نبض الكلمات
في الشارع المصري اليوم لا تسمع كثيرا من الكلام، لكن كثيرا من الصمت لوجوه متجهمة، عيون تراقب، ونقاشات تستكمل بنظرات لا بعبارات ، لم يعد الصمت خيارا مؤقتا أو حكمة عابرة، بل تحول إلى نمط حياة، ووإلى لغة غير مكتوبة يتقنها الجميع دون اتفاق مسبق. الخوف لم يعد صاخبا، بل صار هادئا، منظما، ومتمدّدًا في تفاصيل اليوم العادي ، الخوف الصامت لا يظهر في الهتاف أو الاحتجاج، بل في الامتناع ، امتناع المواطن عن إبداء رأيه، عن التعليق، عن المشاركة، عن السؤال. جمل مثل "خليك في حالك" و"وجع دماغ على الفاضي" لم تعد نصائح عائلية، بل صارت فلسفة عامة لإدارة الحياة. المواطن لم يعد يفتقد الجرأة فقط، بل فقد الإحساس بأن صوته يمكن أن يحدث فرقًا ،هذا الخوف لم يولد من فراغ، بل تراكم عبر سنوات من الصدمات المتتالية ،أزمات اقتصادية تضغط على الأعصاب، مشهد سياسي ضبابي، خطاب عام لا يحتمل الاختلاف، وتجارب قاسية علّمت الناس أن السلامة في الصمت لا في الكلام ، ومع الوقت أصبح الخوف ذاتيا، لا يحتاج إلى أوامر أو تهديدات مباشرة، لأن المواطن صار رقيبا على نفسه قبل أي جهة أخرى.
والأخطر من الخوف نفسه هو اعتياده ، حين يتعايش المجتمع مع الصمت بوصفه أمرًا طبيعيًا، تتآكل المساحات المشتركة، ويذبل الحوار العام ، والمقاهي التي كانت ساحات نقاش تحوّلت إلى أماكن لتفريغ الغضب في شؤون تافهة، ووسائل التواصل الاجتماعي صارت متنفسا مزيفا، يصرخ فيه الناس ثم يعودون إلى صمتهم الواقعي دون أثر، والخوف الصامت لا يحمي الاستقرار كما يُروج، بل يؤجّل الانفجار. مجتمع لا يتكلم هو مجتمع لا يُنصت له أحد، ومع تراكم الإحباط يتحول الصمت إلى غضب كامن، بلا قيادة ولا اتجاه ، هنا تكمن الخطورة الحقيقية ،غضب بلا لغة، واحتقان بلا قنوات، وناس فقدت الثقة في أن التعبير يمكن أن يكون آمنا أو مجديًا.
الشارع المصري اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الدعوات للتهدئة، بل إلى استعادة الثقة ،ثقة في أن الكلام ليس جريمة، وأن السؤال ليس خيانة، وأن الاختلاف ليس تهديدًا. كسر الخوف الصامت لا يبدأ بالصراخ، بل بإعادة فتح المجال العام، واحترام العقل، والاعتراف بأن المجتمعات لا تُدار بالصمت، بل بالحوار، لأن أخطر ما يواجه أي وطن، ليس الصوت العالي بل الصمت الطويل.
لم يعد الإحباط في الشارع المصري حالة نفسية عابرة، بل أصبح شعورًا عامًا يتقاسمه الناس دون اتفاق. السبب واضح ومباشر: ارتفاع جنوني في الأسعار التهم الأخضر واليابس، وحوّل حياة المواطن إلى سباق يومي من أجل البقاء. لم يعد السؤال كيف نعيش أفضل، بل كيف ننجو حتى نهاية الشهر، وكيف نوفّر لقمة عيش لا تزداد كلفتها مع كل صباح فالغلاء لم يضرب الكماليات فقط، بل اقتحم الضروريات بلا استئذان. الطعام، الدواء، المواصلات، فواتير الكهرباء والمياه، وحتى أبسط متطلبات الحياة، كلها ارتفعت دفعة واحدة، بينما ظل الدخل ثابتًا أو يتآكل بصمت. المواطن يعمل أكثر، يتعب أكثر، لكنه يحصل على أقل، وكأن جهده يُستنزف في معركة خاسرة ضد أرقام لا ترحم ، وفي ظل هذا الواقع، انشغل المواطن عن كل شيء آخر، السياسة تراجعت إلى الهامش، القضايا العامة صارت رفاهية، والأحلام الكبيرة اختفت، الأولوية أصبحت لتأمين اليوم قبل الغد، والبحث عن عمل إضافي بعد انتهاء العمل الأساسي، أو التفكير في الهجرة، أو تقليص الاحتياجات إلى الحد الأدنى. هكذا تحوّل المجتمع إلى أفراد مرهقين، كلٌّ منهم منشغل بمعركته الخاصة ، والأخطر أن هذا الضغط الاقتصادي ترك أثره العميق على النسيج الاجتماعي ، التوتر داخل البيوت ازداد، الخلافات الأسرية تصاعدت، والصبر صار عملة نادرة ، المواطن لم يعد غاضبا فقط، بل محبطا، والإحباط حين يطول يتحول إلى لا مبالاة، ولا مبالاة المجتمع أخطر من غضبه ، والدولة قد تتحدث عن أرقام ونسب ومؤشرات، لكن الشارع لا يشعر إلا بما يدفعه من جيبه ، حين يعجز المواطن عن التخطيط لمستقبله، وحين يصبح الغد أكثر غموضًا من اليوم، تتآكل الثقة، ويتراجع الإحساس بالأمان. الاقتصاد هنا لا يُقاس بالجداول، بل بقدرة الناس على العيش بكرامة.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض