موسيقى فى الحى الفرعونى
إقامة الحفلات والأفراح فى المناطق الأثرية تثير الجدل
خبراء: استثمار الموقع الأثرى مطلوب لكن بضوابط صارمة
مصر تحتل الترتيب الرابع عربيًّا فى قائمة اليونسكو للتراث العالمى بـ 7 مواقع فقط
بين الحين والآخر تتجدد الانتقادات حول إقامة الحفلات والمناسبات فى المواقع والمناطق الأثرية وخاصة الأهرامات ومنطقة سقارة، لما لذلك من تأثيرات محتملة على قيمة الآثار الموجودة فى هذه المناطق، وأهمية الحفاظ عليها.
الخبراء أكدوا أن إقامة هذه الحفلات يجب أن تكون بضوابط صارمة ومشددة، فلا مانع من استثمار المواقع الأثرية، لكن هذا الاستثمار يكون ضمن الضوابط التى تحافظ على قيمة الآثار، مشيرين إلى أن هناك خرائط للأراضى تقسمها إلى أراضى أملاك وإخضاع وإشراف.
أما أراضى الأملاك فيجب ألا يتم السماح بإقامة أى نوع من أنواع الاستثمار أو إقامة الحفلات فيها، بينما يمكن إقامة مثل هذه الأنشطة فى مناطق الإخضاع والإشراف.
وأكدوا أن الأدوات المستخدمة فى هذه الحفلات قد تؤثر على طبيعة الأثر، فالإضاءة الشديدة تؤثر على الألوان ونوع الحجر، وكذلك بقايا النفايات والمخلفات فى الأرض تضر بالمنطقة الأثرية، فضلا عن الاهتزازات والصرف الصحى المصاحبين لهذه الأنشطة.
وكان المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية قد أقام دعوى قضائية، أمام محكمة القضاء الإدارى طالب فيها بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبى بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية منطقة أهرامات الجيزة والحرم الأثرى، وتفعيل الدور الرقابى والإشرافى للجهات المختصة فى مواجهة ما يجرى من أنشطة وفعاليات مخالفة داخل نطاق المنطقة، مع ما يترتب على ذلك من آثار أهمها وقف تنظيم احتفالات ليلية صاخبة بالحرم الأثرى للمنطقة باستخدام معدات صوت تنتج ذبذبات بترددات قد تحدث خلخلة فى البناء الحجرى القديم، وأضواء اصطناعية ليزرية غير متوافقة مع الاشتراطات الدولية لأساليب الإضاءة فى المواقع الأثرية.
وقررت المحكمة تأجيل الدعوى إلى جلسة 27 يونيو، للاطلاع على تقرير هيئة مفوضى الدولة.
وشهدت مصر خلال الآونة الأخيرة تنظيم حفلات موسيقية وزفاف فى متاحف ومناطق أثرية من ضمنها حفل موسيقى من نوع «التكنو»، وحفات زفاف لابناء فنانين ورجال اعمال فى منطقة هرم سقارة، فضلا عن حفل زفاف الملياردير الهندى أنكور جاين وزوجته إريكا هاموند، الذى أقيم فى منطقة الأهرامات بالجيزة.
فى السياق نفسه، فتح البرلمان ملف تراجع ترتيب مصر فى قائمة اليونسكو للتراث العالمى، حيث تحتل المركز الرابع عربيا بـ 7 مواقع مسجلة فقط، وقد أشار الخبراء إلى أن الأسباب متعددة منها أن المنظمة كان يغلب على إدارتها الطابع السياسى أكثر من الثقافى خلال السنوات الأخيرة، والانحياز إلى الدول التى تمولها بشكل أكبر من الدول الأخرى، موضحين أن القارة الأفريقية تعرضت لظلم كبير من جانب المنظمة.
ووفقا لتقرير صادر عن منظمة اليونسكو، تحتل مصر المرتبة الرابعة فى سجل قائمة التراث العالمى عربيا، حيث تتصدر تونس القائمة، ثم المغرب فى المرتبة الثانية، والسعودية فى المرتبة الثالثة.
وتمتلك مصر 7 مواقع رئيسية مسجلة فقط فى قائمة مواقع التراث العالمى وهى آثار النوبة من أبوسمبل إلى فيلة، طيبة القديمة ومقابرها (الأقصر)، منف وجبانتها (أهرامات الجيزة وسقارة)، القاهرة التاريخية، دير سانت كاترين، منطقة أبومينا فى برج العرب، ووادى الحيتان بالفيوم.
من جهته، قال الدكتور خالد سعد، الخبير الأثرى والسياحى، إنه ضد إقامة الحفلات والمناسبات الاجتماعية فى المناطق الأثرية بشكل كامل.
