شكّل خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، المعروف باسم "بريكست"، أحد أكثر القرارات السياسية والاقتصادية تأثيرًا في تاريخ البلاد الحديث. فمنذ استفتاء عام ٢٠١٦ الذي صوّت فيه البريطانيون بنسبة 51.9% لصالح الانفصال، لا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت المملكة المتحدة قد حققت المكاسب الموعودة أم أنها دفعت ثمنًا باهظًا لهذا القرار.
على الصعيد الاقتصادي، تشير العديد من الدراسات إلى أن الاقتصاد البريطاني واجه تحديات ملحوظة بعد الخروج. فقد تراجعت معدلات التجارة مع دول الاتحاد الأوروبي نتيجة الإجراءات الجمركية والبيروقراطية الجديدة، كما انخفضت الاستثمارات الأجنبية مقارنة بما كانت عليه قبل الانفصال. كذلك عانت بعض القطاعات، مثل الزراعة والصناعات الغذائية والنقل، من نقص العمالة الأوروبية التي كانت تشكل عنصرًا أساسيًا في سوق العمل البريطاني.
حيث يرى فيليب رايكروفت، المسؤول البريطاني السابق وأحد كبار الموظفين الذين أشرفوا على ملفات البريكست داخل الحكومة البريطانية، أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أظهرت أن المكاسب المتوقعة من البريكست جاءت أقل بكثير من الوعود التي رافقت الحملة المؤيدة للمغادرة.
كما تبين أن الكثير من أسباب ضعف النمو والتي أكد مؤيدو البريكست ارتباطها بعضوية الاتحاد الأوروبي، كانت مرتبطة أساسًا بسياسات داخلية بريطانية، مثل التدريب والبنية التحتية والتخطيط ودعم الابتكار، طبقاً للكاتب.
ومن أبرز المؤشرات التي طرحها الكاتب هو تراجع قيمة الجنيه الإسترليني. فبعد أن كان يقترب من 1.50 دولار و1.31 يورو في يونيو/حزيران ٢٠١٦، يبلغ اليوم نحو 1.34 دولار و1.15 يورو فقط.
أما على صعيد النمو الاقتصادي، فيستعين الكاتب بدراسة أعدها الخبير الاقتصادي نيك بلوم من جامعة ستانفورد الأمريكية، خلصت إلى أن الناتج المحلى الإجمالي للفرد أصبح أقل بنسبة تتراوح بين ٦٪ و٨٪ مقارنة بالسيناريو الذي كانت ستبقي فيه بريطانيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي.
أما سياسيًا، فأظهر الرأي العام البريطاني تحولًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. فقد أظهرت استطلاعات متعددة أن نسبة متزايدة من البريطانيين تعتقد أن الخروج كان خطأً، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
في الختام، من المؤكد أن الوعود التي رافقت حملة بريكست لم تتحقق بالكامل كما توقع أنصارها. وبينما يرى البعض أن البلاد استعادت استقلالها وسيادتها، يعتقد آخرون أن التكلفة الاقتصادية والسياسية كانت أعلى من المكاسب المتوقعة. ليبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت بريطانيا ستكتفي بإعادة بناء شراكة أقوى مع الاتحاد الأوروبي، أم أن السنوات المقبلة ستشهد بداية مسار سياسي طويل نحو العودة الكاملة خلال المرحلة القادمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض