأناشيد تترنم بذكره، وقبل وصوله بأسبوع بدأت الوفود تزحف إلى الإسكندرية استعداداً لاستقباله، وامتلأت الفنادق عن آخرها، وأجر الناس البيوت، وتسابق الناس إلى تأجير الشرفات المطلة على الطريق، وقد استغل الأهالى هذا الوضع فغالوا فى الإيجار، وعندما استقل سعد القطار من الإسكندرية إلى القاهرة كانت الجماهير تعمل على إيقاف القطار فى غير مواضع الوقوف حفاوة بسعد، وفى القاهرة ازدحم الطريق ما بين باب الحديد إلى بيت الأمة، وهناك من تسلق الأشجار والأسوار، ومرت سيارة سعد ببطء بين الجماهير المحتشدة، وهو واقف يحييهم والدموع تتساقط من عينيه، وفى الفترة من وصول سعد إلى الإسكندرية والقاهرة لم تحدث فيهما ولا فى الطريق بينهما جريمة واحدة، فالناس كلها لم تنشغل إلا بزعيمها سعد، ويعلل العقاد سبب خروج الجماهير بهذه الصورة الحاشدة مبيناً تقديرها للزعيم، حيث يقول: «فلم يخرج الشعب لفرجة ولا كان ذلك الرجل الماثل أمام عينيه موضوع تلك الفرجة، ولكنها قوة أحسها الشعب فانبعث بها إلى حيث تتلاقى أفواجه وتتزخر أمواجه، وذلك الرجل هو عنوان تلك القوة أو لسان تلك القوة أو مناط الأمل المرجو من تلك القوة، وإذا وجدت الشعوب نفوسها واهتدت إلى سريرتها فإنما تجدها وتهتدى إليها فى لحظة من لحظات النشوة الوطنية كتلك اللحظة التى استثارها فيها حب الزعيم والشوق إلى مرآه، فزعامة سعد حقيقة لا طلاء، وتأييد الشعب لتلك الزعامة حقيقة لا طلاء. وأين يكون الزيف والبهرج فى ذلك الشعور المتجاوب الذى التقت فيه قوة الشعب وقوة الزعيم؟ ومتى يكون اجتماع الجماهير معدناً قويماً لا بهرجة فيه إن لم يكن ذاك الاجتماع الذى أنشأته الطبيعة من قرارتها وأخلته من كل اصطناع يعيبه؟ للشعوب لاشك ساعة إشراق تنكشف لها فيها أغوارها وما طرأ عليها من جديد أطوارها، كإشراق الصوفى فى يقظة الروح وإشراق الطفل فى يقظة الشباب، وذلك الاجتماع ولا شك كان من خير يقظات الإشراق فى الشعوب» (ص355).

النفى إلى سيشل:

يرجع العقاد أسباب غيظ المندوبين البريطانيين من سعد إلى أسباب شخصية لا تتعلق بالسياسة العامة، فهم يشعرون دائماً بالاستعلاء على أبناء البلاد الشرقية، وهم ينظرون إلى الوزراء والكبراء على أنهم طلاب وظائف، ويشعر هؤلاء المندوبون أن الأنظار يجب أن تتجه إليهم وأنهم القبلة، ولم يكونوا يتوقعون أن يعاملهم أحد معاملة الند بالند، وهذا ما كان يفعله معهم سعد زغلول، لذلك عدوا هذا شذوذاً منه، وشعروا بأنه عبء عليهم، ويشير العقاد إلى أن «أكثر ما كان ينقمه المندوبون البريطان على سعد إنما هو هذا «الشذوذ» عما ألفوه بين طبقة الوزراء والكبراء، فاللورد كتشنر كان يمتعض من طريقة سعد فى مخاطبته ويستكثر منه أن يضع رجلاً على رجل وهو جالس فى حضرته، واللورد اللنبى كان لا يفهم كيف يرجع سعد من أوروبا دون أن يزوره فى دار الحماية، وقد أرسل إليه من ينبهه إلى هذه «الهفوة» من طرف خفى وهو يذكره بتخلفه عن زيارة القصر السلطانى بعد رجوعه.. فقال سعد لرسوله: «لك أن تبلغ اللورد إذا شئت أننى أعلم واجباتى نحو القصر، وإننى إن فاتنى شيء منها لا أحب أن أتعلمه من دار الحماية»، فكانت هذه «الهفوة» بعد «هفوة» الإحجام عن الزيارة فوق ما تتسع له صدور الغفران» (ص380). وهذه هى بعض الأسباب التى أدت إلى تفكير اللورد اللنبى فى نفى سعد، ورأى اللورد اللنبى ضرورة اختلاق مناسبة تكون مبرراً لنفيه، فكتب إليه أمراً بألا يخطب فى الناس ولا يشهد اجتماعاً عمومياً، ولا يستقبل الوفود أو يكتب فى الصحف أو يعمل بالسياسة، وأن ينتقل للإقامة فى الريف تحت رقابة المدير، وكان من الطبيعى أن يكون رد سعد سريعاً على هذا الأمر، وقد حمل الرد الذى تم بعد ساعات احتجاجاً على الأمر وإبلاغاً للورد اللنبى بأن سعداً يستمد سلطته من الأمة التى هو موكل من قبلها، وأيقن سعد أن هذا الرد سيتبعه النفى بعد وقت قصير، ولم يبالِ بالعاقبة رغم شيخوخته وأمراضه التى يعانيها، ومنها: الربو والسكر وتصلب الشرايين، وبالفعل تم نفى سعد إلى جزيرة سيشل، ولأن هواءها غير مناسب فقد اعتلت صحته اعتلالاً شديداً، ولعدة أسباب قررت الحكومة البريطانية الإفراج عن سعد، وكان من هذه الأسباب اعتلال صحته، واقتناعها بفشل اللورد اللنبى فى تحقيق المقاصد من اعتقال سعد، فحوادث الاعتداء ومظاهرات الاحتجاج تزداد، كما أن وكيل سعد فى إنجلترا رفع قضية يطالب فيها بالحكم ببطلان أمر اعتقاله لأنه اعتقل بدون محاكمة أو توجيه تهمة «وربما كان أهم الأسباب جميعاً ـ إلى جانب سبب الصحة ـ تلك الحركة التى أحسن توجيهها الدكتور حامد محمود بين فريق كبير من نواب الأحرار والعمال بلغت عدتهم تسعة وتسعين، فقد كثر الكلام فى الدوائر البرلمانية عن فشل السياسة الإنجليزية ـ المصرية وعن وصمة العار التى تصم الدولة البريطانية باعتقالها ذلك الشيخ العظيم وتعريضه للموت فى منفاه، فترددوا على الوزارة سائلين ملحين فى وجوب الإفراج، وأجمعوا آخر الأمر على كتابة عريضتهم المشهورة، فقدموها فى التاسع والعشرين من شهر مارس، وأذيع الأمر بالإفراج بعدها بيومين» (ص429). ويذكر العقاد أنه «يضاف إلى ذلك أن قانون التضمينات سيصدر، وأن الأحكام العسكرية ستلغي، وأن الانتخابات ستجري، ولابد أن تسفر عن انتخاب نواب مجمعين على المطالبة بعودة سعد إلى بلاده، لأن خصومه وأصدقاءه كانوا يعلمون علم اليقين أن رضاء الشعب بغير هذه الوسيلة من وراء كل رجاء، ولا معنى لإلغاء الأحكام العسكرية فى مصر وإجراء الانتخاب فيها وزعيم النواب المنظورين خاضع للأحكام العسكرية فى منفاه» (ص430). وعاد سعد إلى مصر فكانت الحفاوة المصرية به مثلما كانت عند عودته من مالطة، وقد اشترك فى استقباله هذه المرة الأجانب ونثروا عليه الأزهار والرياحين.

سعد رئيساً للوزارة:

عاد سعد إلى البلاد فى سبتمبر عام،1923 وأجريت انتخابات مجلس النواب فى 12 يناير 1924 وقد فاز بها مائة ونيف وتسعون نائباً وفدياً من مائتين وأربعة عشر عضوا، وقد كانت الانتخابات نزيهة حتى إن يحيى إبراهيم باشا رئيس الوزارة أخفق فيها، وكان لابد من استقالته لهزيمته فى الانتخابات، وفى اليوم التالى صدر أمر ملكى بإسناد رئاسة الوزارة إلى سعد، وكان هناك من انتقد دخول سعد فى الانتخابات وانتقد ـ أيضاً ـ قبوله الوزارة، وقد رد العقاد على حجة الذين انتقدوا دخول سعد الانتخابات بقوله: «لاحظ بعض الناقدين أن دخول سعد فى ميدان الانتخاب يعد اعترافاً بتصريح 28 فبراير الذى أنكره واحتج عليه، وهى ملاحظة لا محل لها من الاعتبار، لأن تمثيل المصريين فى الحكومة حق لا نزاع فيه، فإذا اعترف به الإنجليز فليس ذلك سبباً داعياً لصاحب الحق إلى النزول عنه وإسقاطه بيديه، وقد دخلت جميع الأحزاب المصرية ميدان الانتخاب حتى ما كان منها منكراً للمفاوضات والمعاهدات مع الحكومة الإنجليزية، فلا موجب إذًا لانفراد الوفد بمقاطعة الانتخاب، وهو لو قاطعه لما كان لذلك من نتيجة إلا تمكين خصومه من ادعاء النيابة عن الأمة، وأن يبرموا باسمها ما يأباه الوفد وتأباه» (ص،435 436)، وكما فند العقاد حجة القائلين بأنه كان يجب على سعد ألا يدخل الانتخابات، فند أيضاً حجج القائلين بأنه كان على سعد ألا يقبل الوزارة، حيث يقول: «ولاحظ بعض الناقدين أن سعداً قبل الوزارة وكان عليه أن لا يقبلها، وأن يعهد بها إلى أحد أنصاره وحلفائه، لئلا يضطر وهو فى الوزارة أن يجيز ما لا يجيزه الزعيم الوطنى فى حل القضية المصرية، وفات هؤلاء أن مجرد التنحى عن رئاسة الوزارة لهذا الغرض معناه إعلان الاستعداد للرضا بما دون المطالب الوطنية، واتخاذ المناورات المصطنعة لتسهيل النزول عن تلك المطالب، ثم ماذا يكون إذا تطلب الأمر موافقة النواب وسعد رئيس النواب؟. فليس هنا ضرر يتقى باجتناب سعد رئاسة الوزارة عقب الانتخابات الأولي، ولكن الضرر كل الضرر فى ذلك الاجتناب. إنما ينبغى للزعيم الوطنى أن يتنحى عن الانتخاب أو يتنحى عن رئاسة الوزارة إذا حبطت وسيلة الدستور لتحقيق المصالح العامة والمطالب القومية، وذلك تقدير لا يطالب سعد بافتراضه فى ذلك الحين، ولو كان يعلم الغيب العلم القاطع الذى لا مراء فيه لوجب عليه أن يقنع الجماهير بما هو مقتنع به، وأن يضع أيديهم على الحقيقة بتجربة لا تحتمل الجدال» (ص436). لقد حقق سعد الكثير من الإنجازات فى الوزارة، فقد أفرج عن المسجونين السياسيين، ورفع نفقات الجيش الإنجليزى من الميزانية المصرية، وجعل الموظفين الإنجليز عند حدودهم القانونية، وأخضعهم للقوانين، وألغى وظيفة المستشار القضائي، وقد أطلق سعد الحرية للمصريين، فسمح بالنقد والمعارضة فى الصحافة، ومن الإنجازات المادية لوزارته الشروع فى إصلاح ميناء السويس ومد السكك الحديدية بالوجه البحرى والتمهيد لتوسيعها بين الأقصر وأسوان وإنشاء طرق مهمة بالقاهرة مثل طريق الأزهر، والشروع فى تعميم التعليم الإجباري. لقد كان سعد يريد أن يطبق استقلال المصريين بحق، وكما يرى العقاد فإن الإنجليز لم يكونوا متوقعين أن ينجح سعد فى الوزارة، بل كانوا يرونها سبيلاً لإحراجه أمام أمته، حيث إن «الإنجليز لم يخلوا بينه وبين الوزارة ليمكنوا له فى الحكم ويثبتوا مركزه من الزعامة، ولكنهم أخلوا بينه وبين الوزارة عسى أن تكبحه أعباء الحكم ومطامعه وتكف من غيرته وشنآنه، فيسمعوا من سعد الحاكم غير ما سمعوا من سعد الزعيم، ولا يلبث المصريون أن يروا زعيمهم على حال غير الذى عهدوه وضعف غير الذى توقعوه، فيقال لهم إن الزعامة الوطنية ليست جعجعة فى الخلاء يلغط بها غير المسئولين طمعاً فى المناصب ومنافسة على المآرب، ثم يصبح الزعماء وغير الزعماء سواء فيما يقبلون ويرفضون، وفيما يعملون ويقولون، ويذهب عناء الأمم وجهادها مع الريح« (ص445)، لكن سعداً أثبت جدارته وبطولته كما هو فى جميع المواقف وواجه الشدائد والمصاعب، واستطاع أن يحدث التغيير وأن يشعر المصريين باستقلالهم فعلاً لا قولاً، وقد سار فى الوزارة بحنكة وخبرة، وقد واجه المتاعب فى الوزارة وتعرض للاغتيال، وتعرض لإحراج وزارته عندما تم الاعتداء على السردار لى ستاك باشا، فاغتنمت الإدارة البريطانية هذه الفرصة للنيل من الوزارة المصرية «ولو شاءت السياسة البريطانية لعلمت أن جناية كهذه قد وقعت فى العاصمة الإنجليزية ـ وهى قتل المارشال ولسون ـ فلم يقل أحد إنها دليل على خلل الحكومة أو سوء النية أو التقصير فى حفظ الأمن والنظام» (ص456). استغلت السياسة البريطانية هذا الحادث بالضغط على سعد بالكثير من المطالب وإزعاجه بالبلاغات المتتالية، مما اضطره إلى أن يطلب من الملك سرعة الاستجابة لقبول الاستقالة، وهذا هو ما تحقق.

صفات سعد:

لقد مثل سعد زغلول صفة الزعيم بحق، وما كان له أن ينالها لولا تمتعه بالكثير من الصفات التى تندرج تحتها، وربما يكون كتاب العقاد كله متضمناً لهذه الصفات فهو يغوص فى نفسية سعد، ويبين مبررات الكثير من المواقف، ولماذا فعلها ولم يفعل غيرها، وقد اتفقت زعامة سعد مع إرادة الأمة «فمواقف الخطابة أو مواقف الزعامة لم تكن عند هذا الزعيم إلا تياراً جارفاً ينبعث من قرارة وجدانه، فيحتوى الحاضرين فى غمراته ويردهم إلى عنصرهم الأصيل فيشعرون على البديهة أنهم وهذا الزعيم من موطن واحد فى الشعور، وموطن واحد فى الإرادة، وموطن واحد فى الجد والفكاهة، غير أنه يقدر من حيث لا يقدرون، أو يقدر لهم وهم من ورائه تابعون» (ص،501 502). ومن صفات سعد الاطمئنان إلى المستقبل، مع الاستعداد له، ولم يكن حريصاً على المال، بل كان زاهداً فيه، وسعد على عظم نفسه هو عظيم أيضاً فى بنيته الجسمية، ويشبهه العقاد بالأسد «تراه فترى من النظرة الأولى أنك على مقربة من رجل ممتاز فى الصورة كامتيازه فى الطبيعة، وطلعته تذكرك على الفور طلعة الأسد فى بأسه ونبله وجلالة محياه، وليس بين الوجوه الآدمية ما هو أشبه بالأسد فى قسماته ومهابته من وجه سعد زغلول» (ص543). ولذلك فإن لسعد هيبة يشعر بها الأصدقاء والأعداء على حد سواء، وسعد يكره الرياء ويحب الصراحة والاستقامة، وصراحته صراحة صادقة كما يوضح العقاد، حينما يقول عنه: «كان مثلاً فى الصراحة والجرأة وطبيعة الكفاح، ولكن الذين يفهمون أنه كان لذلك يحمل سلاح الصراحة ليضرب به ذات اليمين وذات الشمال يخطئون فهمه ولا ينصفونه. إنما كانت صراحته وسيلة لإبداء الحق والإعراب عن الرأى وكشف رذيلة الرياء ودفع مذلة الخنوع، فأما الصراحة التى هى لغو يؤذى ولا يفيد فليست هى من شأنه وليست هى من الخلال التى يتسم بها طبع مثل طبعه» (ص549). ولم يكن سعد جافاً لأنه رجل مكافح ويعمل فى مجال يقتضى الجد، بل كان يتمتع بالعطف والصداقة وحسن المودة والأنس بالناس والارتياح إلى المعاشرة، وكان يكره العنف والمشاهد الحزينة، وهو محدث لا تسأم من حديثه، وهو رجل يميل إلى الفكاهة التى تدل على بديهة حاضرة، ولم يكن مستبداً برأيه بل كان يحب المناقشة وينتهى بالتسليم إذا أقنعه أحد، ويرى العقاد أن شخصية سعد واضحة تمام الوضوح، إذ يقول: «ومهما تختلف التفسيرات والتأويلات، فالأمر الذى لا نحسبه قابلاً للخلاف هو جلاء طبيعة سعد جلاء لا غموض فيه ولا إبهام ولا شذوذ عن النمط القويم، فلم تكن فى هذه الطبيعة أسرار ولا ألغاز ولا سراديب، وكل شيء فيها معروف أو ميسور العرفان» (ص566). أما أظهر صفة لديه فهى صفة الحيوية، إذ يرى العقاد أن «من شاء مسباراً لطبيعة هذا الرجل الصريح فى تكوينه وفى كلامه فمسباره الصادق هو منطق الحيوية الجياشة القوية حيثما كانت وحيثما كان. كل ما وافق هذه الحيوية فهو من صفاته، وكل ما ناقضها وخرج عليها فليس من صفاته، وكل خصلة فى سعد فمردها إلى نفس منطقية قوية تحب ما تحب وتكره ما تكره لأساب لا تستعصى على تفسير.

«سل عن حبه للصراحة وكراهته للرياء تجد أنهما كانا عنده ضرباً من منطق الأحياء الأقوياء، لأن المنطق السليم يقول إن الإنسان يدارى رأيه لجبن أو جهل، وليس القوى بجبان وليس المنطقى بجاهل، فلا محيص له من الصراحة وبغض الرياء» (ص567). أما الصفات الذهنية لسعد فيوجزها العقاد فى أنها: «قياس سليم، وفطنة جيدة، وملاحظة صادقة، وذاكرة واعية يقظة، لا يخطئ قياسه الأمور، ولا يرى شيئاً إلا أحسن ملاحظته وأحسن فهم الدلالة التى يدل عليها» (ص572).

قصيدة العقاد:

ظل العقاد وفياً لسعد حتى وفاته فى 23 أغسطس عام ،1927 وبعد وفاته أيضاً، وعندما نقل جثمانه من قبره بصحراء الإمام إلى ضريحه بعد تسع سنوات من وفاته، وكان هذا يوم الجمعة 19 يونيه عام ،1936 كتب العقاد قصيدة فى تخليد ذكرى سعد عنوانها: «فاز سعد».