في لحظة تاريخية فارقة، تخرج علينا صحيفة “هآرتس” العبرية بمقال وقعه قلم الكاتبة “كارولينا لاندسمان” في عددها الصادر بتاريخ 2 مايو 2024، تحت عنوان صادم يحمل في طياته نذير الفناء، حيث ترسم لاندسمان صورة قاتمة لما آلت إليه الأوضاع في الداخل الإسرائيلي.
هذا المقال الذي يمكن مطالعته عبر الرابط الإلكتروني للصحيفة (Haaretz.co.il)، يضع الإصبع على جرح نازف، معتبراً أن “بنيامين نتنياهو” قد نجح بالفعل في تحويل الدولة إلى ملكية خاصة، مختصراً مؤسساتها في شخصه، وهو ما يعني ببساطة أن سقوط الرجل ليس مجرد حدث سياسي، بل هو إعلان عن تفكك الجسد الذي تغلغل فيه المرض لسنوات طويلة.
إننا أمام قراءة لا تتحدث عن صراع أحزاب، بل عن “حبل مشنقة” يلتف حول عنق الكيان، في مشهد يذكرنا بلحظات انكسار الإمبراطوريات حين يقرر القائد أن يحرق المعبد بمن فيه إذا ما أحس بدنو الأجل.
إن ما طرحته لاندسمان ليس مجرد انفعال لحظي، بل هو تشريح دقيق لعملية استمرت لأكثر من عقدين من الزمان. لقد استطاع بنيامين نتنياهو، عبر دهاء سياسي غير مسبوق، أن يقنع قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي بأن بقاءه هو الضمان الوحيد لبقائهم. هذه المعادلة التي رفعت شعار “الدولة هي أنا“، أدت في النهاية إلى نتيجة كارثية؛ وهي ذوبان الفوارق بين المصالح الشخصية لرئيس الوزراء وبين المصالح الاستراتيجية للدولة.
حين نبحث في العمق التاريخي لهذه الظاهرة، نجد أن الدول التي تربط مصيرها بشخص واحد تنتهي دائماً إلى التفكك بمجرد اهتزاز هذا المركز. لقد عمل نتنياهو على إضعاف كل ما يمكن أن يقف في وجه طموحه، فكان القضاء هو الهدف الأول، والجيش هو الضحية الثانية، والنسيج الاجتماعي هو الثمن الذي دفعته إسرائيل مقابل بقاء “الملك” على عرشه. إن “التفكيك الممنهج” الذي تتحدث عنه الكاتبة لم يكن صدفة، بل كان خطة عمل تهدف لضمان عدم وجود بديل، مما جعل الدولة برمتها رهينة لقرار رجل واحد يرى في السجن نهايته، وفي استمرار الحرب وسيلته الوحيدة للنجاة.
من أكثر النقاط إثارة للدهشة والتحليل في رؤية لاندسمان، هي تلك الرسالة الموجهة للمعارضة الإسرائيلية. فهي ترى أن قادة المعارضة، وبحسن نية أو بسذاجة سياسية، يرتكبون خطأً فادحاً حين يعلنون ولائهم للدولة ومؤسساتها في شكلها الحالي. هذا الولاء، في نظرها، هو ما يمنح نتنياهو الشرعية التي يحتاجها للاستمرار.
إن التماهي مع مؤسسات باتت مفرغة من محتواها، وتحت سيطرة كاملة من تيار اليمين المتطرف الذي يقوده نتنياهو، يجعل من المعارضة مجرد ديكور في مسرحية هزلية. فالورم الخبيث قد انتشر بالفعل في الجسد، ومحاولة “ترميم” المؤسسات مع بقاء رأس السلطة هي محاولة لنفخ الروح في جسد ميت إكلينيكياً.
إن اليأس الوجودي الذي يسيطر على النخب الصهيونية اليوم ينبع من إدراكهم المتأخر بأنهم قد فقدوا السيطرة على دفة القيادة، وأن السفينة تتجه بسرعة نحو الصخرة، بينما القبطان مشغول بتأمين قارب نجاته الخاص.
لطالما افتخرت إسرائيل بأن جيشها هو “جيش الشعب” وأن قضاءها هو “الحصن المنيع” للديمقراطية، لكن الواقع الذي نعيشه اليوم يثبت عكس ذلك. لقد نجح نتنياهو في زرع بذور الشك والفرقة داخل أروقة المؤسسة العسكرية، وجعل من الولاء الشخصي معياراً للترقي، مما أدى إلى حالة من التخبط وعدم اليقين. أما القضاء، فقد تعرض لحملة تشويه ممنهجة جعلت القضاة يرتعدون خوفاً من غوغاء الشارع الموالين للسلطة.
هذا التفكيك لم يقتصر على الداخل، بل امتد ليعزل إسرائيل دولياً. إن المشهد الذي نراه اليوم من إدانة دولية واسعة، وعزلة لم يسبق لها مثيل، هو النتيجة الطبيعية لسياسة “الرجل الواحد” الذي لا يهتم بسمعة دولته بقدر اهتمامه بتحالفاته اليمينية المتطرفة التي تضمن له الأغلبية في الكنيست. إن العالم لم يعد يرى في إسرائيل تلك الدولة التي تسوق لنفسها كـ”واحة للديمقراطية“، بل يراها دولة منبوذة تديرها عقلية انتقامية ضيقة.
إذا ما حاولنا استشراف المستقبل بناءً على هذه المعطيات، فإننا نجد أنفسنا أمام سيناريوهات كلها تؤدي إلى نتيجة واحدة: التفكك. إن رحيل نتنياهو الوشيك، سواء عبر الصناديق أو عبر المحاكم، لن يكون نهاية الأزمة، بل سيكون بداية الانفجار الكبير. الفراغ الذي سيتركه رجل استأثر بكل السلطات سيكون هائلاً، والمجتمع الممزق لن يجد ما يجمعه من جديد.
إن إسرائيل التي عرفها العالم منذ عقود قد انتهت بالفعل، وما نراه الآن هو مجرد أطلال تحاول الصمود أمام رياح التغيير العاتية. إن النبوءة التي فجرتها لاندسمان ليست مجرد كلمات في مقال، بل هي صرخة تحذير من قلب الكيان، تؤكد أن “القدر الصادم” أصبح واقعاً ملموساً.
إن ما يحدث اليوم في الداخل الإسرائيلي ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو صراع على ما تبقى من فكرة الدولة التي تآكلت من الداخل، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يدرك العالم أننا بصدد مشاهدة الفصل الأخير من مسرحية طويلة، أم أن هناك من لا يزال يؤمن بإمكانية إحياء الجسد الميت؟ إن الإجابة تكمن في تفاصيل الأيام القادمة التي لن ترحم أحداً.
الخلاصة
لقد وصلت الحالة السياسية والاجتماعية في الداخل الإسرائيلي إلى نقطة اللاعودة، حيث أصبحت الدولة ومؤسساتها رهينة في يد شخص واحد يرى في بقائه الشخصي مبرراً وحيداً لوجود الكيان. إن التفكك الذي أصاب النسيج الداخلي والجيش والقضاء ليس أزمة عابرة، بل هو انهيار هيكلي شامل ينذر بنهاية الحقبة التي عرفها العالم لإسرائيل.
- نتنياهو لم يعد مجرد رئيس وزراء، بل أصبح هو “الدولة” وتفككه يعني تفككها.
- المؤسسات التي كانت تسمى سيادية أصبحت مجرد أدوات في يد السلطة المطلقة.
- المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من التمزق واليأس الوجودي غير المسبوق.
- العزلة الدولية الحالية هي الحصاد المر لسنوات من السياسات الرعناء.
- المستقبل القريب لا يحمل حلولاً، بل ينذر بانفجار الصراعات الداخلية الكبرى.
المصدر الأساسي:
المقال: “حبل المشنقة يلتف حول عنق الدولة“
الكاتبة: كارولينا لاندسمان
الناشر: صحيفة هآرتس العبرية (Haaretz)
التاريخ: 2 مايو 2024
رابط المقال: www.haaretz.co.il/opinions
وكالات أنباء غطت الموضوع:
وكالة “رويترز” (Reuters): تقرير بعنوان “الانقسام الداخلي الإسرائيلي يصل إلى ذروته”، بتاريخ 2 مايو 2024، الساعة 10:00 صباحاً بتوقيت شرق المتوسط.
وكالة “فرانس برس” (AFP): تحليل بعنوان “أزمة الثقة في المؤسسات الإسرائيلية”، بتاريخ 2 مايو 2024، الساعة 01:30 ظهراً بتوقيت شرق المتوسط.
وكالة “أسوشيتد برس” (AP): تقرير بعنوان “مستقبل نتنياهو ومصير الدولة العبرية”، بتاريخ 3 مايو 2024، الساعة 09:00 صباحاً بتوقيت شرق المتوسط.
المصادر والمراجع التى يمكن للقارئ الرجوع اليها لمزيد من المعلومات والبحث
- كتاب “نتنياهو: حياته وأزمانه”، تأليف أنشيل بفيفر، دار نشر كولينز، ص 342، 2018.
- دراسة “تآكل الديمقراطية الإسرائيلية في عصر اليمين”، مركز القدس للشؤون العامة، فريق دراسات النظم السياسية، ص 115، 2022.
- كتاب “نهاية إسرائيل: قراءة في السقوط الداخلي”، تأليف بيني موريس، دار نشر جامعة ييل، ص 210، 2023.
- مقال “السرطان السياسي في جسد الكيان”، كارولينا لاندسمان، صحيفة هآرتس، 2 مايو 2024. www.haaretz.co.il
- تقرير “مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي لعام 2023″، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ص 45، يناير 2024. www.idi.org.il
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض