الجميلي أحمد يكتب: نوافذ على المستقبل.. يفتحها زاهر السوسي للثقافة العربية
في المشهد الثقافي العربي أسماء كثيرة تعمل بصمت، لكنها تترك أثرًا يتجاوز ما تصنعه الأضواء والاحتفالات
ومن بين هذه الأسماء يبرز الكاتب والمثقف الفلسطيني زاهر السوسي، الذي ارتبط اسمه على مدى عقود طويلة بصناعة الكتاب والثقافة العربية، حتى أصبح واحدًا من الوجوه المعروفة لدى الناشرين والكتاب والمثقفين في مختلف أنحاء العالم العربي
منذ عام 1995 يعمل زاهر السوسي ضمن منظومة معرض الشارقة الدولي للكتاب، ذلك المشروع الثقافي الذي تحول من معرض للكتب إلى واحدة من أهم المنصات الثقافية العالمية وخلال هذه الرحلة الطويلة لم يكن مجرد موظف يؤدي عملًا إداريًا، بل كان شريكًا في بناء الجسور بين الناشرين والمؤلفين والمؤسسات الثقافية، ومسهمًا في تطوير البرامج الثقافية والمهنية التي جعلته في قلوب ومحبي الثقافة
ورغم انشغاله الدائم بالعمل الثقافي والمؤسسي، لم يتخل السوسي عن دوره ككاتب ومؤلف، فقدم عددًا من المؤلفات التي تعكس اهتمامه باللغة والثقافة وتنمية الوعي لدى الأجيال الجديدة
لكن ما يلفت الانتباه في تجربة زاهر السوسي ليس فقط سجله المهني الممتد لثلاثة عقود وإنما إيمانه العميق بأن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا يرتبط بالمعارض والندوات، بل هي مشروع إنساني متواصل يهدف إلى تقريب الناس من بعضهم البعض عبر الكتاب والمعرفة
هذا الإيمان تجسد مؤخرًا في إطلاقه منصة "نوافذ" الثقافية، وهي فكرة طموحة تسعى إلى جمع أطراف العملية الثقافية كافة داخل فضاء رقمي واحد فالمنصة لا تقتصر على الناشرين أو المؤلفين أو القراء، بل تفتح أبوابها للمؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية والموزعين والمهتمين بالشأن الثقافي، بما يجعلها أشبه بشبكة اجتماعية متخصصة في الثقافة والمعرفة
وتتميز المنصة بإتاحة إضافة الكتب وتقييمها ومراجعتها، وإبراز الجوائز الثقافية والكتب الفائزة بها، كما تمنح المؤسسات والجهات الثقافية مساحة للإعلان عن معارض الكتب والندوات والفعاليات المختلفة. والأهم من ذلك أنها تمنح المستخدمين فرصة التواصل المباشر فيما بينهم عبر نظام مراسلات داخلي، مع توفير أدوات الخصوصية والمتابعة وتكوين الشبكات الثقافية، لتصبح بحق منصة تجمع الفاعلين في المجال الثقافي العربي تحت سقف واحد
إن قيمة هذه المبادرة لا تكمن فقط في الجانب التقني، وإنما في الرؤية التي تقف خلفها فالثقافة العربية ظلت لعقود طويلة تعاني من تشتت الفاعلين فيها بين مؤسسات ومنصات ومواقع متعددة، بينما تحاول "نوافذ" أن تقدم نموذجًا جديدًا يقوم على الربط والتكامل وتبادل الخبرات والمعرفة
ولعل من يعرف زاهر السوسي عن قرب يدرك أن هذه الفكرة ليست مشروعًا عابرًا أو تجربة مؤقتة، بل امتداد طبيعي لشخصية آمنت دائمًا بالعمل الجماعي وبقدرة الثقافة على بناء العلاقات الإنسانية قبل بناء المؤسسات
فهو من أولئك الذين يفضلون صناعة الفرص للآخرين على البحث عن الأضواء لأنفسهم، ويعتبر نجاح أي مشروع ثقافي عربي نجاحًا شخصيًا له
في وقت تتراجع فيه المبادرات الفردية أمام صعوبات الواقع، يواصل زاهر السوسي تقديم نموذج المثقف العملي الذي لا يكتفي بالحديث عن أهمية الثقافة، بل يسعى كل يوم إلى ابتكار أدوات جديدة لخدمتها
ومن هنا تبدو منصة "نوافذ" خطوة جديدة في مسيرة رجل كرّس سنوات عمره لخدمة الكتاب والناشرين والمبدعين، مؤمنًا بأن الثقافة كانت وستظل نافذة العرب الأوسع نحو المستقبل
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض