رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

في السنوات الأخيرة شهد العالم تحولا جذريا في طريقة تداول الأخبار وصناعة الرأي العام حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اللاعب الأبرز في تشكيل اهتمامات الناس وتوجيه النقاشات العامة، ولم يعد المواطن ينتظر صحيفة الصباح أو نشرة الأخبار المسائية لمعرفة ما يحدث حوله بل أصبحت الأخبار تصل إليه في ثوان معدودة عبر هاتفه المحمول.

هذا التحول الكبير أفرز ظاهرة جديدة تعرف باسم "الترند" وهي حالة من الانتشار السريع لموضوع أو حدث أو شخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث تتحول خلال ساعات إلى محور حديث الملايين.

ومع مرور الوقت لم يعد الترند مجرد انعكاس لاهتمامات الجمهور بل أصبح صناعة قائمة بذاتها لها أدواتها وخبراؤها ومستثمروها
لقد نجحت السوشيال ميديا في كسر احتكار المعلومة الذي استمر لعقود طويلة بيد المؤسسات الإعلامية التقليدية.

فأصبح بإمكان أي شخص يمتلك هاتفاً واتصالاً بالإنترنت أن يصنع محتوى يصل إلى ملايين المتابعين دون الحاجة إلى مؤسسة إعلامية أو ميزانية ضخمة، وهذا منح مساحة واسعة للتعبير عن الرأي وكشف العديد من القضايا التي ربما لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي في وسائل الإعلام التقليدية.

لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة يثير العديد من التساؤلات، فالسعي وراء الترند أدى في كثير من الأحيان إلى تراجع معايير المهنية والدقة لصالح السرعة والإثارة.

وأصبح البعض يبحث عن المشاهدات والتفاعلات بأي وسيلة حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة أو القيم المجتمعية، وتحولت بعض المنصات إلى ساحات لنشر الشائعات والمعلومات غير الموثقة التي تنتشر بسرعة تفوق قدرة الجهات المختصة على تصحيحها
وفي الجانب الاقتصادي فتحت السوشيال ميديا أبواباً واسعة للكسب السريع.

فقد أصبح المحتوى الرقمي مصدراً للدخل من خلال الإعلانات والبث المباشر والتسويق الإلكتروني والتعاون مع الشركات، وظهرت فئة جديدة تعرف بصناع المحتوى والمؤثرين الذين يحقق بعضهم دخلاً يفوق ما تحققه مؤسسات إعلامية كاملة.

غير أن الكسب السريع خلق أيضاً حالة من المنافسة الشرسة دفعت البعض إلى صناعة أحداث وهمية أو افتعال أزمات أو تقديم محتوى مثير للجدل فقط من أجل زيادة نسب المشاهدة.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي هل أصبح الهدف هو تقديم محتوى مفيد يخدم المجتمع أم مجرد تحقيق الأرباح؟
أما الصحافة التقليدية فرغم التحديات الكبيرة التي تواجهها، فإنها ما زالت تمتلك عناصر القوة الأساسية المتمثلة في التحقيق والتدقيق والتحرير المهني والالتزام بالمعايير الأخلاقية.

فالصحفي المحترف لا يكتفي بنقل الخبر بل يتحقق من مصادره ويضعه في سياقه الصحيح ويقدم تحليلا يساعد الجمهور على الفهم.

الحقيقة أن السوشيال ميديا لم تلغ الصحافة لكنها غيرت قواعد اللعبة، فالمنصات الرقمية أصبحت وسيلة سريعة لنقل الأحداث بينماً تظل الصحافة الجادة المرجع الأساسي للتحقق والتفسير والتحليل.

ومن هنا فإن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة إلغاء بقدر ما هي علاقة تكامل وصراع في الوقت نفسه.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس نقص المعلومات بل وفرتها المفرطة دون ضوابط.

فالمواطن أصبح محاصراً بكم هائل من الأخبار والآراء والمقاطع المصورة، وأصبح من الصعب أحياناً التمييز بين الحقيقة والشائعة وبين الخبر والتحريض، وبين الرأي والمعلومة.

وفي النهاية يبقى السؤال مطروحا هل أصبحت السوشيال ميديا بديلاً للصحافة؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن السوشيال ميديا أصبحت منصة ضخمة لنشر الأخبار وصناعة الترند لكنها لا تستطيع أن تحل محل الصحافة المهنية التي تقوم على البحث والتحقق والمسؤولية.

فالمجتمعات التي تفقد صحافتها الجادة تصبح أكثر عرضة للتضليل مهما امتلكت من منصات رقمية وملايين المتابعين.