أضاف «سعد»، أن استثمار الموقع الأثرى شيء مطلوب لكن الاستثمار داخل نطاق حرم الموقع نفسه أمر غير مطلوب، مشيرا إلى أن الحفلات يتم فيها تنفيذ إضاءات بطريقة معينة قد تؤثر على الألوان ونوع الحجر فى الأثر، فضلا عن الاهتزازات والحاجة إلى صرف صحى فى المكان نتيجة الأكل والشرب والنفايات والمخلفات، وما يتبقى منها فى الأرض يضر بالمنطقة الأثرية، فكيف سيتم نقل هذا الصرف.
وتابع، «إذا كانت الدولة تمنع الإضاءة فى المتاحف لتأثيرها على الألوان ونوع الحجر فكيف تسمح بها فى الحفلات بشكل غير مدروس، كما يجب عدم استخدام سيارات نقل داخل المواقع الأثرية»، مؤكدا أن كل ذلك له تأثير مباشر وغير مباشر على المواقع الأثرية.
وأشار الخبير الأثرى والسياحى، إلى أننا لسنا ضد فكرة استخدام المواقع الأثرية كمزارات، لكن يجب اتباع الضوابط اللازمة لحماية الأثر والحفاظ عليه، موضحا أن المشكلة تتمثل فى وضع مجموعة من الإنشاءات المؤقتة وغير الثابتة التى قد يكون لها أضرار على الموقع الأثرى.
وذكر «سعد»، أن الحل يتمثل فى الخروج على نطاق أملاك الآثار، لافتا إلى أن هناك خرائط توضح أن الأراضى عبارة عن أرض ملك وأرض إخضاع وأرض إشراف، وللحكومة مطلق الحرية فى تنفيذ المشروعات أو الحفلات أو التنمية أو أى نوع من أنواع الاستغلال لصالح الاقتصاد والسياحة، خارج نطاق أراضى الأملاك، أما داخل أراضى الأملاك فهناك ضوابط يجب اتباعها وإصدارها من الأثريين المتخصصين وليس أى استشارى.
وفيما يتعلق بتراجع ترتيب مصر على قائمة اليونسكو للتراث العالمى، قال إنه نتيجة التحيز السياسى الذى كان غالبا على إدارة اليونسكو خلال السنوات الطويلة الماضية، وهو ما نادت به مصر خلال ترشح الدكتور خالد العنانى لرئاسة اليونسكو ونجحت فيه وفاز العنانى برئاسة المنظمة، بأن تخرج اليونسكو من إطارها السياسى وتعود مرة أخرى منظمة للحفاظ على التراث العالمى لجميع الدول.
وتابع، «منذ 2005 وحتى 2025 لم يتم تسجيل محمية واحدة لمصر على قائمة التراث العالمى بسبب الأهواء السياسية التى كانت تسيطر على المنظمة، على الرغم من تقديم أكثر من ملف لتحويل بعض المواقع الأثرية كمحميات تراث عالمى مثل منطقة رشيد ومنطقة جبل قطرانى فى الفيوم، ومنطقة جبل العوينات وغيرها».
وأضاف أن اليونسكو كانت تتعامل بنواحٍ سياسية أكثر منها ثقافية مع الكثير من الدول، فى الوقت الذى تتعامل بشكل جيد مع الدول التى تسهم بشكل أكبر فى تمويلها، وكانت تسجل لهم العديد من المواقع التراثية مثل إيطاليا بنحو 49 محمية والصين 103 محميات وغيرهما.
وأشار سعد، إلى أنه عندما تزيد أعداد مواقع التراث العالمى فى دولة ما، فإن ذلك يؤثر إيجابيا على اقتصاد هذه الدولة مثل زيادة سعر التذاكر وقيمة الغرف الفندقية والخدمات السياحية، وبالتالى اليونسكو لم تكن تريد لمصر وغيرها من الدول الاستفادة من هذه الجوانب الاقتصادية.
وأوضح أن مصر اتخذت كل الإجراءات التى من شأنها تسجيل المواقع التراثية على قائمة اليونسكو لكن الأمور السياسية والانحياز لدول معينة منعاها من تسجيل المواقع وظلماها ظلما كبيرا، خاصة إذا تمت مقارنة الملفات التى تقدمت بها مصر بالملفات التى تقدمت بها دول أخرى، ولذلك يمكننا القول إن قارة أفريقيا ظلمت بشكل كبير من منظمة اليونسكو وليس مصر فقط.
فيما قال الدكتور أحمد عامر، الخبير الأثرى والباحث فى علم المصريات، إنه يمكن إقامة فعاليات وحفلات فى المواقع الأثرية، ولكن بضوابط ومعايير صارمة، دون ترك الأمر للعشوائية.
أضاف «عامر»، أن قدوم المشاهير والمنظمين الدوليين لإقامة حفلات يسهم بشكل كبير فى الترويج السياحى للدولة المصرية وجلب عوائد مالية ضخمة، لكن يجب اتباع الضوابط اللازمة لتنظيم هذه الحفلات وضرورة الحفاظ على مسافات أمنة وكافية تفصل التجهيزات عن جسد الأثر لمنع حدوث أى أضرار.
وحذر الخبير الأثرى والباحث فى علم المصريات، من استخدام وميض الكاميرات والموبايلات «الفلاش» بالقرب من الآثار، ووصفه بأنه كارثة تؤثر سلبا على سلامة الأثر مع مرور الوقت، مشيرا إلى أن هناك فارقا بينه وبين الإضاءة العادية الملونة التى تسلط على الأهرامات للزينة فى بعض الأحيان.
وفيما يتعلق بتراجع ترتيب مصر على قائمة اليونسكو للتراث العالمى، أشار عامر، إلى أن مصر تمتلك 7 مواقع مسجلة على قائمة التراث من ضمنها منطقة أهرامات الجيزة التى تعد جزءا من جبانة منف الشاسعة الممتدة من أبورواش حتى دهشور، وإذا أخل المجلس الأعلى للآثار بالشروط وضوابط الحماية، فإن اليونسكو قد تتخذ إجراء بإخراج الموقع بالكامل من قائمة التراث العالمى.
وأوضح أن هناك معايير للتسجيل فى اليونسكو، لأن هذه المنظمة لا ترتب الدول أو تدرج المواقع بناء على عدد الآثار الإجمالى الذى تمتلكه الدولة، بل بناء على تقديم ملفات متكاملة ومستوفية لشروط وصياغات صارمة جدا.
ولفت عامر، إلى أن مصر تمتلك حاليا عدة مواقع أساسية مدرجة مثل جبانة منف «الأهرامات»، سانت كاترين، دير أبومينا، أبوسمبل، والقاهرة التاريخية، موضحا أن وزارة السياحة والآثار تعمل حاليا على إعداد ملفات لما يقرب من 34 موقعا أثريا جديدا لتقديمها لليونسكو، ومن أبرزها ملف تل العمارنة لما له من قيمة تاريخية وفلكية وعقائدية فريدة ترتبط بالملك إخناتون.
وأكد الخبير الأثرى، أن اليونسكو يتركز دورها فى تقديم الخبرات الاستشارية والفنية الدولية لإدارة المواقع وحمايتها، وفى حال رصد أى تقصير فى إدارة الموقع فإنها تتخذ إجراءات فورية لحمايتها.
وذكر أن وجود الكوادر المصرية مثل ترشح الدكتور خالد العنانى وزير الآثار الأسبق لإدارة منظمة اليونسكو سيدعم بقوة ملفات مصر ويساعد على تقديمها بشكل يليق بمكانة الدولة لزيادة عدد المواقع المدرجة.
ومؤخرا، تمت مناقشة هذه القضية تحت قبة البرلمان المصرى من خلال طلب احاطة تناول ضعف التمثيل المصرى على قائمة التراث العالمى لليونسكو رغم امتلاك مصر أحد أعظم المخزونات الأثرية والحضارية فى العالم.
وعلى الرغم من ان مصر صاحبة واحدة من أعظم الحضارات التى عرفها التاريخ بل الأعظم على الإطلاق، وصاحبة المخزون الأثرى الأكبر والأشهر عالميا، فى مرتبة متأخرة عربيا من حيث عدد مواقع التراث العالمى المسجلة لدى اليونسكو، حيث جاءت فى المرتبة الرابعة بـ 7 مواقع فقط، فى الوقت الذى تتقدم فيه دول أخرى بعدد مواقع أكبر، ليس لأنها تمتلك بالضرورة تاريخا أو حضارة أعمق من الحضارة المصرية، ولكن لأنها تعاملت مع ملف التراث باعتباره ملفا استراتيجيا مرتبطا بالقوة الناعمة والنفوذ الثقافى والسياحى والاقتصادى.
فمنظمة اليونسكو كما جاء بالمناقشات لا تقيس قيمة الحضارات بعدد الآثار الموجودة على الأرض، وإنما بعدد الملفات التى تنجح الدول فى إعدادها وتسجيلها رسميا وفق المعايير الدولية المعتمدة، وهو ما يكشف بوضوح أن الأزمة ليست فى قلة المواقع الأثرية المصرية، وإنما فى بطء أو ضعف تحويل هذه المواقع إلى ملفات ترشيح مكتملة وقابلة للتسجيل الدولى.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض