في فجر غرة محرم 1400ه 20 نوفمبر 1979م، وفيما كان 50 ألف مصل وحاج، قد انتهوا من أداء صلاة الفجر بالحرم المكي الشريف، دقت آلات التيكرز في مقار الصحف ووكالات الأنباء العالمية حاملة خبرًا صعب التصديق، هو استيلاء مجموعة دينية مسلحة على الحرم، واحتجازها المصلين، وإعلانها ظهور المهدي المنتظر.
وبرغم مرور 47 سنة على الحادثة، إلا أني ما أزال - حتى الآن - أذكر تفاصيلها، كأنها حدثت بالأمس، لأني قبلها بأسبوعين فقط كنت أطوف بالكعبة طواف الوداع، بعدما مَنّ الله عليّ بالحج للمرة الثانية، ضمن بعثة حج جريدة "المدينة المنورة" بجدة، التي كنت مسئولًا عن الصفحات المحلية فيها، لذا ما أن علمت بنبأ الاقتحام حتى هرولت إلى الجريدة وقلبي يدق بشدة، وراجعت ما بثته وكالات الأنباء ومندوبي الجريدة بمكة المكرمة، من أخبار شحيحة، فالصورة لم تكن قد اتضحت، وكل ما علمناه أن مجموعة جهادية، أدخلت كمية كبيرة من الأسلحة إلى الحرم، بوضعها في نعوش بحجة الصلاة عليها، ووقتها لم يكن هناك تفتيش بالحرم للمصلين ولا النعوش، باعتبار حرمة الكعبة عند كل مسلم، لكن ما أن استقرت النعوش داخل الحرم، وانتهت صلاة الفجر التي أمها الشيخ محمد عبدالله السبيل، حتى فتحتها المجموعة، وأخرجت الأسلحة وأطلقت طلقات تحذيرية في الهواء، داعية المصلين والحجاج إلى الهدوء من أجل أمنهم، وأصدر قائد المجموعة جيهمان العتيبي أمره لرجاله، بإغلاق كافة أبواب الحرم، وعدم السماح بدخول أو خروج أحد، وصعد القناصة إلى المنابر لرد أي هجوم من السلطات، ووقف خالد اليامي أحد أعضاء المجموعة وألقى في الحضور خطبة قصيرة، قال فيها: إن الكثير من العلامات مهدت لظهور المهدي المنتظر، وإن مئات المسلمين رأوه في أحلامهم، وأعلن أن المهدي المنتظر ظهر وأنه محمد بن عبدالله القحطاني، وقام جهيمان وأتباعه بمبايعة المهدي المزعوم، داعيين الحضور للبيعة.
السلطات السعودية لم تستوعب حجم الحدث في البداية، وأرسلت سيارتي نجدة لاستطلاع الأمر، وبمجرد وصول السيارتين قرب الحرم المكي، انهال عليهما وابل من الرصاص، عندئذ أدرك المسئولون أن هناك حدثًا جللًا، فبادروا إلى إبلاغ القصر الملكي، كان الموقف عصيبًا فالملك خالد بن عبد العزيز لم يكن بصحة جيدة، والرجل القوي في الدولة ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز، كان يشارك في القمة العربية في تونس، والرجل الثالث الأمير عبدالله بن عبد العزيز، رئيس الحرس الوطني المسؤول عن حراسة الأمراء والقادة كان في المغرب، ولم يكن بجوار الملك سوى الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع، وجرى إرسال وحدات الحرس الوطني لاستعادة السيطرة على الحرم المكي، إلا أن هذه الوحدات أبيد كثير منها برصاص قناصي الجماعة، وهنا أدركت الدولة أنها أزاء وضع صعب، يستوجب التأنى والتدبير حفاظا على الأرواح، وعلى ما تمثله الكعبة بالنسبة للمسلمين، وتحركت هيئة كبار العلماء السعودية، وهيئات العلماء بالبلدان الإسلامية، رافضة احتجاز الحرم والمصلين رهينة، ومطالبة الجماعة بعرض مطالبها وترك الأمر للدولة.
ومع سخومة الأحداث، بدأت المعلومات تتدفق، فالمجموعة ترفض السياسة الداخلية للدولة جملة وتفصيلًا، وتراها دولة مارقة عن الإسلام، وأن الثروة التي حظت بها المملكة، أدت إلى شيوع المفاسد والابتعاد عن الله، واتضح أن المهدي المزعوم محمد بن عبد الله القحطاني، مجرد دمية في يد زوج أخته جيهمان العتيبي، وقد كان جهيمان منحرفًا في بدايته، يهرب المخدرات ويتاجر فيها، ثم تاب وأصبح مسلمًا ملتزمًا ووجد ملاذه في الدين، والتحق جنديًا بالحرس الوطني، واستفاد من تدريبه العسكري في تخطيطه للعملية، وتطرف وأسس جماعة أسماها "السلفية المحتسبة"، دخلت في مواجهات فقهية مع مشائخ المملكة، مما جعل السلطات تطاردها، بخاصة أن جيهمان تبنى أكثر الأفكار تطرفًا، ليداري على ضعف حصيلته الدينية لتواضع تعليمه، ومن خلال التطرف جمع حوله شباب ناقم من مختلف الجنسيات، رأوا فيه قائدًا وزعيمًا ملتزمًا، ثم تعرف على محمد بن عبد الله القحطاني، ورأى فيه الالتزام بالإسلام، وتزوج أخته ولعب برأسه وأوهمه أنه المهدي المنتظر، مستغلًا النصوص التي تقول إن اسم المهدي يوافق اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، وله جبهة عريضة وأنف نحيف ومدبب، وهي صفات المهدي في الأثر، وانصاع له القحطاني ربما عن اقتناع، وربما عن طمع أن يكون صادقًا، وكان ما كان ووقع الحدث الدامي.
أعود إلى أحداث الحرم لأقول إن المناوشات بين الجماعة وقوات الحكومة استمرت أسبوعين، وقام جيهمان بتحصين موقعه، وأحرق السجاد والإطارات المطاطية في ساحة الحرم، لتتصاعد سحب الدخان وتمنع الرؤية عن القوات الحكومية، وتحصن وأتباعه وراء الأعمدة، ثم خرجوا لمداهمة القوات التي حاولت اقتحام المكان، وتحول الحرم إلى ساحة قتال، وراح مئات من الضحايا جراء ذلك، أكثرهم من القوات الحكومية، وسرت في الشارع شائعات أن كل طلقة تطلقها الجماعة، تصيب جنديًا سعوديًا في مقتل، في إسقاط خاطئ للآية الكريمة "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ".
وإزاء هذه الخسائر الكبيرة التي منيت بها القوات الحكومية، صدرت فتوى من كبار علماء المملكة، تسمح للجيش باستخدام كل مستويات القوة، بما فيها القذائف الموجهة المضادة للدبابات والأسلحة الثقيلة، لدحر المسلحين الذين استولوا على الحرم، كما استعانت الحكومة السعودية بثلاثة مستشارين من وحدة فرنسية لمكافحة الإرهاب، تمركزوا في مدينة الطائف بقرب مكة المكرمة، لوضع خطة لإجبار الجماعة على الخروج من سراديب الحرم التي تحصنوا فيها، وتمحورت الخطة حول إطلاق الغاز في السراديب، لوضع المتحصنين بين خياري الموت اختناقًا، أو الخروج والإستسلام، ونجحت الخطة وانتهى احتلال الحرم مساء الثلاثاء 14 محرم 1400 هـ، الموافق 4 ديسمبر 1979 م، بخروج بموت معظم المهاجمين، وخروج الأحياء منهم ومن بينهم جيهمان العتيبي والقبض عليهم، وتبين أن المهدي المزعوم قتل برصاصة أصابته خلال المناوشات، وأن جيهمان أخفي خبر مقتله عن باقي رجاله، وبعد محاكمة استمرت قرابة شهر، أُعدم 63 شخصًا غاليتهم من السعوديين كان جهيمان أولهم، إضافة إلى مقاتلين آخرين من مصر، اليمن، الكويت، العراق، السودان، وباكستان، وتم الإعدام علنًا في ثماني مدن سعودية.. وانتهت أكبر فتنة عرفها الحرم في العصر الحديث، تسببت في وضع حرس على أبواب الحرمين، يفتشون الداخلين للصلاة أو الطواف، وتفتيش النعوش قبل إدخالها للصلاة علي أصحابها، ومنع دخول أية حقائب مع أي شخص.
وقيض لي زيارة الحرم عقب تحريره ضمن وفد من الصحفيين والإعلاميين، قبل إعادة ترميم وإصلاح الخراب الذي حل به، ورأيت كمًا هائلًا من الخراب في ساحته وسراديبه والمسعى، استغرق إصلاحها قرابة ثلاثة أشهر، منع خلالها دخوله، حتى أنتهى العمل، وعاد الحرم لزحامه بتوافد المصلين بعد طول اشتياق ليعمروه مرة أخرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض