رمضان أحلى مع «لمة العيلة»

تحقيقات وحـوارات

الأربعاء, 16 مايو 2018 19:32
رمضان أحلى مع «لمة العيلة»

تحقيق - حسام أبوالمكارم: - تصوير - محمد طلعت: - اشراف: نادية صبحى

 

آلاف العمال المغتربين يتزاحمون على مواقف السيارات للحاق بإفطار «أول يوم»

 

يختبئ فى جوف الإنسان كثيرًا الإحساس بالفرحة والسعادة، مع حلول شهر رمضان الكريم، الذى ينتظره المصريون من العام للعام؛ حتى يتمكنوا من العودة إلى منازلهم، ورؤية أسرهم بعد غياب شهور عديدة؛ بحثًا عن العمل فى «القاهرة» ومشاركة الأهل والأحباب فى أفضل أيام العام وهو «صوم الشهر الكريم» إحدى أفضل المناسبات الدينية لدى المسلمين، والتى تعيشها البيوت المصرية فرحًا واحتفالًا بأجوائه المبهجة، وروحانيته التى لا تتكرر فى باقى أشهر العام، ما يمثل بالنسبة للجميع مناسبة لا يمكن قضاؤها بعيدًا عن العائلة، حتى يتسارع المغتربون والعمال من مختلف المحافظات على مواقف السيارات الأجرة «الميكروباص» بمنطقة المنيب وموقف عبود، ومنطقة رمسيس بوسط البلد.

وقبل ازدياد الزحام على وسائل المواصلات وصعوبة استقلال السيارات وزيادة أسعار الأجرة بالتزامن مع أول حلول شهر رمضان الكريم، هرع العمال فى حجز تذاكرهم بالأسعار المحددة من قبل هيئة السكة الحديد، بينما فضل البعض استقلال السيارات الأجرة التى ارتفعت بشكل ملحوظ مع اقتراب أول أيام رمضان؛ حيث بلغت سعر تذكرة القطار لمدينة أسوان 171 جنيهاً، فيما وصل سعر السيارات الأجرة أكثر من 200 جنيه فى موقف المنيب، وجاء سعر استقلال القطار لمحافظة قنا 144 جنيهًا، فيما فرض سائقو الميكروباص تسعيرة جديدة على الركاب بلغت 160 جنيهًا، ووصلت تذاكر القطار لمحافظ سوهاج 113 جنيهًا، بينما وصلت أجرة الميكروباص أكثر من 130 جنيهًا، ووصلت التذكرة لأسيوط 100 جنيه، تاركين أعباء العمل وهموم الحياة وراء ظهورهم لتحقيق السعادة والشعور بلذة الشهر الكريم مع عائلاتهم فى القرى والنجوع، بعد أن أنهك العمل أجسادهم للحصول على المال لتحقيق أهدافهم وتحسين حياتهم المادية وتلبية مطالب أسرهم، ما جعله يمثل للبعض جداراً عازلاً بينه وبين أسرته.

«لمة العيلة.. ولقاء الأصدقاء» لحظات يسعى المغتربون للحفاظ على الاستمتاع بها خلال شهر رمضان، تعويضاً عن وحشة الغربة والحرمان من رؤية الأهل والأقارب، دون مشاركة السعادة والفرحة التى يبحث عنها المصريون الذين يتركون منازلهم للحصول على قوت يومهم، ومن أجل ذلك حرص الكثيرون على إنهاء عمله قبل أيام من بدء الشهر استعداداً للسفر إلى بلادهم.

محمد جمال: أنتظر شهر رمضان لرؤية والدتى

على بعد خطوات من موقف سيارات المنيب، الذى يضم جميع وسائل المواصلات من القاهرة إلى محافظات الصعيد، تقف عشرات الميكروباص التى تقل المواطنين إلى القرى والنجوع فى مختلف المحافظات، ووسط الصخب والضجيج الذى يسيطر على المنطقة بأكملها كأنها نموذج متكرر فى العديد من مناطق القاهرة ومنطقة عبود ورمسيس، يسير شاب عشرينى والابتسامة تعلو على وجهه لاقتراب موعد لقائه بالأهل والأحباب، يترجل دون مبالاة بما يحيط به من باعة جائلين يروجون لبضائعهم، وبشر يقبعون على أرصفة الشوارع.

محمد جمال، أحد الشباب الذين قادته لقمة العيش والبحث عن مصدر رزق، لترك منزله فى محافظة سوهاج، وتحديدًا مركز «البلينا»، والذهاب إلى القاهرة للعمل «مبيض محارة» لمساعدة أهله على الحياة والظروف المعيشية الصعبة، يقول الشاب: «أنا لم أر أسرتى منذ 7 أشهر بسبب العمل وبُعد المسافة والالتزام بمواعيد تشطيب العقار المسئول عنه»، مضيفًا إلى جميع المغتربين عن موطنهم يعدون أنفسهم

للسفر إلى بلادهم قبل أيام من بدء شهر رمضان.

وبصوت يملؤه السعادة، يقول جمال: «لمة العيلة على الإفطار فى رمضان تساوى الدنيا بما فيها من إحساس بالسعادة والشعور بالفرحة لرؤية والدتى وأشقائى وأصدقائى الذين انقطعت عنهم منذ فترة كبير».

وأضاف: «نفسى أحصل على فرصة عمل فى بلدى وأعيش بجوار أهلى وأصدقائى، لكن ما باليد حيله لا يوجد بها فرص عمل سوى زراعة الأرض، التى لا تحتاج أكثر من شخصين»، مشيرًا إلى أنه يعمل فى مجال المعمار منذ 7 سنوات، لتكوين نفسه وتحقيق جميع أهدافه فى الحصول على المال لتلبية احتياجات أسرته وأشقائه.

وتحدث الشاب قائلًا: «السفر لحضور أول أيام رمضان وسط العائلة مقدس لدى الجميع، بسبب السعادة والأجواء التى تريح النفس وتضيف الطمأنينة لدى جميع الشباب، خاصة بعد الغياب لفترة كبيرة»، مؤكدًا أن الفرحة لقدوم شهر رمضان عنده أكبر من الفرحة والاهتمام بالأعياد والمناسبات الأخرى، وأن فرحة الإفطار فى أول أيام رمضان لا توصف، قائلًا: «لمدة ٦ ساعات حتى الوصول إلى المنزل بمثابة رحلة عذاب بسبب اشتياق اللقاء ورؤية الأهل ومشاركة العائلة عند الإفطار فى أيام رمضان التى تزيل جميع أعباء العمل لشهور، فهى بمثابة إعادة شحن طاقة لاستمرار الحياة ومقاومة صدمات العمل، فلوس الدنيا كلها لا تساوى لحظة السعادة التى أعيشها أثناء سفرى للإفطار مع أهلى».

وأكمل الشاب قائلًا: «أعمل فى مدينة السادس من أكتوبر خلال الـ٧ أشهر الماضية للحصول على المال لتلبية جميع مطالبى أنا وأسرتى»، مضيفًا أنه يستطيع الحصول على أجر مجز دون توفير بسبب الغلاء الذى يجتاح البلاد فى الفترة الأخيرة من أسعار السلع وارتفاع أسعار السكن، والجميع بيعمل علشان يقدر يعيش دون اللجوء لأحد.

محمد السعدواى «صنايعى سيراميك» من أبناء محافظة بنى سويف، يقول إنه يفضل العمل فى القاهرة لعدة أشهر ثم يسافر لقضاء أيام شهر رمضان مع والديه، لافتًا إلى أنه لا يستطيع أن يفقد لحظة الإفطار الجماعى مع أسرته، قائلاً: «عملى وأكل عيشى حرمنى من التواجد وسط أسرتى كثيرًا ولكن لا يستطع أن يضيع على فرحة رمضان وقضاء الشهر مع عائلاتى وأصدقائى الذى لم أرهم منذ شهور».

وبصوت يملؤه السعادة، يتحدث الشاب قائلاً: «لا أحد يشعر بلذة الصوم والإفطار وهو بعيد عن أسرته»، مشيراً إلى أن جميع العمال الذين تركوا بلادهم وذهبوا إلى القاهرة سعيًا وراء رزقهم ينتظرون قدم الشهر بفارغ الصبر حتى ينفضوا الهموم والمشاكل التى واجهتهم فى العمل لعدة شهور.

وأكد أنه يحرص على مشاركة أسرته فرحة رمضان، ويتتبع قدومه حتى يتمكن من الحصول على تذكرة قطار قبل أيام من الصوم، خشية الزحام الذى تشهده محطات القطارات والمواقف، فضلاً عن ارتفاع سعر الأجرة إلى المحافظات.

الاشتياق للروحانيات التى لا توجد إلا فى رمضان، سبب فى الانتظار طوال العام، للسفر إلى

بلادنا، عبارة قالها الشاب للتعبير عن فرحته بالعودة إلى أسرته وحضور الإفطار، مضيفًا أن «تغذية الروح» لا تحدث إلا فى شهر رمضان، وخاصة وسط الأسرة لتعويض الحرمان الذى يفرضه العمل على الشباب بعيدا عن بلادهم التى نشأوا فيها، وتربوا بداخلها، ما جعل الشباب يعملون لعدة أشهر حتى يتواجدوا وسط عائلاتهم للاستمتاع بلحظات الإفطار.

وأشار إلى أن جميع العمال المغتربين ينتظرون شهر رمضان باشتياق؛ بسبب الروحانيات التى لا توجد إلا فيه، ولا تشعر بها سوى مع الأهل والأصدقاء، ومشاهدة الشوارع التى تعج بالناس، والبلح والإفطار مع العائلة.

وتابع: «أنا طول شهور عملى فى القاهرة بستنى رمضان، علشان لمة العيلة والسحور وابتسامة الناس فى وش بعضها من غير سبب، وصلاة التراويح والدعاء قبل الفطار.. اللهم بلغنا رمضان».

 

رمضان وسط الأسرة والأصدقاء يعيد شعور الانتماء للعائلة

داخل ممرات موقف المنيب، وتحديدًا فى الأماكن المخصصة لميكروباصات محافظة أسيوط، يقف عبدالله أحمد على، مرتدياً جلباباً أسود، يضع يده على إحدى السيارات فى انتظار إقلاعها للعودة إلى عائلته لحضور لرؤية أسرته فى مركز أبوتيج بعد غياب عدة أشهر قضاها فى عمله «شيف مطبخ» يؤكد الشاب، أن السفر قبل شهر رمضان له شعور وإحساس بالسعادة لا يشعر به أحد بعيداً عن أسرته وأصدقائه فى رمضان، موضحًا أن جميع أبناء محافظات الصعيد يحرصون على حجز أماكن سفرهم قبل عدة أيام من بدء شهر رمضان، حتى يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، حتى لا يمتلكه الحزن والغضب لعدم حضور الإفطار مع أسرته.

وبلهجته الصعيدية يستكمل عبدالله حديثه قائلًا «أنا بستنى رمضان عشان الناس الطيبة بتظهر.. والسهر مع الأصدقاء، وموائد الإفطار والسحور، وصلاة التراويح وقراءة القرآن».

يكمل حديثه دون أن يرمش له طرف، كأنه يتذكر أيام الغربة، وهموم الحياة، ومشاكل العمل، قائلًا: «أيام رمضان جو مختلف عن باقى الأشهر التى يعيشها الناس فى العمل والبحث عن مصدر رزق لمواجهة الأعباء المالية التى يمرون بها، حتى يتمكنوا من تربية أبنائهم، لكن التواجد مع الأسرة فى الصيام لا يقارن بشىء آخر».

 

الفطار فى البيت.. «عودة للروح»

فى قلب زحام موقف عبود، ووسط مئات البشر العائدين إلى منازلهم فى محافظات وجه بحرى، ينتظر سعد محمد «كهربائى»، أحد أبناء المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، يحمل حقيبته فوق ظهره وأخرى يمسك بها فى يده، ودع أسرته منذ عيد الأضحى العام الماضى؛ لكى يبحث عن رزقه فى محافظة القاهرة، يشير إلى أن العمل والبحث عن الرزق أحد أهم مطالب الناس، حتى وإن كان على حساب حياتهم وأنفسهم، لكن العيش وسط العائلة فى شهر رمضان أقوى من الاستمرار فى العمل.

ولفت الشاب الذى يبلغ من العمر ٢٧ عاماً، بعد أن أتم دراسته الجامعية وتأدية الخدمة العسكرية، إلى أنه فضل العمل الحر بعيداً عن التقدم لوظيفة قد تؤمن له حياته وتحفظ مكانته واستمراره وسط أسرته، مشيرًا إلى أنه يفضل السفر كل عام قبل بدء الشهر بأيام حتى يتجنب الازدحام واستغلال السائقين الذين يفرضون أسعار أجرة مضاعفة؛ نظرًا إلى كثافة المواطنين المقبلين على السفر.

 

حسين رأفت، أحد أبناء محافظة قنا، له إحساس مختلف عن اللمة على مائدة الإفطار، يقول: منذ تخرجى فى الجامعة عام ٢٠٠٩ وأنا أعمل سباكاً؛ بسبب ضيق المعيشة التى كانت تمر بها أسرتى، بسبب انعدام الدخل وكثرة الإنفاق التى يحتاجها المنزل، خاصة أنا وحيد ليس لى أشقاء يساهمون فى تحمل جزء من المسئولية، بعد تقدم العمر لوالدى.

يضيف «رأفت»، بالرغم من احتياجى اليومى للمال لا أقدر على ترك أمى وولدى دون التواجد بجوارهما وتناول الإفطار ومشاركتهما أجمل وأفضل أيام العام، مشيراً إلى أنه يعد للسفر منذ شهور من خلال تكثيف العمل لجمع أكبر قدر من المال؛ حتى يتمكن من تيسير أمور منزله خلال الشهر حتى حلول عيد الفطر المبارك.

ويكمل الشاب، أن جميع العمال القادمين إلى القاهرة للعمل يشعرون بأنهم أغراب، ويظل يراودهم شعور بعدم الراحة؛ بسبب حالتهم النفسية السيئة، ليأتى رمضان ليمنحنا فرصة الرائعة للتلاقى على مائدة الإفطار، لتناول وجبة عائلية، لتكون أكبر فرصة للتحاور والتواصل العائلى وإعادة الحياة مرة أخرى.

 

 

 

 

 

 

أهم الاخبار