رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كأس العالم 2026

كأس العالم 1990..أوبرا الملاعب وسيمفونية الدفاع وثأر الألمان من مارادونا

بوابة الوفد الإلكترونية

وسط أجواء احتفالية مبهرة وتنظيم إيطالي استثنائي، استضافت إيطاليا نهائيات كأس العالم 1990 في نسخة ما زالت حاضرة بقوة في ذاكرة كرة القدم العالمية لكنها بقيت مرتبطة بمفارقة لافتة؛ فبينما أبهرت الجماهير بملاعبها الحديثة وحفلها البصري الساحر، جاءت المنافسات داخل المستطيل الأخضر أقل إثارة، في بطولة هيمنت عليها النزعة الدفاعية وشهدت أحد أدنى المعدلات التهديفية في تاريخ المونديال.

وفي ختام المشهد، نجحت ألمانيا الغربية في تحقيق ثأر طال انتظاره من الأرجنتين ودييجو مارادونا، وانتزعت لقبها العالمي الثالث بعد أربع سنوات من خسارة نهائي مكسيكو 1986 أمام المنتخب ذاته.

إيطاليا تبهر العالم

حصلت إيطاليا على حق استضافة كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها بعد نسخة 1934، متفوقة على الاتحاد السوفياتي في سباق التصويت وسعت السلطات الإيطالية إلى تقديم بطولة استثنائية تعكس مكانة البلاد الكروية، فشهدت المدن المستضيفة عمليات تطوير واسعة لعشرة ملاعب رئيسية، يتقدمها الملعب الأولمبي في روما وملعب سان سيرو في ميلانو.

كما عرفت البطولة طفرة تقنية مهمة، إذ كانت من أوائل النسخ التي استفادت من تقنيات البث التلفزيوني المتطورة آنذاك، فيما تحولت الأغنية الرسمية التي ارتبطت بصوت التينور الإيطالي الشهير لوتشيانو بافاروتي إلى واحدة من أكثر الألحان الخالدة في تاريخ كأس العالم.

كرة قدم حذرة ومتعة غائبة

رغم النجاح التنظيمي المبهر، عانت البطولة من فقر هجومي واضح فقد بلغ معدل التسجيل 2.21 هدف فقط في المباراة الواحدة، وهو من أدنى المعدلات في تاريخ النهائيات، بينما سيطر الأسلوب الدفاعي والحسابات التكتيكية المعقدة على معظم المواجهات.

وأثارت طبيعة اللعب المحافظة انتقادات واسعة دفعت الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى مراجعة بعض القوانين في السنوات اللاحقة، فتم اعتماد قاعدة منع حراس المرمى من التقاط الكرات المعادة عمداً من زملائهم، كما جرى تعديل نظام النقاط بمنح الفائز ثلاث نقاط بدلاً من اثنتين، سعياً لتشجيع اللعب الهجومي وزيادة الإثارة.

ثأر ألماني في نهائي مثير للجدل

شهد النهائي إعادة لمواجهة مونديال 1986 بين ألمانيا الغربية والأرجنتين، إلا أن السيناريو جاء مختلفاً تماماً هذه المرة. فمارادونا، الذي أسر قلوب العالم في المكسيك، وجد نفسه تحت رقابة صارمة من المدافع الألماني غيدو بوخفالد، الذي نجح في الحد من خطورته طوال المباراة.

وبينما اتجه اللقاء نحو التعادل، احتسب الحكم ركلة جزاء أثارت الكثير من الجدل قبل خمس دقائق من النهاية، انبرى لها أندرياس بريمه بنجاح ليمنح منتخب ألمانيا الغربية الفوز بهدف دون مقابل، ويقوده إلى منصة التتويج العالمية.

واتسمت المباراة بتوتر كبير، إذ أكملت الأرجنتين اللقاء بتسعة لاعبين بعد حالتي طرد، فيما شكلت دموع مارادونا عقب صافرة النهاية واحدة من أكثر الصور تأثيراً في تاريخ كأس العالم، بعدما فشل في الاحتفاظ باللقب الذي توج به قبل أربع سنوات.

نابولي بين مارادونا وإيطاليا

في واحدة من أكثر القصص إثارة خلال البطولة، وجدت مدينة نابولي نفسها منقسمة عاطفياً عندما اصطدمت الأرجنتين بإيطاليا في نصف النهائي على ملعب سان باولو.

وحاول مارادونا استفزاز جماهير المدينة الجنوبية، مذكراً إياها بما وصفه بالنظرة المتعالية التي يتعامل بها الشمال الإيطالي مع الجنوب ورغم الشعبية الجارفة التي تمتع بها نجم نابولي فإن غالبية الجماهير وقفت في نهاية المطاف خلف المنتخب الإيطالي.

لكن الحلم الإيطالي توقف عند هذا الدور بعدما خسرت كتيبة المدرب أزيليو فيتشيني بركلات الترجيح، لتتحول الآمال الكبيرة في التتويج على أرض الوطن إلى خيبة أمل جماعية.

سكيلاتشي.. البطل غير المتوقع

أحد أبرز عناوين مونديال 1990 كان التألق الاستثنائي للمهاجم الإيطالي سالفاتوري سكيلاتشي فالمهاجم الذي دخل البطولة دون ضجيج إعلامي كبير، بل وبدأها احتياطياً، تحول إلى نجم الجماهير الأول بعد تسجيله ستة أهداف منحته لقب الهداف وأوصله إلى مكانة أسطورية في تاريخ الكرة الإيطالية.

الكاميرون تكتب التاريخ

وعلى الجانب الآخر، حملت البطولة واحدة من أجمل الحكايات الأفريقية في تاريخ كأس العالم فقد أصبحت الكاميرون أول منتخب أفريقي يبلغ الدور ربع النهائي، مقدمة عروضاً أبهرت العالم وأكدت تطور الكرة في القارة السمراء.

وكان المخضرم روجيه ميلا، البالغ من العمر 38 عاماً، رمز هذه المغامرة التاريخية، بعدما سجل أربعة أهداف وقدم أداءً استثنائياً، فيما تحول احتفاله الراقص بجوار الراية الركنية إلى أيقونة خالدة في ذاكرة المونديال.

واستهلت الكاميرون مشوارها بإحدى أكبر مفاجآت البطولة عندما أسقطت الأرجنتين حاملة اللقب في المباراة الافتتاحية، قبل أن تودع المنافسات بشق الأنفس أمام إنجلترا بعد مباراة مثيرة امتدت إلى الوقت الإضافي.

حادثة ريكارد وفولر

ولم تخل البطولة من المشاهد المثيرة للجدل، إذ شهدت مواجهة ألمانيا الغربية وهولندا في الدور الثاني واحدة من أشهر الوقائع الانضباطية في تاريخ كأس العالم، عندما وقعت مشادة بين فرانك ريكارد ورودي فولر انتهت بقيام اللاعب الهولندي بالبصق على منافسه الألماني، في لقطة بقيت عالقة في ذاكرة الجماهير لعقود طويلة.

بكنباور يدخل التاريخ

ومع إسدال الستار على البطولة، خطف فرانتس بكنباور الأضواء مجدداً بعدما قاد ألمانيا الغربية إلى المجد العالمي من على مقاعد التدريب، ليصبح أول شخصية في تاريخ كرة القدم تحقق لقب كأس العالم لاعباً ومدرباً.

وبذلك أسدل الستار على مونديال جمع بين الفخامة التنظيمية والذكريات الخالدة من جهة، والتحفظ التكتيكي وندرة المتعة الهجومية من جهة أخرى، ليبقى كأس العالم 1990 واحداً من أكثر النسخ إثارة للجدل والتناقض في تاريخ اللعبة.