قال الشاعر الكبير أبوالطيب المتنبي في واحدة من أشهر قصائده مخاطبًا العيد:
«عِيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عِيدُ.. بِما مَضَى أَمْ لأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ». صدق المتنبي، بأي حالٍ جئتَ يا عيد؟ أجئتَ حاملًا فرحةً أنهكتها الأزمات، أم جئتَ تفتش عن بقايا الأمل في قلوب أثقلتها هموم الحياة؟
ورغم مرور قرون طويلة على كلمات المتنبي، فإنها تبدو اليوم أكثر قربًا من واقع المنطقة العربية، التي تستقبل الأعياد وسط مشهد مثقل بالحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية العاصفة. فالعيد الذي كان رمزًا للطمأنينة والفرح الجماعي، يأتي هذا العام على شعوب كثيرة وهي تواجه ضغوطًا معيشية غير مسبوقة، من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، إلى اتساع دوائر النزوح والصراعات الممتدة في عدد من دول المنطقة.
في غزة، يأتي العيد على وقع الدمار والفقد والحصار، وفي السودان ما زالت الحرب تُلقي بظلالها الثقيلة على حياة الملايين، وكذلك ليبيا، اليمن، ولبنان، بينما تواجه دول عربية أخرى تحديات اقتصادية معقدة فرضتها الاضطرابات الدولية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع معدلات النمو. وحتى المجتمعات التي تنعم بقدر من الاستقرار، لم تكن بعيدة عن تأثيرات التضخم العالمي وأعباء الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما انعكس بوضوح على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العربي، وعلى طقوس العيد نفسها. مع ذلك، فإن المجتمعات العربية ما زالت تحاول مقاومة قسوة الواقع بروح التكافل والتراحم، حيث تتجدد في مواسم الأعياد مبادرات الدعم المجتمعي والعمل الخيري، وتتوسع أدوار المؤسسات الدينية والأهلية لتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا.
ومن هنا، يكتسب سؤال المتنبي دلالة مختلفة في واقعنا المعاصر؛ فالعيد لا يعود فقط بما مضى من الذكريات، بل يعود أيضًا ليختبر قدرة المجتمعات على الصمود، وقدرة الإنسان العربي على الحفاظ على تماسكه النفسي والاجتماعي وسط عالم مضطرب. وربما كانت الرسالة الأهم أن الأعياد، مهما أحاطت بها الأزمات، تبقى مناسبة للتشبث بالأمل، والتذكير بأن التضامن الإنساني يظل أحد أهم عناصر حماية المجتمعات من الانهيار والتفكك.
ارتبطت الأضحية دينيًا بقصة سيدنا إبراهيم- عليه السلام- وابنه إسماعيل، باعتبارها رمزًا للطاعة والتضحية والامتثال لأمر الله، لكنها عبر التاريخ الإسلامي تجاوزت البعد التعبدي إلى بُعد اجتماعي وإنساني عميق، يقوم على معاني التكافل والتراحم ومشاركة الفقراء والمحتاجين فرحة العيد. ومن هنا تحولت شعيرة الأضحية إلى واحدة من أهم صور العدالة الاجتماعية الموسمية داخل المجتمعات العربية والإسلامية، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية، حيث تصبح الأضحية وسيلة لدعم الأسر الأكثر احتياجًا وتعزيز التماسك المجتمعي في مواجهة التحديات.
مفهوم «الأمن الاجتماعي» لم يعد مرتبطًا فقط بقدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، بل أصبح مرتبطًا كذلك بقدرة المجتمع نفسه على إنتاج أدوات التكافل والحماية الداخلية. فالمجتمعات التي تمتلك رصيدًا قويًا من التضامن الأهلي تكون أكثر قدرة على احتواء الأزمات، وأقل عرضة للتفكك أو الانفجار الاجتماعي. ومن هنا يمكن فهم لماذا تحرص الدول، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية، على دعم المبادرات المرتبطة بالأعياد والمناسبات الدينية، لما تمثله من متنفس اجتماعي ونفسي يسهم في الحفاظ على حالة من التوازن العام. وفي النهاية، ما يبقى دائمًا هو قدرة المجتمعات العربية على إنتاج روح التضامن في أصعب اللحظات. ولذلك ربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه عيد الأضحي هذا العام هو أن التماسك الاجتماعي لم يعد قيمة أخلاقية فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الدول والمجتمعات معًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض