رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. أحمد يحي يكتب : سقوط المسيرة الروسية في رومانيا.. خطأ تقني أم تصعيد متعمد؟ رؤية تحليلية

بوابة الوفد الإلكترونية

 

ليل الخميس 28 مايو المؤدي لصباح الجمعة 29 مايو 2026، ما كانش مجرد ليلة تانية في حسابات الحرب الأوكرانية، والخبر اللي طلع منها ما كانش مجرد كلام روتيني عن إسقاط طيارة مسيرة، الليلة دي شهدت اللحظة اللي انكسر فيها حاجز الصمت الطويل بين ساحة المعركة في أوكرانيا وأراضي حلف الناتو نفسه.

الموضوع بدأ لما طيارة مسيرة روسية من طراز "غيران-2" والمشهورة باسم "شاهد"، انطلقت ضمن هجوم جوي روسي مكثف بالليل على الأهداف الأوكرانية، فالمسيرة غيرت اتجاهها واخترقت المجال الجوي الروماني من غير ما تقابلها أي منظومة دفاعية تعترضها، وفضلت ماشية لحد ما خبطت في الصباح الباكر من يوم الجمعة في سقف مبنى سكني من عشرة طوابق في مدينة غالاتي الرومانية، القريبة جداً من الحدود الأوكرانية على نهر الدانوب، فالانفجار اللي حصل بسبب الشحنة المتفجرة اللي شايلاها الطيارة عمل حريق كبير في السطح والأدوار العليا، وتسبب في إصابة شخصين من سكان الشقة المتضررة، واضطرت السلطات تخلي حوالي مئتي شخص من المبنى بسرعة بسبب الدخان والحرارة.

وهنا أرى الرسالة من وراء الحادثة كانت واضحة ومش محتاجة تفسير، وهو أن المسيرات الروسية ما بقتش تقع وتتحطم جوة أوكرانيا وبس، دي بقت قادرة تلمس أرض دول الناتو وتعمل حريقة في قلب أوروبا، ولما وزارة الدفاع الرومانية أعلنت عن الحادثة مساء الجمعة، وطبعاً ردود الفعل والإدانات السريعة طلعت على طول من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

ولكن السؤال الأهم: هل وقعت بغلطة في التوجيه ولا كان الموضوع مقصود؟ وعشان نجاوب لازم نفكك المشهد على تلات مستويات وهما: تقني، وتكتيكي، وسياسي.
فمن الناحية التقنية مسيرات "شاهد" بتعتمد في طيرانها على نظام ملاحة بيجمع بين الـ GPS والتوجيه القصوري والنظام ده شغال زي الفل في الظروف العادية، بس بيبقى ضعيف وهش جداً قدام التشويش الإلكتروني القوي اللي أوكرانيا بتعمله بقالها شهور في منطقتها الشرقية.
والرادارات الرومانية رصدت دخول المسيرة بسلاسة، وده معناه إن مسارها ما كانش متعرج أو عشوائي طول الرحلة، هي كانت رايحة لهدف معين وانحرفت في آخر لحظة، والحركة دي بترجّح إن الحادثة نتيجة تراكم أخطاء الملاحة بسبب التشويش، مش إنها متوجهة عن عمد لضرب مبنى سكني في رومانيا.
بس هنا بنوصل لنقطة حرجة وهي ان أنظمة الملاحة دي موجودة من سنة 2023 وروسيا استخدمت منها آلاف الطيارات من غير ما تطور دقتها، بل على العكس زيادة عدد الهجمات زادت معاه الحوادث العرضية، وعلى سبيل المثال في أبريل 2026 وقعت شظايا مسيرات في نفس المدينة "غالاتي" من غير إصابات، وفي سبتمبر 2025 اخترقت مسيرة تانية الأجواء الرومانية واتعطلت بعد ما طلعت لها مقاتلات، ودلوقتي في مايو 2026 وقعت مسيرة كاملة ضربت مبنى.
فالتكرار ده ما ينفعش نقول عليه "حظ سيء"، ده بيشير لإهمال متزايد من موسكو في ضبط المسارات، وهو إهمال ممكن يكون مقصود عشان يوفروا مجهود وتكلفة أنظمة التوجيه الدقيقة في حرب شكلها مطول.

أما من الناحية التكتيكية


فلو افترضنا إن روسيا قاصدة تضرب رومانيا، المنطق بيقول إنها هتوجه المسيرة لهدف عسكري أو بنية تحتية حيوية زي قاعدة جوية أو منشأة طاقة، مش هتروح تضرب مبنى سكني عشوائي.
وهنا روسيا مش كسبانة أي ميزة عسكرية من ضرب شقة في غالاتي، بل بالعكس الحركة دي بتدي الناتو ذريعة أخلاقية وسياسية قوية عشان يسرّع من نشر دفاعاته الجوية ويبرر عقوبات جديدة ضد موسكو.

أما بخصوص الناحية السياسية فالكلام هنا بيختلف فروسيا ممكن ما تكونش قاصدة تضرب رومانيا كهدف عسكري، بس ممكن تكون قاصدة تدخل رومانيا في دائرة الخوف، فلما المواطن الروماني يلاقي نفسه بيعيش تجربة الحرب بشكل مباشر وهي أصلاً مش حربه، حسابات الضغط الشعبي على الحكومة في بوخارست بتتغير، وده ممكن يجبر الحكومة الرومانية إنها تعيد النظر في سياستها الداعمة لأوكرانيا أو الغرب، وهذا نوع من الضغط النفسي الذكي، مش هجوم صريح بس مش خطأ غير مدروس برضه، وهو لعب على حبل رفيع بين الإهمال التقني والاستغلال السياسي، وده بيوضح ليه روسيا ساكتة لحد دلوقتي وما طلعتش بيان رسمي يعتذر عن الخطأ الفني زي ما عملت قبل كده في 2023، فهي سايبة الغرب يتكلم عن التهور والتصعيد الخطير ومستنية تشوف رد فعل الناتو عشان تحدد خطوتها الجاية.

وهنا هتلاحظ ردود الفعل الدولية المرة دي واضحة إن نبرتها أشد وأقوى من المرات اللي فاتت، فالناتو استخدم لأول مرة كلمة تهور لوصف التصرف الروسي، وما اكتفاش بعبارة انتهاك السيادة اللي قالها في سبتمبر 2025 لما حصل اختراق لأجواء بولندا.
والاتحاد الأوروبي ايضاً مشي في نفس السكة وحذر من عقوبات إضافية، وفرنسا استدعت السفير الروسي عندها، وده إجراء دبلوماسي تقيل ونادر يحصل في حوادث المسيرات.
ولكن الأهم من كل ده هو رد فعل رومانيا نفسها فالحكومة هناك عقدت اجتماع طارئ لمجلس الدفاع، واستدعت القائم بالأعمال الروسي، وطلبت من الناتو يسرّع بنشر منظومات اعتراض المسيرات على حدودها، وهنا بوخارست مش عايزة تدخل في مواجهة مباشرة، بس عارفة ومدركة إن التكرار ممكن يحوّل الغلطة العرضية لتهديد وجودي للمواطنين الرومان، وده الخط الأحمر الحقيقي، لأن الحادثة دي لو اتكررت ووقعت وفيات، هنلاحظ بأن المادة 5 من ميثاق الناتو (بتاعة الدفاع المشترك) هتتطرح على التربيزة بجد لأول مرة من بداية الحرب، وساعتها الكلام مش هيبقى دبلوماسية وبيانات الكلام هيبقى عسكري على الأرض.

التداعيات للموضوع ده بتعدي حدود رومانيا بكتير، لو موسكو لقت إن الغرب بيكتفي بالكلام ومش هيرد بعنف على الأخطاء التقنية، فجرأتها هتزيد، وممكن نشوف مسيراتها بتلعب أكتر قرب حدود دول تانية في الناتو زي بولندا، وسلوفاكيا، والمجر، ولكن السيناريو ده خطر جداً لأنه بيحول الحادثة العرضية لأسلوب شغل معتمد، ومن الناحية التانية، لو الناتو قرر يرد بقوة ( زي إنه يسقط المسيرات الروسية وهي لسه جوة الأجواء الأوكرانية قبل ما تقرب، أو يعمل هجمات انتقامية محدودة)، روسيا برضه ممكن ترد بتصعيد أكبر، وندخل في دوامة مقفولة صعب نخرج منها.
وطبعاً أوكرانيا مش هيفوتها الحادثة دي، وهتستغلها كأقوى ورقة ضغط في دعواتها الدولية عشان تطلب دعم عسكري وسلاح أكتر، لأنها ببساطة هتقول للغرب بأن الحرب ما بقتش محصورة جوة حدودنا، الحرب بقت بتهدد استقرار أوروبا كلها، وده كلام هيرجح كفتها في المفاوضات القادمة على حزم المساعدات.

ولو بصينا على المستقبل القريب وتحديداً الثلاثون يوماً القادمين، هنقدر نشوف ثلاثة سيناريوهات محتملة، ودول مش مجرد توقعات في الهواء، دول مبنيين على مؤشرات أولية بنعشها دلوقتي:
أولاً السيناريو الأول:
وهو الأقرب للحصول بنسبة 60%، استمرار الوضع الحالي، يعني إهمال متزايد من غير ما نوصل لتصعيد مباشر.


ففي هذه الحالة، روسيا هتفضل تستخدم مسيراتها بكثافة جنب الحدود من غير ما تهتم بدقتها، والرد الغربي هيفضل واقف عند حد الإدانات الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية من غير تدخل عسكري مباشر.
والمؤشرات اللي هتقولنا إننا ماشيين في السيناريو ده هي، إن الأسبوعين الجايين يمروا من غير ما تقع أي مسيرة تصيب مدنيين في دول الناتو، وما تطلعش تصريحات من أمريكا أو الحلف بتتكلم عن حق الدفاع النشط.
والنتيجة هنا هتكون توتر عالي جداً بس من غير انفجار تقوم روسيا تستفيد من الضغط النفسي على شعوب الناتو، والغرب بيتحرك ببطء في تأمين حدوده الجوية، والحرب هتفضل داخل أوكرانيا، بس الحدود الرومانية والبولندية هتتحول لمناطق خطر دائم.

ثانياً السيناريو الثاني:
ونسبته حوالي 30%، هو حدوث تصعيد محدود، يعني رد عسكري فوري ومحدد من الناتو.
وهذا السيناريو هيتحقق لو وقعت مسيرة تانية وأصابت اشخاص وخصوصاً لو فيه وفيات، ساعتها رد الناتو هيتحول من ورق وبيانات لفعل على الأرض، وممكن نشوف إسقاط جوي حاسم للمسيرات الروسية قبل ما تعدي الحدود باستخدام صواريخ باتريوت أو مقاتلات جاهزة على مدار الساعة، أو حتى ضربة عسكرية محدودة للمواقع اللي بتنطلق منها المسيرات في غرب أوكرانيا.

والمؤشرات اللي هتعرفنا إننا رايحين هنا، لو شفنا نشر سريع لمنظومات باتريوت متطورة في رومانيا خلال أسبوع، وتغير لهجة أمريكا لحق الدفاع عن النفس، وظهور ضباط أمريكان في بوخارست للتنسيق.
فالنتيجة هتكون تصعيد سريع يربك الحسابات، بس القوى الكبيرة هتحاول تلم الموضوع في الآخر قبل ما تقلب حرب شاملة.

ثالثاً السيناريو الثالث والأخير:


ونسبته ضعيفة جداً ما تعديش 10%، هو التصعيد الكلي، يعني حرب مباشرة بين روسيا والناتو.
وده مش هيحصل إلا لو ثبت بالأدلة التقنية القاطعة إن الحادثة كانت متعمدة 100%، زي إن مسار الطيارة كان رايح للمبنى السكني ده بالذات ومطنش أي أهداف تانية، ساعتها رومانيا هتطلب رسمياً تفعيل المادة 5، وده معناه رد عسكري جماعي من الحلف كله ضد روسيا، ممكن يبدأ بغارات جوية على أهداف روسية.
والمؤشرات اللي تخلينا نقلق من السيناريو ده، وهو إن قادة الناتو الكبار (زي الأمين العام نفسه مش المتحدثين الإعلاميين) يطلعوا يوصفوا اللي حصل بالهجوم المتعمد والاعتداء على الحلف، ونشر قوات قتالية أمريكية دائمة في رومانيا، وصدور قرار واضح من مجلس الحلف بحماية الحدود بالقوة.
والنتيجة هنا كارثية هتصبح حرب واسعة في أوروبا، بس الاحتمال ده ضعيف لأن الطرفين عارفين كويس إن النتيجة هتكون دمار للكل، وهيحاولوا يتجنبوها بأي ثمن.

وفي نهاية الأمر رومانيا والغرب لازم يجهزوا نفسهم للسيناريو التاني وهو التصعيد المحدود، وفي نفس الوقت يتجنبوا الانزلاق للسيناريو الثالث، وهذا معناه نشر دفاعات جوية قوية والتعامل الحاسم مع أي اختراق، ولكن من غير ما ياخدوا خطوة ضربات استباقية إلا لو حصلت كارثة بشرية تفرض ده.
اما عن وروسيا فمن ناحيتها، لو عايزة تحمي نفسها من عواقب مش قدها، لازم تظبط دقة مسيراتها أو تبعد عن حدود الناتو، لأن الإهمال المتعمد بتاع النهاردة ممكن يقلب بكرة حرب مباشرة ما حدش عايزها.
والتحدي الحقيقي دلوقتي هو إزاي روسيا هتفضل تلعب مع الغرب على حافة الغلط من غير ما تعبره؟ وإزاي الغرب هيوقف روسيا عند حدها من غير ما يفتح باب الحرب الشاملة؟
والإجابة على السؤال ده هي اللي هترسم شكل الحرب في أوروبا الأيام الجاية، والمسيرة اللي وقعت في غالاتي دي ممكن تكون هي الشرارة اللي تغير توازنات القوة كلها.