الحكايات الأسطورية للنباتات في مصر القديمة
كان لنهر النيل دوره فيما عرفته مصر من النباتات وفنون الزراعة في الأزمنة القديمة، ولما كان قدماء المصريين يعيشون على جانبي النهر، فقد كانت الزراعة أحد الأعمدة التي قامت عليها حضارتهم، حيث برع المصري القديم في تمهيد الأرض وإعدادها للزراعة قبل آلاف السنين، وشق المزارعون في مصر القديمة شبكات من الترع والقنوات التي حرصوا على صيانتها لتقيهم من مخاطر الفيضان المرتفع، والمساعدة في رفع الماء إلى مستويات لا تستطيع مياه النهر الوصول إليها، ووفروا الكثير من الأدوات التي تُساعدهم على تحقيق ذلك.
ويقول علماء المصريات، إن نهر النيل وما عرفته مصر من فنون الزراعة وأنواع النباتات، كان من العوامل التي مكّنت قدماء المصريين من بناء واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية.
المصري القديم يقيم على جانبي نهر النيل، فقد ارتبط ارتباطا كبيراً بالنباتات

ولما كان المصري القديم يقيم على جانبي نهر النيل، فقد ارتبط ارتباطا كبيراً بالنباتات التي وظّفها في تحقيق متطلبات حياته من ملبس ومأكل وغير ذلك، وكما حضرت النباتات في حياته اليومية، حضرت أيضاً في حكاياته وأساطيره.
وفي كتابه "غرس المعرفة ونبت الإبداع.. حكايات من مصر القديمة "، يستحضر الدكتور أحمد بهي الدين، صورة النباتات وحكاياتها الأسطورية في مصر القديمة، ويتتبّع أثرها في الحضارة المصرية القديمة، ويُلخص الكثير من القصص التي تروي جوانب من تفاصيل تلك العلاقة التي ربطت الإنسان المصري القديم بالنباتات.

وفي مقدمة الكتاب الصادر عن معهد الشارقة للتراث، يقول "بهي الدين"، إن البحث عن النباتات وأثرها في الحضارة المصرية القديمة بعامة يطول ليتسع لمتون كبيرة، ويُشير إلى حضور النباتات فيما صاغة المصري القديم من أدوات في حياته اليومية، وعمارته التقليدية التي سكنها، وعمله في الحقل، وعلاقته بماشيته، وتجهزه لاستقبال الحياة الأخروية.
لكن المؤلف اختار أن يتناول بالدراسة والبحث علاقة النباتات بالمعرفة غير الملموسة، والإبداع الأدبي الشفاهي بالمعتقد، والحكايات الشعبية وغيرها من صنوف الأدب المصري، الذي يشكل كله جزءاً كبيراً من التقاليد الشفاهية والأدب الشعبي، ولا يزال الكثير منها حياً في الإبداع الشعبي المصري وإن اتخذ أشكالاً نوعية دالة على حيوية مضمونة، وتجدد وظائفه.
ويدلنا كتاب "غرس المعرفة ونبت الإبداع.. حكايات من مصر القديمة "، على أن الذاكرة الشعبية الإنسانية تمتلك ميراثاً شفاهياً حياً لكل ما يحيط بها من مفردات حياتها اليومية سواء أكانت ملموسة أم غير ملموسة، وأن هذا الميراث يجسد مخزونها الثقافي المُشكّل لدورها الحضاري في بناء الحضارة الإنسانية.
وبحسب الكتاب، فإن هذ الميراث الشفاهي يتأسس على ركائز تراثية تضرب بجذورها في أغوار التاريخ ما يكسبه أصالته، ويمنحه استمرارية مقترنة بوظائفه المنوطة به.
ونتعرف من الكتاب، أنه كانت هناك ثمة نظرة بائدة إلى التراث الثقافي غير المادي، وبخاصة في القرن الماضي، بأنه يعالج أفكاراً وتصورات وعادات قديمة قد لا تستقيم مع طفرات التحديث التي مرَّ بها، وأنه بعد ظهور الثورة الصناعية، ونشوء مجتمعات المعرفة باتت الحاجة ماسة إلى التراث الحي، باعتباره بوتقة للإبداع والمعرفة الإنسانية؛ فقد أعيد اكتشاف وظائف جديدة لعناصره قادرة على الإسهام في الاقتصاد الجديد، والمشاركة في التنمية المستدامة، وخلق سياقات حاضنة للحوار الإنساني الفعلي والافتراضي، واحتضان التنوع الثقافي.
وبحسب كتاب الدكتور أحمد بهي الدين، فإن هذا الميراث الحي يمتد ليشمل مفردات الحياة اليومية كلها؛ وذلك لكونه يُعبّر عن وظائف حيوية ترنو في الأساس إلى دعم استمرارية المجتمعات الإنسانية في الارتقاء بوجودها على الأرض، عبر تراكم معرفي خلاق وبناء ما يجعل التراث الحي قادراً على مواكبة التحديث؛ إذ ليس ما ينتجه التراث الحي أثريات حفرية بائدة؛ بل معرفة متجددة تحفظ هوية الإنسان، وتصون تماسك المجتمعات.
وننقل من الكتاب قول مؤلفه عندما نتتبع عنصراً من عناصر التراث الحي نجده متشابكاً مع بقية عناصره ومفرداته، فحالة الجمعية التي يتميز بها الإبداع التقليدي تنسحب على المادة التي يتشكّل منها هذا الإبداع، فلا حياة لعنصر تراثي منفرداً؛ ذلك أنه يعيش في تناغم وانصهار دائب؛ فعندما نتلمس النبات، على سبيل المثال، وإسهامه في التراث الحي للبشرية نراه متوغلاً في فسيفساء الإبداع كلها من آداب وطقوس واحتفالات وعمارة وتاريخ شفاهي إلى آخره من التراث الإبداعي الملموس وغير الملموس.
ولهذا فإن المؤلف ذهب إلى التأكيد على أنه ليست ثمة أسبقية أو أفضلية لعنصر من عناصر الحياة على الآخر، وإنما لكل صنف دور يقوم به، وأن هذا يُمثّل أحد قيم التراث الراسخة، وهي أن كل شيء في هذه المعمورة في احتياج إلى غيره.
ومن خلال عناوين موضوعات كتابه "غرس المعرفة ونبت الإبداع.. حكايات من مصر القديمة"، التي نذكر منها: "البناتات في الأسطورة المصرية، والنبات وقيم الفلاح، والفلاح وبلاغة الحكاية ، ونباتات من أرض الخلد في حكاية الملاح الغريق، قصة الأخوين، يُبيّن الدكتور أحمد بهي الدين، أن المتأمل في النبات وعلاقته بالتراث الثقافي يجده ماثلاً في الإبداع البشري الملموس وغير الملموس منذ الأزل، فكل إبداع استلهم النبات ورموزه في مختلف أمور حياته وفي أنساقه الثقافية؛ فلا يخلو يوم للإنسان من دون أن يكون صنف من صنوف النبات موجوداً فيه.
وكما يقول "بهي الدين"، فإن هذه الحالة أوجدت كثرة في دلالات النباتات في التراث الثقافي للبشرية؛ ما يضع الباحث أمام كم معرفي وفير، يجعله في حيرة من التقاط اتجاه راصد لما رسخته النباتات من أثر في إبداع البشرية الثقافي، وبخاصة إذا تعلق الأمر بالنظر في إبداع الحضارات القديمة التي ما زالت عناصرها الثقافية متصلة وحية في عالمنا المعاصر، كالحضارة المصرية القديمة التي اتسمت بالشمولية في استلهام المخلوقات والطبيعة بعامة، وهي ترسم سماتها الثقافية الخاصة بها.
وتوقف مؤلف كتاب "غرس المعرفة ونبت الإبداع.. حكايات من مصر القديمة"، عند أبرز ما تفردت به الحضارة المصرية القديمة من خصائص ثقافية، ولفت إلى ان الحضارة المصرية القديمة كانت حضارة معرفية في الأساس، وأن المعرفة والعلم والإبداع التي أوضحها علم المصريات دالة في مجملها على تمكن من توظيف مفردات الطبيعة في تشكيلها لميراثها الذي حملته لنا نقوش المعابد والهياكل، وكذلك لفائف البردي. وأن النباتات كان لها دور بالغ الأهمية فيما صاغته وعرفته الحضارة المصرية القديمة من أساطير وعلوم معتقدات ومعارف متعلقة بالطبيعة والكون.
ولعل الحضور الأسطوري للنباتات في حياة قدماء المصريين، وحكاياتهم، ونصوصهم التي سجلوها على أوراق البردي وجدران المعابد والمقابر، يرجع إلى المكانة التي احتلها النباتات في حياتهم اليومية، ومعرفتهم بالكثير من أنواع المحاصيل الزراعية التي ظلت باقية حتى اليوم، مثل القمح الذي عرفوه منذ أقدم العصور، وكانوا يحتفلون بموسم حصاده الذي كان مناسبة للفرح والإحتفال.
كما عرفوا الشعير الذي كان يصنع من "الجعة"، كما عرفوا الذرة الرفيعة وصنعوا منها الكثير من أنواع الخبز.
وعرف قدماء المصريين من البقول: الفول، والعدس، والحمص، والترمس، والجلبان، وكما يقول المؤرخ اليوناني هيرودوت فإن العدس كان من أهم أطعمة بناة الأهرام.
ومن النباتات التي عرفها قدماء المصريين أيضا: الفول الذي كانوا يصنعون منه طبق البصارة الذي يعرفه المصريون حتى اليوم، واستعملوه كذلك طعاماً لماشيتهم مع الجلبان والبرسيم، كما عرفوا الملانة التي كانوا يأكلونها في عيد شم النسيم أوالربيع، وقد صنعوا الزيوت من بعض النباتات مثل الكتان، والخروع، والخس، وثمار الزيتون وغيرها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
