رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الزاد

فى حياتنا اليومية نمر بعشرات الوجوه ومئات الأشخاص، ونصدر أحكامنا عليهم فى ثوانٍ معدودة. أحيانًا نحكم من المظهر، وأحيانًا من المهنة، وأحيانًا من المكان الذى نقابلهم فيه. لكن الحياة تمتلك دائمًا قدرة مدهشة على مفاجأتنا، فتسقط تلك الأحكام الجاهزة وتكشف لنا أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تسكن فى وظيفته أو ملابسه، بل فى عقله وثقافته وإنسانيته. وما حدث معى أثناء ترتيب شنطة السيارة قبل العيد كان واحدًا من تلك المواقف التى أعادت تذكيرى بهذه الحقيقة البسيطة والعميقة فى آن واحد.
قبل العيد قررت أن أنجز مهمة مؤجلة منذ سنوات؛ إعادة ترتيب شنطة السيارة. كانت الشنطة أشبه بمكتبة متنقلة اختلطت فيها الكتب بالجرائد والمجلات والأوراق القديمة، حتى تحولت مع الزمن إلى مساحة مزدحمة بالذكريات والكلمات المؤجلة.
وأثناء عملية الفرز مرّ أحد عمال النظافة، فطلبت منه أن يقترب ومعه صندوقه ذي العجلات لأضع فيه ما يصلح للإلقاء من أوراق ومخلفات، حفاظًا على النظافة العامة واحترامًا للمكان.
وبينما كنت أقلب الكتب والمجلات، بدأ الرجل يمد يده للمساعدة. فى البداية ظننت أنه يساعدنى فى نقل الأشياء فقط، لكننى اكتشفت بعد دقائق أننى أمام قارئ حقيقى ومثقف من الطراز الرفيع. كل كتاب يلمسه كان يعرف مؤلفه، وكل مجلة أو صحيفة يتحدث عن كتابها أو موضوعاتها. كان يتحدث بثقة وهدوء وكأنه يجلس فى ندوة ثقافية لا أمام صندوق قمامة.
اندهشت كثيرًا، لكن دهشتى لم تستمر طويلًا. فخلال سنوات عملى وحياتى التقيت نماذج مشابهة؛ عامل قهوة يحفظ الشعر، وسائق تاكسى يناقش السياسة والفكر، وعامل على أحد الشواطئ يتحدث فى التاريخ والفنون. تعلمت مع الوقت أن الثقافة لا ترتدى بدلة فاخرة، ولا تجلس دائمًا خلف مكتب كبير.
سألته عن دراسته، فاكتشفت أنه حاصل على مؤهل عالٍ. وبينما كان يتحدث كانت عيناه تلمعان بالدموع. قلت له بكل صدق: أنت أفضل من كثيرين. الحكاية ليست فى نوع العمل الذى تؤديه، بل فى نوع الإنسان الذى أنت عليه. أنت تمتلك ثقافة أعمق من كثيرين نراهم يوميًا على الشاشات، وأوسع من بعض من نلتقيهم فى مواقع ومناصب مهمة. بل وربما أفضل منى شخصيًا، فأنا أقرأ وأتابع بحكم المهنة، أما أنت فتقرأ بدافع الشغف الخالص.
وفى نهاية الحديث اختار عدة كتب ليقرأها. بعضها كان عزيزًا علىّ، لكننى لم أتردد فى إعطائها له. قلت لنفسى: هذه الكتب ظلت حبيسة شنطة السيارة شهورًا وربما سنوات. قرأتها وانتهى دورها معى، أما هو فما زال ينتظر منها معرفة جديدة ومتعة مختلفة، ولذلك فهو أولى بها.
خرجت من هذه التجربة بقناعة قديمة تجددت داخلى؛ القراءة ليست رفاهية ولا زينة اجتماعية، بل غريزة حقيقية لدى بعض البشر، مثل أى شغف أصيل خلقه الله فى النفوس. هناك من يجوع إلى المعرفة كما يجوع غيره إلى الطعام.
أما الدرس الأهم فهو أن المهن لا تكشف دائمًا حقيقة أصحابها. الواقع واختلال مبدأ تكافؤ الفرص يدفعان أحيانًا أشخاصًا لا يستحقون مواقعهم إلى مناصب كبيرة، بينما يضعان آخرين أصحاب علم وثقافة وقدرات استثنائية فى وظائف مختلفة تمامًا عن إمكاناتهم.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية. ليست فى مهنة عامل النظافة، فكل المهن شريفة ومحترمة، وإنما فى نظرة بعض الناس إلى من يعمل بها. الأزمة فى الأحكام المسبقة التى تجعل البعض يقيم الإنسان من زيه أو وظيفته لا من عقله وأخلاقه وقيمته الحقيقية.
غادرت المكان بعد انتهاء المهمة وأنا أشعر أننى لم أرتب شنطة السيارة فقط، بل رتبت كثيرًا من الأفكار داخلى. أدركت مرة أخرى أن الثقافة لا تعرف طبقة اجتماعية، ولا ترتبط بمنصب أو وظيفة، وأن بين الناس من يحمل كنوزًا من المعرفة لا تراها العيون من النظرة الأولى. كما أدركت أن المشكلة ليست فى المهن، فكل عمل شريف يستحق الاحترام، وإنما فى نظرتنا القاصرة إلى أصحابها. فكم من إنسان بسيط فى مظهره عظيم فى جوهره، وكم من صاحب منصب كبير لا يملك من القيمة الحقيقية سوى ما كُتب على باب مكتبه. لذلك يبقى الإنسان، بعلمه وأخلاقه وثقافته، أكبر كثيرًا من أى وظيفة يحمل اسمها
ذلك العامل لم يساعدنى فى ترتيب شنطة السيارة فقط، بل أعاد ترتيب فكرة قديمة داخل رأسى: قيمة الإنسان لا يحددها ما يفعله لكسب رزقه، وإنما ما يحمله فى عقله وقلبه من معرفة وإنسانية.