عاجل
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

تيجراي تصعّد دولياً وتضع التدخل الأجنبي في قلب الأزمة الإثيوبية

صورة أجانب
صورة أجانب

لا تبدو رسالة حكومة إقليم تيجراي الموجهة إلى المجتمع الدولي في 6 نوفمبر 2026، مجرد إدانة لمشاركة مقاتلين أجانب في العمليات العسكرية داخل الإقليم، بل تحمل أبعاداً سياسية وقانونية تتجاوز مضمونها العسكري المباشر.

فالحكومة تحاول من خلال هذا البيان إعادة تعريف طبيعة المواجهة الجارية، ونقلها من إطار الصراع بين أطراف إثيوبية إلى ملف يرتبط بالتدخل الخارجي، والمسؤولية الدولية، واحتمالات اتساع دائرة النزاع في منطقة القرن الأفريقي.

وتكمن أهمية الرسالة في أنها لا تتوقف عند اتهام أطراف أجنبية بالمشاركة في العمليات العسكرية، وإنما تطرح للمرة الأولى في هذا السياق، وفق رواية حكومة الإقليم، تمييزاً بين الدعم العسكري والفني الذي شهدته الحرب السابقة، والمشاركة المباشرة للمقاتلين الأجانب في المعارك الحالية إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية.

هذا التحول، إذا ثبتت تفاصيله بصورة مستقلة، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة العمليات العسكرية داخل تيغراي، والجهات المستفيدة من توسيع نطاق المشاركة الخارجية، والآثار المحتملة لذلك على مستقبل التسوية السياسية الإثيوبية.

أولاً:- توقيت البيان .. تيجراي تتحرك في لحظة تغير موازين الصراع

لا يمكن فصل صدور البيان عن التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها إثيوبيا منذ سبتمبر 2026، حين عادت المواجهات بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي إلى الواجهة، بعد تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022.

فالمشهد الحالي لم يعد محصوراً في الخلاف بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير شعب تيجراي، بل أصبح مرتبطاً بتشابكات أوسع تشمل تحالفات المعارضة المسلحة، والتوتر الإثيوبي الإريتري، والحرب السودانية، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وتشير قراءة مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن الصراع تجدد بصورة واضحة، مع انضمام الجبهة إلى تحالف يضم سبع مجموعات معارضة، في تطور يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة تتجاوز الخلافات السياسية والإدارية بين أديس أبابا ومقلي. 

ومن هنا، يبدو أن حكومة تيجراي تسعى إلى استثمار التطورات العسكرية لإعادة طرح قضيتها أمام المجتمع الدولي، ولكن هذه المرة من زاوية التدخل الخارجي والمسؤولية القانونية عن العمليات العسكرية.

ثانيًا:- المقاتلون الأجانب.. ما الذي تحاول حكومة تيجراي إيصاله؟

 

النقطة الأكثر أهمية في البيان ليست مجرد الحديث عن وجود مقاتلين أجانب، وإنما طبيعة الدور المنسوب إليهم.

فالحكومة تميز بين مرحلتين:

خلال حرب 2020–2022، تقول إن مشاركة الأجانب ارتبطت بتشغيل الطائرات المسيّرة وتقديم الاستشارات العسكرية والدعم الفني.

 في المواجهات الحالية، تتحدث عن انتقال هذه المشاركة إلى القتال المباشر على جبهات متعددة إلى جانب القوات الفيدرالية.

هذا التمييز يحمل دلالة سياسية كبيرة؛ لأن اتهام جهات خارجية بتقديم دعم تقني أو عسكري يختلف من حيث طبيعة المسؤولية السياسية والقانونية عن اتهامها بإرسال أفراد للمشاركة المباشرة في العمليات القتالية.

لكن من الضروري صحفياً عدم التعامل مع هذا الاتهام باعتباره حقيقة مثبتة بمجرد وروده في بيان حكومة الإقليم.

 فالمعلومات المتاحة في التقارير المستقلة التي تناولت تطورات الحرب حتى 3 نوفمبر لا تقدم تأكيداً مستقلاً كافياً لهوية هؤلاء المقاتلين أو جنسياتهم أو الجهات التي جندتهم.

وبالتالي، فإن البيان يطرح ادعاءً يحتاج إلى تحقيق مستقل، يتضمن تحديد هوية المشاركين، وطبيعة أدوارهم، وسلسلة القيادة، ومصادر التمويل.

ثالثاً:- تدويل الأزمة.. من نزاع إثيوبي إلى تشابك إقليمي

تكتسب قضية المقاتلين الأجانب خطورتها من البيئة الإقليمية التي تتحرك داخلها إثيوبيا حالياً.

فالعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تشهد توتراً متزايداً، وسط اتهامات إثيوبية لإريتريا بدعم جماعات معارضة، تنفيها أسمرة. 

وفي الوقت نفسه، تتقاطع الأزمة الإثيوبية مع الحرب السودانية، والتحالفات المسلحة الجديدة، والخلافات المتعلقة بالوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.

وقد حذرت تحليلات دولية من أن تجدد الحرب في تيغراي قد يتجاوز الحدود الإثيوبية، خصوصاً في ظل احتمالات امتداد المواجهات إلى إريتريا والسودان.

وهنا تظهر أهمية مطالبة حكومة تيجراي المجتمع الدولي بالتحقيق مع الحكومات والمؤسسات والأفراد الذين يقدمون التمويل أو الدعم اللوجستي أو العسكري للمقاتلين الأجانب.

فهي لا تحاول فقط إدانة وجود أفراد أجانب في ساحة القتال، وإنما توسع دائرة المسؤولية لتشمل الأطراف التي قد تكون ساهمت في توفير الظروف اللازمة لمشاركتهم.

وهذا يضع الأزمة أمام معادلة أكثر تعقيداً: هل تظل المواجهة محكومة بحسابات الأطراف الإثيوبية، أم تتحول إلى ساحة تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية متعارضة؟

 رابعًا:- البعد القانوني.. هل تكفي صفة المقاتل الأجنبي لإثبات الارتزاق؟

هنا ينتقل البيان من المجال السياسي إلى المجال القانوني، وهي نقطة تستحق التوقف عندها.

فحكومة تيجراي تستخدم مسألة التجنيد مقابل الأموال لتأسيس مطالبتها بمحاسبة المشاركين والجهات التي تقف وراءهم، لكنها تطرح في الوقت نفسه مجموعة من المسائل القانونية التي لا يجوز اختزالها في وصف جميع المقاتلين الأجانب بالمرتزقة.

فوفق المادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، لا يكفي أن يكون الشخص أجنبياً أو أن يتقاضى مقابلاً مالياً حتى يُصنف قانونياً مرتزقاً؛ إذ يتطلب الأمر توافر ستة شروط قانونية مجتمعة، تتعلق بالتجنيد والمشاركة المباشرة والدافع المالي وطبيعة التعويض والجنسية والارتباط بالقوات المسلحة للدول.

وهذا يعني أن التحقيق الدولي الذي تطالب به حكومة تيجراي ينبغي ألا يقتصر على إثبات وجود أجانب في ساحة القتال، وإنما يتعين أن يحدد طبيعة صفتهم القانونية، وما إذا كانوا أفراداً متعاقدين أو عناصر ضمن تشكيلات عسكرية أو تابعين لقوات دولة أخرى.

كما أن المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية لا تثبت بمجرد المشاركة في القتال، بل تستلزم إثبات الأفعال والأركان القانونية والمسؤولية الفردية أو غيرها من صور المسؤولية المعترف بها قانوناً.

ومن ثم، فإن القيمة القانونية للبيان ستتوقف على ما إذا كانت حكومة الإقليم تمتلك أدلة قابلة للتحقق، وليس فقط اتهامات سياسية موجهة إلى أطراف غير محددة.

خامسًا:- استهداف الداعمين والممولين.. توسيع دائرة المسؤولية

من أبرز الجوانب السياسية في الرسالة أنها لم توجه خطابها إلى المقاتلين الأجانب وحدهم، بل شملت الحكومات والمؤسسات والأفراد الذين يقدمون التمويل أو الدعم اللوجستي والعسكري أو يسهلون عمليات التجنيد.

وهذا التوسع ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يعكس محاولة من حكومة تيغراي للانتقال من إدانة المنفذين إلى مساءلة الشبكة التي يُعتقد أنها تقف وراء مشاركتهم.

وتحمل هذه الرسالة ثلاث دلالات:

سياسياً: وضع الدول والجهات الداعمة المحتملة تحت ضغط المطالبة بتوضيح مواقفها من تطورات الحرب.

دبلوماسياً: نقل الملف إلى المؤسسات الدولية، بدلاً من تركه محصوراً في المواجهة الإعلامية بين أديس أبابا ومقلي.

قانونياً: محاولة ربط الدعم المالي واللوجستي بالمسؤولية عن الانتهاكات، متى توافرت الأدلة والشروط القانونية اللازمة.

لكن من المهم التمييز بين تقديم الدعم العسكري وبين المسؤولية الجنائية عن جريمة بعينها؛ فالمسؤولية لا تنشأ تلقائياً من مجرد تقديم الدعم، وإنما تتطلب إثبات الأساس القانوني والعلاقة بالفعل محل التحقيق.

 سادسًا: اتفاق بريتوريا.. الأزمة الأعمق التي يحاول البيان إعادة طرحها

لا يمكن قراءة هذه الرسالة بمعزل عن انهيار الثقة في اتفاق بريتوريا لعام 2022، الذي أنهى الحرب السابقة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي.

فالاتفاق لم يكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل كان إطاراً لمعالجة مجموعة من الملفات المعقدة، من بينها الترتيبات الأمنية، واستعادة الخدمات، وعودة النازحين، وتسوية القضايا السياسية والإدارية.

لكن تعثر تنفيذ عدد من الالتزامات، واستمرار الخلافات حول مستقبل الإدارة الإقليمية، أضعفا الأساس الذي قامت عليه التسوية.

وتشير قراءة تشاتام هاوس المنشورة في أكتوبر 2026 إلى أن ضعف آليات تنفيذ الاتفاق، وتراجع الثقة بين الطرفين، والخلافات داخل القيادة التيغرية، كانت من العوامل التي مهدت لعودة المواجهات. 

وبالتالي، فإن مطالبة حكومة تيغراي بمحاسبة المقاتلين الأجانب لا تعالج وحدها جذور الأزمة، وإنما تمثل محاولة لفتح مسار ضغط دولي موازٍ للمواجهة العسكرية.

 سابعاً: ماذا تريد حكومة تيغراي من المجتمع الدولي؟

يمكن قراءة الرسالة باعتبارها محاولة لتحقيق أربعة أهداف سياسية متزامنة:

أولاً: كسر العزلة الدولية:-

تسعى الحكومة إلى إعادة وضع تيغراي على أجندة المؤسسات الدولية، خصوصاً أن تجدد الحرب يهدد بإعادة إنتاج الأزمة الإنسانية التي شهدها الإقليم خلال الحرب السابقة.

ثانياً: تدويل ملف الانتهاكات:-

من خلال الحديث عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، تحاول حكومة الإقليم تحويل الاتهامات إلى قضية تتطلب تحقيقاً دولياً مستقلاً.