زاوية حرة
يُعرف القراصنة بأنهم لصوص البحار الذين يهاجمون السفن في عرض المحيطات والبحار، بهدف نهب البضائع والاستيلاء على الكنوز أو احتجاز السفن وطلب الفدية، لكننا اليوم أصبح لدينا قراصنة من نوع آخر، وهم بعض السائقين الذين يستغلون الأعياد والمواسم لرفع أسعار الأجرة بصورة عشوائية، فهل أصبحت التسعيرة الرسمية مجرد ورقة بلا قيمة؟ فتحولت وسائل المواصلات إلى ساحة تفاوض يومية يتحكم فيها المزاج الشخصي للسائق لا القانون، والراكب سيكون مضطرًا للدفع تحت ضغط الحاجة وضيق الوقت، بينما تتزايد الأعباء بشكل يفوق القدرة على الاحتمال.
الأمر يدعو للدهشة حقًا، وكأن الناس يمتلكون قدرة لا تنتهي على دفع الأموال وإنفاقها في كل اتجاه، كـ"ضرب النار في فرح العمدة!"، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثيرون، فهناك أسر بالكاد تستطيع تدبير احتياجاتها اليومية، وموظفون وعمال يستهلكون أغلب رواتبهم في المواصلات وحدها، ومع ذلك يصر بعض السائقين على استغلال المناسبات لتحقيق مكاسب إضافية، بلا أي اعتبار لمعاناة الركاب، حتى أصبح الانتقال من مكان إلى آخر عبئًا نفسيًا وماديًا، لا مجرد رحلة عادية، وفوق كل ذلك المواطن مطالب بدفع الثمن.
هل تتذكرون فيلم "الرسالة" عندما قام سادة قريش، وعلى رأسهم أمية بن خلف، بتعذيب بلال بن رباح في حرِّ الصحراء القاسية، فوضعوا الصخور على صدره وجلدوه بالسياط لإجباره على ترك دينه، بينما ظل يقول: "أحدٌ أحد"؟ اليوم يردد كثير من الناس العبارة ذاتها بصياغات مختلفة تحت وطأة ضيق المعيشة وقسوة الظروف؛ إذ باتوا محاصرين بين ارتفاع الأسعار وجشع بعض السائقين، ومتطلبات الحياة اليومية من تنقلٍ وعملٍ وقضاءٍ للمصالح، وأضحى الصبر السلاح الوحيد الذي يملكه البسطاء في مواجهة هذا الضغط المتواصل، الذي يتكرر مع كل عيد ومناسبة، وكأن معاناة المواطن باتت قدرًا يتجدد كلما ظن أن الأعباء قد خفّت أو أن انفراجةً تلوح في الأفق.
فحين يغيب الضمير لدى كثير من السائقين، يصبح الراكب الطرف الأضعف في معادلة غير عادلة؛ فإما أن يقبل بالأجرة المفروضة عليه دون اعتراض، أو يدخل في مشادة كلامية قد تضيع بسببها مصالحه ووقته وأعصابه، وفي النهاية يخرج خاسرًا مهما كان القرار الذي يتخذه، والسؤال هنا: لماذا تتحول الأجرة من تسعيرة معلنة إلى مزاج سائق؟ ولماذا يصر البعض على مخالفة القانون رغم وضوح العقوبات؟ فوفقًا لقانون المرور، يُعاقب السائق الذي يطلب أجرة أعلى من المقررة بغرامة تتراوح بين 1500 و3000 جنيه، لكن غياب الرقابة الفعالة يجعل البعض يشعر بأن الطريق مفتوح صحراوي أمامه ليفعل ما يشاء دون خوف من المحاسبة أو العقاب.
ما حدث معي شخصيًا يكشف حجم الأزمة بصورة أوضح، ففي إحدى الرحلات المتجهة إلى المرج دائري من الهرم، طلب أحد السائقين 25 جنيهًا من راكبة صعدت لاحقًا، رغم أن الأجرة الرسمية لا تتجاوز 10 جنيهات، وعندما اعترضت ودخلت معه في جدال طويل وسباب، وكاد الأمر يتحول إلى اشتباك بالأيدي، لكنه مرّت سلمات، بصوت المعلق الرياضي التونسي عصام الشوالي، تراجع السائق في النهاية وقبل بالأجرة الحقيقية، لكنه برر ما فعله بأنها "أيام عيد"، إنه العجب العجاب إذ تحولت المناسبات والأعياد إلى فرصة لاستغلال البشر ومص دمائهم!.
من الآخر المسألة لا تتعلق بالسائق وحده، ولكن بمنظومة رقابية أكثر فاعلية على أرض الواقع؛ فالتسعيرة التي لا تُطبق تتحول مع الوقت إلى مجرد حبر على ورق، وتفتح الباب أمام الاستغلال والفوضى، لذلك لا بد من حملات مرورية مفاجئة على الخطوط الحيوية، ورقابة ميدانية جادة ترصد المخالفات وتتعامل معها فورًا، مع تشديد العقوبات وربط التجاوزات المتكررة بسحب التراخيص، فالحزم أصبح ضرورة لإعادة الانضباط إلى الشارع، وترسيخ هيبة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض




