رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تكن واقعة رفض محل حلويات تزيين "تورتة" بصليب، ولا واقعة منع فريق مسرحي جامعي من تقديم عرضهم بدعوى أن "التمثيل حرام"، مجرد حوادث متفرقة أو زلات فردية؛ بل هي في الحقيقة أعراض لمرض مجتمعي يتفشى تحت عباءة التدين الظاهري والتشدد باسم الدين. وقد منحت منصات التواصل الاجتماعي هذه الأفكار مساحة للظهور بحرية، بل خلقت لها تيارًا داعمًا يسعى لتشكيل وعي جمعي متطرف.
بعيداً عن الجدل العقيم حول واقعة "التورتة والصليب" التي شغلت الرأي العام مؤخراً، توقفت كثيراً أمام ردود أفعال المواطنين، والتعليقات، والمنشورات التي ملأت السوشيال ميديا بين معارض ومؤيد. الحقيقة أن هذه الردود لم تفاجئني، بل جاءت كاشفة بوضوح عن طريقة تفكير شريحة لا يستهان بها؛ فهي ليست مجرد "خناقة" على السوشيال ميديا، بل مؤشر خطر على حالة من الاحتقان الفكري الذي يحتاج إلى وقفة جادة.
أما واقعة منع الفريق المسرحي الجامعي، فهي ناقوس خطر من نوع خاص؛ لأنها تضرب في عمق المؤسسات التعليمية التي من المفترض أن تكون حاضنة للفكر، وساحة للحوار، ومصنعاً للقوى الناعمة. ورغم أن هذه الواقعة تم تداركها بالتصالح وقبول اعتذار الجامعة للمخرج والطلاب، وقررت الجامعة إعادة تقديم العرض بدعم ورعاية كاملة منها، إلا أننا نؤمن بأن الجامعة منارة للتنوير، وأي فشل في استيعاب دورها هو سقوط لمستقبل أمة كاملة. عندما يتم وأد الفن داخل أسوار الجامعة، فإننا نغلق النوافذ أمام عقول الشباب، ونتركهم فريسة سهلة للفكر المنغلق الذي لا يرى في الاختلاف إلا عدواً، ولا في الفن إلا خطيئة، وهو ما يهيئ تربة خصبة لاستنبات بذور التشدد التي تهدد استقرار المجتمع وهويته الثقافية.
إن قراءتي لهذه "التريندات" المتلاحقة وتفاعل المتابعين عليها تعكس مستوى من الاحتقان والانغلاق أصاب شريحة كبيرة ممن يصنفون أنفسهم كأصحاب علم ورأي. فعندما يتحول "الرفض" إلى سلوك يومي، وعندما ينصب البعض أنفسهم أوصياء على العقيدة والفنون تحت لافتة "الحلال والحرام"، فإننا أمام تآكل حقيقي لمفهوم المواطنة والتعايش الذي قامت عليه الدولة المصرية.
الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه التصرفات بذاتها فحسب، بل في كيفية دراسة أعداء مصر لهذه الظواهر في سرية . إن القوى المتربصة بالوطن لا تراقب هذه المشاهد من أجل الترفيه، بل تقوم بتحليلها بدقة متناهية، لا بغرض العلاج، بل لاستغلالها كوقود لإشعال الفتن الداخلية. هم يدركون أن الطريقة الأسرع لتفكيك الدول ليست بالدبابات والمعارك العسكرية، بل بتأجيج الحروب الأهلية من الداخل، وهو ما نراه بوضوح في النماذج المحيطة بنا التي مزقتها الصراعات البينية.
كل "منشور" تحريضي، وكل منع لفن، وكل رفض لآخر بسبب رمزه الديني، هو ثغرة أمنية ينفذ منها الأعداء لبث الفوضى والفتنة التي تخدم أجندات تدمير البلاد. لذا، فإن مؤسسات الدولة، ومعها مراكز الفكر وصناع القرار، مطالبون بإدراك أننا في سباق مع الزمن؛ فقد انتقلت المعركة من أروقة السياسة إلى "لوحات مفاتيح" التواصل الاجتماعي، حيث يصاغ الوعي الجمعي بعيداً عن الرقابة العقلانية.
نحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية استباقية لمعالجة هذا الاحتقان قبل أن يتحول من "تريند" عابر إلى واقع يومي يعطل حركة المجتمع. نحتاج إلى خطاب يواجه الفكر بالفكر، فلا يمكن مواجهة التشدد بالصمت، كما نحتاج إلى استراتيجية مبدعة تواجه العاطفة بالوعي، والخرافات بالدين المستنير، والتعصب بالثقافة وقبول الآخر.
يجب أن يدرك المواطن قبل المسؤول أن أي تفريط في قيم التسامح والمواطنة هو تمهيد لطريق طويل من الحروب الداخلية التي لن يسلم منها أحد. وبهذا، نقدم مصر على طبق من فضة للأعداء الذين حاولوا عبر العصور إسقاطها وفشلوا في كل محاولاتهم سواء بالفتنة أو بالشائعات، فلا تجعلوهم ينجحون اليوم بأيديكم.
إن الفكر الاستراتيجي الغربي في أدبيات الحرب غير التقليدية (حروب الجيل الخامس) يقول: "إذا أردت أن تهزم عدوًا قوياً يصعب كسر شوكته عسكرياً، فلا تحاربه بجيوشك، بل ازرع الفتنة بين أبنائه، واجعلهم أدوات تدمير بعضهم البعض". هذه القاعدة هي التي تحرك اليوم القوى المتربصة بمصر؛ فهم يدركون أننا نمتلك جيشًا قويًا، لكنهم يراهنون على تفتيت الجبهة الداخلية. إنهم يراقبون من خلف الشاشات كل تصدع في نسيجنا الاجتماعي، ويغذون التريندات المثيرة للجدل، ويضخمون دعاوى التكفير ومنع الفنون، ليحولوا المجتمع إلى كتل متنافرة تنهش في جسد الوطن، ليحققوا غايتهم بأبخس الأثمان وبأيدي أبنائها.
المسألة ليست "تورتة" أو عرضاً مسرحياً، بل هي هوية وطن وقضية أمن قومي وفكري، الحفاظ على نسيج المجتمع هو خط الدفاع الأول. ومن هنا، نطالب صناع القرار بإنشاء إدارة خاصة للتعامل مع قضايا منصات التواصل الاجتماعي بأسرع وقت، ووضع استراتيجية للرد تعتمد على التحليل والمنطق، وتوظف الدين المستنير والعاطفة والثقافة، لمواجهة هذه الظواهر قبل أن تتفاقم ويستغلها الأعداء لتنفيذ مخططاتهم التخريبية.