رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ما يحدث اليوم في صناعة الأثاث المصرية، خصوصًا في دمياط، لم يعد مجرد أزمه عابره يمكن احتواؤها بالمسكنات المعتادة أو بالوعود المؤجلة. نحن أمام انهيار تدريجي لواحده من أقدم وأهم الصناعات الوطنية التي كانت يومًا عنوانًا للجوده المصرية، ومصدرًا لتشغيل مئات الآلاف من الأسر، ومدرسه حقيقيه للحرفيه والإبداع والإنتاج.
إغلاق آلاف الورش، وهجرة أمهر الصناع، وتوقف سلاسل الإنتاج الصغيرة، ليس أزمة تخص صناع الأثاث وحدهم، بل جرس إنذار خطير يهدد مستقبل الصناعة المصرية بالكامل، لأن صناعة الأثاث ليست صناعه منفصله، وإنما شبكة ضخمة من الصناعات المغذية والحرف الصغيرة والخدمات اللوجستية والتجارية المرتبطة بها.
إن استمرار انهيار هذا القطاع يعني ببساطه:
تآكل المكون المحلي و زيادة الاعتماد على الاستيراد.
اتساع الاقتصاد الريعي والوسيط.
وتحول مصر من دولة “تصنع” إلى دولة “تجمع ما تم استيراده”. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
الصناعة المصرية لا تعاني من نقص المهارة… بل من غياب المنظومة.
المشكله ليست في العامل المصري، ولا في الحرفي، ولا في الورشة الصغيرة التي أثبتت لعقود قدرتها على المنافسة والإبداع، بل في غياب منظومة اقتصادية عادلة تحمي الإنتاج الحقيقي.
لقد تُركت الورش الصغيرة تواجه وحدها:
احتكار الخامات.؛ تقلبات الأسعار؛ ارتفاع تكلفة التمويل ؛
عشوائية السوق ؛ ضعف التصدير ؛وانعدام الحماية الإنتاجية.
وفي المقابل، تمددت حلقات الوساطة والاحتكار بصوره جعلت المنتج الحقيقي هو الحلقة الأضعف في الاقتصاد.
اليوم، هناك مستوردون كبار وتجار خامات يملكون قدره هائله على التحكم في السوق، لكن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن استمرار انهيار الورش سيقود حتمًا إلى انهيار سوق الخامات نفسه.
فإذا مات المُصنِّع… فمن سيشتري؟
لا بديل عن تحويل جميع الأطراف إلى شركاء إنتاج
المواجهة والصدام مع مستوردي الأخشاب والخامات لن تحل الأزمة، كما أن ترك السوق للاحتكار لن ينقذ الصناعة.
الحل الحقيقي هو: تحويل مستوردي الخامات وكبار التجار من مجرد وسطاء ومحتكرين إلى شركاء تصنيع وإنتاج داخل منظومة اقتصاديه وطنيه متكامله.
وهنا يأتي الدور المحوري للاتحاد الإنتاجي العام، الذي يجب أن يتحول فورًا من كيان تنظيمي محدود التأثير إلى قائد حقيقي لتحالف إنتاجي وطني يضم:
الورش الصغيرة ؛ الصناع والحرفيين ؛ مستوردي الأخشاب ؛ شركات النقل ؛ البنوك؛ شركات التصدير ؛ وفي القلب منهم الدولة ٠
لأن إنقاذ الصناعة لن يتم عبر طرف واحد، بل عبر شراكة مصالح حقيقيه يشعر فيها الجميع أن استمرار الإنتاج هو الضمان الوحيد لاستمرار الأرباح والاستقرار.
المطلوب ليس دعمًا استهلاكيًا… بل إعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي
ما تحتاجه مصر اليوم ليس المزيد من الاقتصاد القائم على التجارة والوساطة والمضاربة، وإنما العوده إلى الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي.
فالورش الصغيره ليست عبئًا على الدوله كما يتصور البعض، بل هي العمود الفقري لأي نهضه صناعيه حقيقيه.
كل ورشة تغلق تعني: فقدان مهاره ؛ خروج عامل من من سوق الإنتاج.؛ تراجع المكون المحلي ؛ وتآكل القدره الصناعيه الوطنيه.
ولهذا فإن دعم الصناعات الصغيره والصناعات المغذيه ليس رفاهيه، بل قضية أمن اقتصادي قومي.
لماذا فشلت محاولات تعميق الصناعة المحلية؟
لأن أغلب الصناعات القائمة حاليًا تعتمد على:
تجميع مكونات مستورده.
استيراد خامات نصف مصنعه.
ضعف التصنيع الوسيط.
غياب سلاسل القيمة المحلية.
والنتيجة: كل أزمة دولار، أو شحن عالمي، أو اضطراب استيراد، تتحول فورًا إلى شلل صناعي.
أما الدول الصناعية الحقيقية، فلم تبن قوتها بالمصانع العملاقة وحدها، بل عبر:
آلاف الورش الصغيرة؛ الصناعات المغذية ؛ التعاونيات الإنتاجية ؛ العناقيد الصناعية وسلاسل القيمة المحلية المتكاملة
وهذا بالضبط ما أهملناه لسنوات طويلة.
الحل واضح… لكنه يحتاج قرارًا شجاعًا
الحل يبدأ فورًا عبر:
إنشاء منظومة شراء جماعي للخامات.
تأسيس بورصة أخشاب شفافة.
تمويل الورش بفوائد إنتاجية حقيقية.
إنشاء مجمعات تصنيع مشتركة.
ربط الحرفيين بالتصدير.
وتحويل كبار مستوردي الخامات إلى شركاء استثمار وإنتاج.
ليس المطلوب القضاء على أرباح أحد، بل إعادة تنظيم السوق بحيث يربح الجميع من دوران عجلة الإنتاج بدلًا من تجميد البضائع وتعطيل السوق.
إنقاذ دمياط هو إنقاذ لفكرة الصناعة المصرية نفسها
إذا سقطت دمياط، فلن تسقط مدينة فقط، بل ستسقط فكرة كاملة اسمها: “الصناعة المصرية القائمة على المهارة والحرفة والإنتاج المحلي”.
وإذا نجحت الدولة والقطاع الخاص والاتحادات الإنتاجية والمستوردون في بناء تحالف إنتاجي حقيقي، فإن مصر تستطيع خلال سنوات قليلة استعادة مكانتها الصناعية والتصديرية.
لكن الوقت لم يعد مفتوحًا.
فكل ورشة تغلق اليوم… قد لا تفتح أبوابها مرة أخرى أبدًا.