رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الأمة وحدها مصدر السلطات.. والشعب هو مَن يختار حكامه

مصطفى عبيد يكتب: ثوابت الوفد التى زرعها " سعد والنحاس وسراج الدين " وأبناؤهم على مدى قرن

حزب الوفد

الأربعاء, 22 أغسطس 2018 17:42
مصطفى عبيد يكتب: ثوابت الوفد التى زرعها  سعد والنحاس وسراج الدين  وأبناؤهم على مدى قرنثورة 1919

 

 

فى ثلاثية نجيب محفوظ حُب متطرف لـ«الوفد» يصل أن يقول كمال عبدالجواد أن فى مصر أربعة أديان، الإسلام والمسيحية واليهودية والوفد والأخير أكثرها انتشاراً.

بالطبع لا يقصد محفوظ المعنى الدينى للعبارة وإنما هو يبرهن على تغلغل مبادئ وقيم الوفد فى نفوس الناس، حتى أن مصر كلها كانت وفدية فكراً ومبادئ فى ثورة 1919 الخالدة، والتى تستحق تماماً مصطلح «ثورة» أكثر من 23 يوليو و25 يناير وغيرهما.

المبادئ التى رسخها الوفد وزعماؤه تشكل ثوابت لا يمكن الاستغناء عنها فى مسيرة الديمقراطية والبناء والتقدم.

«الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة» كلمة حق يراد بها حق. تعبير حقيقى عن أسبقية الشعب. الناس. المحكومين أعلى من الحكام. فالحاكم موظف وأجير عند الناس لا سيداً عليهم. تلك كانت الفكرة الأعظم والأنقى للحكم.

كان سعد زغلول مؤمنا بأن الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة، وبنفس القدر كان إيمان النحاس بأن الأمة هى مصدر السلطات، وأن الحكومة خادم لإرادة الشعب، وأنه هو وحده من يختار ويقرر وعلى الجميع أن يصمت.

ويمكن القول إن سعد والنحاس يمثلان أفضل تعبير عن نجاح الطبقة الوسطى فى قيادة الأمة فكلاهما أبناء تلك الطبقة، وكلاهما ينتميان إلى الريف، وهُم مع ذلك على اهتمام واسع بالتعليم والاطلاع على المدنية الأوروبية والاستفادة منها.

كذلك من ثوابت الوفد الرئيسية أن مصر تتسع للجميع، وأن المواطنة حق لكل مصرى، وأنه لا تفصيل لمصرى عن الآخر بالدين أو العرق أو الطبقة، لذا فقد شهدت حكومة سعد عام 1924 مشاركة عدد أكبر من الأقباط، وشهدت حكومات النحاس

الخمس إنجازات عظيمة حققها وزراء مسيحيون.

والوفد قدم نماذج مثالية للوحدة الوطنية عبر تاريخه، حتى إن الفترة الوحيدة التى كان يصلى فيها المسلمون فى الكنائس ويدخل القساوسة إلى صحن الجامع الأزهر هى سنوات ثورة 1919 وإرهاصاتها التى شهدت ميلاد التيار المدنى الحقيقى فى مصر.

ولا شك أن سعد والنحاس كانا يريان ضرورة احترام الدستور والقانون والسماح بحرية التعبير والنقد إلى أبعد مدى ممكن. وقد رفض سعد إعلان الجمهورية حتى لا يتهم بالانقلاب على الدستور، وهو ما تكرر مع النحاس بعد ذلك رغم الشعبية الجارفة.

وقد وصل الحد بسعد باشا وهو رئيس وزراء مصر أن يتقبل بصدر رحب اتهامات شنيعة وأوصافاً سخيفة تدخل فى باب السب والقذف من محمد حسين هيكل ولم يتجاوز أن أقام دعوى قضائية ضده انتهت بالحكم بالبراءة باعتبار أنه شخصية عامة وأن كل شخصية عامة عليها أن تتقبل النقد حتى لو وصل لدرجة الاتهام.

أما مصطفى النحاس فقد كان لا يُعير النقد من جانب الخصوم اهتماماً، لكنه إذا كان الأمر يخص ما هو للشعب فقد كان يرد بموضوعية وهدوء وثقة دون أن يطارد منتقداً أو يعتقل شاتماً.

وعرف الرجلان بالاستقامة الشديدة والنزاهة والشرف وهو ما جعلهما أكثر صلابة على مواجهة اتهامات وافتراءات الخصوم والمخالفين فى الرأى والسياسة. وإذا كان الخصوم قد وجهوا رصاص افتراءاتهم

إلى الزعيمين فى كل شىء، فإن أحدا لم يستطع أن يفتح فمه حول أى شبهة فساد أو استغلال لنفوذ أو اتهام بالتربح للرجلين، وحتى عندما جنح البعض لذلك مثل ما جرى فى قضية الأمير سيف الدين، أو واقعة الكتاب الأسود فقد كان رد الفعل هادئاً وقانونياً وفى إطار تأكيد النزاهة ودون تشنج أو انفعال أو انتقام.

أما السمات الشخصية فقد كان من الواضح وجود كثير من عناصر التشابه ربما أهمها البراعة الشديدة فى الخطابة والكاريزما الطاغية والقدرة على التأثير فى الجماهير. فضلاً عن البلاغة الشديدة فى الخطابات الرسمية وغير الرسمية، والقدرة على امتصاص غضب الجماهير والحديث بنفس لغاتها.

الصلابة فى مواجهة المنتقصين من استقلال الوطن قيمة أخرى لـ«الوفد» وثابت لا يمكن التخلى عنه. لقد أبدى زعماء الوفد صلابة فى التعامل مع الاستعمار وصلت فى بعض الأحيان إلى استقالة سعد وحكومته رفضاً للتدخل فى شئون مصر، وقيام النحاس بالغاء معاهدة دولية وقعتها مصر مع بريطانيا لممارسة ضغط شعبى مباشر على بريطانيا.

ويمكن التأكيد أن ثوابت الوفد كانت تتطلب شجاعة وصبراً وقوة احتمال وقدرة على المناورة والمجابهة وتحدى قوى الظلم. لذا فإن سعد لم يتراجع عن المطالبة بحق مصر فى تقرير مصيرها وهو يعلم أن مآله إلى السجن أو المحاكمة أو النفى وظل صلباً عتيداً لا يُفرّط فى حق من حقوق الوطن حتى صدر دستور 1923 وفاز الوفد بالانتخابات وشكل الحكومة. ومثله كان النحاس مهيباً فى تعامله مع الملك فاروق ومع أحزاب القصر والإنجليز ووصل به الأمر أن يرفض تنصيب الملك دينيا وأن يقول للملك فور توليه «اعتبرنى والدك» وهو ما أثار حقد الملك وكراهيته له طوال حياته كما يذكر كريم ثابت مستشار الملك الصحفى فى مذكراته.

المثابرة والإيمان بقدرة الشعب على التغيير، ووحدة أبنائه بمختلف طوائفهم وطبقاتهم وقيم النزاهة والشرف والاستقامة واحترام القانون من الدروس الهامة التى يتركها لنا تراث الوفد ويمكن البناء عليها حاضراً ومستقبلاً.