الناصية
كل مجتمع توجد فيه دائمًا فجوة بين ما يشغل المواطن وما يشغل الدولة.. هذه الفجوة ليست بالضرورة دليلًا على التعارض، لكنها تعكس اختلافًا طبيعيًا لزاوية الرؤية... فالدولة تنظر إلى المستقبل البعيد، بينما ينظر المواطن إلى يومه التالى، الدولة تفكر فى المؤشرات الكلية، بينما المواطن يفكر فى فاتورة الكهرباء وسعر كيلو الطماطم!
وفى مصر تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحًا فى السنوات الأخيرة، فبينما تنشغل الدولة بملفات كبرى مثل تطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، وتأمين مصادر الطاقة، وإدارة التحديات الإقليمية، يظل المواطن منشغلًا بأسئلة أكثر مباشرة وهو محق فيها ولا يلام عليها: هل يكفى دخلى حتى نهاية الشهر؟ هل أستطيع دفع أقساط مدارس أبنائي؟ هل سأتمكن من شراء كل دوائي؟.. ولأن المواطن فى مصر محترف أزمات وياما دقت على الرؤوس طبول.. كان يستطيع أن ينقذ نفسه من الاكتئاب والمخاوف الوجودية بأسئلة لا إجابات لها بالهروب إلى النكت أما حاليا فيهرب إلى قضايا تافهة وكأنها مصيرية!
واللافت أن هذه الحيلة يمارسها المواطن باحترافية حتى لا يصاب بالجنون من كثرة التفكير حول الاختلاف التقليدى بين أولوياته وأولويات الدولة، وذلك بالانتقال ببراعة من قضية إلى أخرى ينشغل بها وكأنها حياة أو موت مع إنها تافهة وأقل أهمية من القضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبرى!
فقد انشغل المصريون ودخلوا فى معارك ساخنة فى الشوارع مع بعضهم بسبب الكلاب الضالة بين مؤيد لإطعامها ومدافع عن حقوقها، وبين من يرى أن الأولوية يجب أن تكون لحماية المواطنين من الكلاب.. ثم انتقلوا الى جدل جنونى حول «نظام الطيبات»، وانقسم الناس بين مؤيد يراه أسلوب حياة صحيًا، ومعارض يعتبره طرحًا غير علمى.. فلماذا ينشغل المواطن بهذه الصورة بالكلاب أو بنظام الطيبات، بينما هو أصلا يعانى تقليص حقوقه، وعدم قدرته على الوفاء بنظام طعام اسرته؟!
وأحد التفسيرات الممكنة أن المجتمع يلجأ أحيانًا، بصورة واعية أو غير واعية، إلى ما يمكن تسميته «الهروب إلى الجدل»، فمناقشة قضية مثل الكلاب الضالة أسهل كثيرًا من مناقشة أسباب التضخم، والاختلاف حول نظام غذائى أو أسلوب حياة أكثر بساطة من الخوض فى تعقيدات الاقتصاد أو التعليم أو سوق العمل.. فالمواطن يستيقظ كل يوم على أسئلة واضحة ومباشرة: كيف يواجه ارتفاع الأسعار؟ كيف يوفر احتياجات أسرته؟ كيف يتحمل تكاليف الدروس الخصوصية؟ وكيف يضمن مستقبل أبنائه فى ظل سباق مرهق يبدأ من المدرسة ولا ينتهى عند امتحانات الثانوية العامة؟.. ولأنه لا يملك إجابات ومؤمن بأن الحكومة نفسها لا تملك حلولا حقيقية وجذرية لهذه المشكلات يلجأ إلى آلية نفسية واجتماعية؛ تلجأ إليها غالباً العقول المرهقة بالضغوط اليومية بالبحث عن معارك رمزية أقل كلفة من مواجهة المشكلات الأكثر تعقيدًا حتى يستطيع النوم آخر الليل!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض