رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يعد ملف المعاشات مجرد بند مالي في موازنة الدولة، بل أصبح ملفًا إنسانيًا ثقيلًا يئن تحته ملايين المصريين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن، على أمل أن يجدوا في نهاية الرحلة قدرًا من الكرامة والطمأنينة.

لكن ما يشعر به قطاع واسع من أصحاب المعاشات اليوم هو حالة من الإحباط المتصاعد، في ظل زيادات سنوية لا تكاد تواكب موجات الغلاء، ولا تُحدث فارقًا حقيقيًا في حياة من يعتمدون على هذه المبالغ كمصدر وحيد للمعيشة.

فالمعاش الذي كان يُفترض أن يكون أمانًا اجتماعيًا، أصبح عند كثيرين لا يكفي لأيام معدودة من الشهر، وسط ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، وهو ما خلق شعورًا عامًا بأن هناك فجوة متزايدة بين الواقع واحتياجات الناس الفعلية.

الأكثر إيلامًا أن هذا الملف الحساس أصبح محل نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والبرلمانية والشعبية، حيث شهدت الفترة الأخيرة هجومًا وانتقادات حادة داخل مجلس النواب حول آليات الإدارة والتطوير والعدالة في توزيع الزيادات السنوية، ومدى كفايتها لمواجهة التضخم.

وزادت حالة الغضب مؤخرًا بعدما كشفت أزمة السيستم الجديد حجم المعاناة التي يعيشها أصحاب المعاشات، فبدلًا من حصول الذين خرجوا حديثًا إلى المعاش على مستحقاتهم كاملة بعد رحلة طويلة من العمل والعطاء، وجدوا أنفسهم أسرى لمشكلة فنية اعترفت بها الهيئة نفسها تحت قبة البرلمان، والأكثر إيلامًا أن مواطنين كانوا ينتظرون أموالهم لمواجهة أعباء الحياة والاستعداد لعيد الأضحى، اضطروا للاكتفاء بصرف جزء محدود من مستحقاتهم المالية بعد ضغوط قوية مارسها عدد من أعضاء مجلس النواب على هيئة التأمينات والمعاشات، على أمل الانتهاء من الأزمة لاحقًا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يتحمل المواطن نتائج أخطاء أنظمة السيستم والإجراءات لشهور؟ ولماذا يكون صاحب المعاش دائمًا هو الطرف الذي يُطلب منه الصبر والانتظار، رغم أنه دفع مستحقاته والتزاماته كاملة طوال سنوات خدمته؟ فحين يتحول الحصول على الحق إلى رحلة انتظار جديدة، يصبح الغضب مفهومًا، وتصبح المطالبة بإصلاح جذري للمنظومة ضرورة لا تحتمل التأجيل.

وفي الوقت الذي يتوقع فيه المواطن البسيط حلولًا أكثر جرأة وإنصافًا، يشعر كثيرون أن المنظومة الحالية ما زالت تتحرك ببطء شديد أمام أزمة تتسارع يومًا بعد يوم، وكأن السيستم الإداري نفسه لم يعد قادرًا على مواكبة حجم الضغط الواقع عليه.

مشكلة أصحاب المعاشات بوجه عام تحتاج إلى مشرط جرّاح، ولا تجدي معها المسكنات، فهذا الملف الذي يؤرق ملايين المصريين يحتاج إلى منظومة كاملة ومراجعة شاملة تعيد الاعتبار لفكرة العدالة الاجتماعية التي قامت عليها فلسفة التأمينات في الأصل، والتي كان هدفها حماية المواطن بعد رحلة عمر طويلة من العمل والعطاء.

إن استمرار الوضع على ما هو عليه، مع زيادات لا تتناسب مع التضخم الحقيقي في الأسواق، يفتح الباب أمام حالة من الغضب الصامت داخل قطاع واسع من المجتمع، يرى أن ما يتم الحصول عليه لا يوازي ما تم تقديمه من عمر وجهد وخدمة.

إن أصحاب المعاشات لا يطلبون رفاهية، بل يطلبون الحد الأدنى من الحياة الكريمة، دواء يقدرون على شرائه، وغذاء لا يرهق ميزانياتهم، وحياة لا يشعرون فيها أنهم تُركوا في مواجهة الغلاء وحدهم بعد انتهاء خدمتهم.

وفي النهاية، يظل السؤال المطروح بإلحاح، هل يحتاج ملف المعاشات إلى تحسينات تدريجية فقط، أم إلى إعادة تفكير جذرية تضع الإنسان قبل الأرقام، والعدالة قبل الحسابات؟!

فالمواطن الذي خدم بلده وساهم في بناء مؤسسات هذا الوطن عامًا بعد عام، يستحق أن يعيش شيخوخته بكرامة وطمأنينة، لا أن يقضيها بين القهر والانتظار، وهو يحسب كل يوم كيف يواجه الغلاء ومحاولة تأمين احتياجاته الأساسية بعد عمر كامل قضاه في خدمة وطنه.