رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

البابا ليو الرابع عشر يحذر من هيمنة الذكاء الاصطناعي ويدعو لحماية الوظائف

بوابة الوفد الإلكترونية

دخلت الكنيسة الكاثوليكية رسميًا على خط الجدل العالمي المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي، بعدما أصدر البابا ليو الرابع عشر أول رسالة بابوية موسعة له تناولت مستقبل هذه التكنولوجيا وتأثيرها على الإنسانية، محذرًا من مخاطر تركّز النفوذ التقني في أيدي عدد محدود من الشركات والأفراد، ومطالبًا الحكومات بوضع أطر تنظيمية صارمة تضمن بقاء التكنولوجيا في خدمة البشر لا العكس.

الوثيقة التي تجاوزت 42 ألف كلمة جاءت لتؤكد أن الفاتيكان لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تطور تقني عابر، بل كتحول عالمي قد يعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة وسوق العمل والعلاقات الإنسانية خلال السنوات المقبلة.

وأكد البابا ليو الرابع عشر أن الأنظمة الذكية الحالية، رغم قدرتها الهائلة على المعالجة والتحليل، لا يمكن مساواتها بالعقل البشري الحقيقي، موضحًا أن هذه التقنيات “تحاكي” بعض وظائف الإنسان لكنها لا تمتلك الوعي أو المشاعر أو الضمير الأخلاقي.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يختبر التجارب الإنسانية ولا يشعر بالألم أو الفرح ولا يفهم معنى الحب أو الصداقة أو المسؤولية، حتى وإن بدا قادرًا على تقليد اللغة البشرية أو إظهار ما يشبه التعاطف. واعتبر أن الخطر الحقيقي يكمن في الاعتقاد بأن الآلات قد تحل محل الإنسان أخلاقيًا وفكريًا في المستقبل.

وجاءت تصريحات البابا خلال فعالية شهدت حضور كريستوفر أولاه، أحد مؤسسي شركة أنثروبيك المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، في إشارة واضحة إلى رغبة الفاتيكان في فتح حوار مباشر مع الشركات التقنية الكبرى بدل الاكتفاء بالمواقف التقليدية الرافضة للتكنولوجيا.

ودعا البابا الحكومات والهيئات الدولية إلى سن تشريعات قادرة على الحد من “التشوهات الناتجة عن القوة التكنولوجية”، مشددًا على أن الثروة العالمية أصبحت بالفعل مركزة لدى عدد محدود من الكيانات الاقتصادية، وأن الذكاء الاصطناعي قد يزيد هذا التفاوت بشكل خطير إذا لم يتم تنظيمه بصورة عادلة.

كما طالب بضرورة الإبقاء على القرار البشري الكامل في المجالات العسكرية، محذرًا من ترك أي قرارات مرتبطة بالأسلحة أو الحروب لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التحذير في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة قتالية مستقلة.

وفي جانب آخر، ركزت الرسالة البابوية على تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، حيث حذر البابا من استخدام التكنولوجيا كمبرر للتخلص الجماعي من العمالة البشرية بهدف زيادة الأرباح. وطالب ببرامج لإعادة تأهيل العاملين وتوفير حماية وظيفية للأشخاص الذين قد تتأثر وظائفهم بسبب الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية والأتمتة.

ولم يغفل البابا الحديث عن الأجيال الجديدة، إذ دعا إلى إنشاء “تحالف تعليمي للعصر الرقمي” يهدف إلى تعليم الشباب التفكير النقدي عند التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، مع ضرورة مواجهة المحتوى العنيف أو المهين الذي قد يتم إنتاجه عبر هذه التقنيات، إلى جانب التصدي لمخاطر الاستغلال الإلكتروني والاستدراج الرقمي.

ورغم التحذيرات القوية، شدد البابا ليو الرابع عشر على أنه لا يعارض الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، مؤكدًا أن التكنولوجيا يمكن أن تقدم فوائد هائلة للبشرية إذا تم تطويرها وإدارتها بطريقة مسؤولة. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح آفاقًا جديدة في مجالات متعددة تشمل التعليم والصحة والخدمات الإنسانية.

ويبدو أن الفاتيكان بدأ بالفعل في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل بعض خدماته، حيث تعاون في وقت سابق مع شركة متخصصة في الترجمة الرقمية لتوفير ترجمة فورية مدعومة بالذكاء الاصطناعي للحضور خلال القداسات الدينية، في خطوة تعكس محاولة الكنيسة الاستفادة من التكنولوجيا دون التخلي عن مخاوفها الأخلاقية.

وتأتي هذه الرسالة في توقيت يشهد سباقًا عالميًا محمومًا بين شركات التكنولوجيا الكبرى لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، وسط تصاعد التحذيرات من تأثيرها على الوظائف والخصوصية والأمن العالمي. كما تتزايد الدعوات داخل أوروبا والولايات المتحدة لوضع تشريعات أكثر صرامة لتنظيم عمل شركات الذكاء الاصطناعي ومنع احتكار البيانات والتقنيات المتقدمة.

ويرى مراقبون أن موقف البابا ليو الرابع عشر قد يضيف بعدًا أخلاقيًا ودينيًا جديدًا للنقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تنامي القلق من تحول هذه التكنولوجيا إلى أداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي بدل استخدامها لتحسين حياة البشر.