لم تعد أزمة الأهلي مع المدربين الأجانب مجرد ملف فني داخل جدران القلعة الحمراء، بل تحولت إلى قضية مركبة تجمع بين الجانب المالي والإداري والفني، وتلقي بظلالها على مستقبل مفاوضات النادي مع أي مدير فني جديد.
ففي الوقت الذي يبحث فيه الأهلي عن اسم أوروبي كبير لقيادة الفريق في المرحلة المقبلة، يجد نفسه أمام سؤال متكرر يطرحه وكلاء المدربين: لماذا يغادر مدربو الأهلي بهذه السرعة، ولماذا تتحول العقود إلى نزاعات مالية؟
الأرقام وحدها تكشف حجم الأزمة، فخلال الموسمين الأخيرين فقط، اضطر الأهلي إلى دفع ملايين الدولارات كتعويضات لمدربين رحلوا قبل نهاية عقودهم، أبرزهم السويسري مارسيل كولر الذي حصل على أكثر من 2 مليون دولار عقب رحيله، رغم نجاحه في حصد 11 بطولة مع الفريق.
لكن نهاية تجربة كولر لم تكن فنية فقط، بل حملت مشهدًا صادمًا تمثل في هجوم جماهيري عليه وإلقاء الزجاجات أثناء مغادرته الملعب في لحظات انتشرت عالميًا، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد ودفع المدرب للتمسك بكامل حقوقه المالية في البداية، قبل التوصل لتسوية جزئية بعد مفاوضات شاقة.
الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ دخل الأهلي في صدام قانوني مع الإسباني خوسيه ريبيرو، الذي تمت إقالته بعد 3 أشهر فقط من توليه المسؤولية، ورغم محاولة النادي إنهاء الأزمة وديًا مقابل 480 ألف دولار (راتب 3 أشهر)، رفض المدرب العرض، ولجأ إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي أصدر حكمًا لصالحه بالحصول على 1.2 مليون دولار، يشمل تعويض إضافي مرتبط بحرمانه من فرص تدريبية في بداية الموسم.
هذه السابقة فتحت الباب أمام أزمة ثالثة أكثر تعقيدًا مع الدنماركي ييس توروب، الذي دخل في خلاف مالي حول فسخ التعاقد، حيث عرض الأهلي تسوية تقارب 800 ألف دولار (راتب 3 أشهر + شهر إضافي)، بينما يتمسك المدرب بالحصول على ما يقارب مليون دولار (5 أشهر)، إضافة إلى 350 ألف دولار عمولة لوكالة أعماله، مع تهديد بالتصعيد القانوني استنادًا إلى سابقة ريبيرو.
لكن خلف هذه الأزمات المالية، تظهر أزمة أعمق تتعلق بغياب الاستقرار الفني، فالنادي الذي كان يُضرب به المثل في الثبات الإداري، بات خلال فترة قصيرة يتعامل مع سلسلة من الإقالات السريعة والنزاعات التعاقدية التي تؤثر مباشرة على سمعته حول العالم.
الأخطر أن هذه الصورة بدأت تؤثر على المفاوضات الحالية، إذ أصبح بعض المدربين الكبار في أوروبا يترددون في قبول عرض تدريب الأهلي، خشية تكرار سيناريوهات الإقالة المبكرة أو الدخول في نزاعات مالية معقدة، وهو ما يرفع سقف الشروط التعاقدية ويزيد من تكلفة التعاقدات الجديدة، وأبرزهم الرباعي البرتغالي كارلوس كارفالهال وبيدرو مارتينز وباولو سوزا وبرونو لاج، والفرنسي هيرفي رينارد، والروماني رازفان لوشيسكو، إضافة إلى الهولندي مارك فان بوميل.
وفي محاولة لاحتواء هذا الوضع، بدأ الأهلي بالفعل في إعادة صياغة فلسفة التعاقد مع المدربين، حيث يجري العمل على إدخال بنود جديدة في عقد المدير الفني القادم، تشمل ربط جزء من الراتب بالمكافآت والبطولات، وضع جزاءات واضحة في حال الإخفاق، صياغة شرط جزائي متوازن يمنح النادي حق إنهاء التعاقد دون نزاعات طويلة.
وهي خطوة تعكس إدراك الإدارة لخطورة المرحلة، خصوصًا بعد التجارب الأخيرة التي كلفت النادي أرقامًا ضخمة وأدخلته في دوائر قانونية معقدة أمام الاتحاد الدولي.
في النهاية، تبدو أزمة الأهلي الحالية أبعد من مجرد اختيار مدرب جديد، إنها أزمة ثقة في السوق الخارجي، وأزمة إدارة مرحلة حساسة تتطلب موازنة دقيقة بين الطموح والاستقرار للحفاظ علي سمعة الأهلي التي تتعرض للخطر حاليا.
ويبقى السؤال الأهم هل ينجح الأهلي في إقناع المدربين الكبار بأن الماضي لن يتكرر؟ أم أن فاتورة الإقالات ستظل العائق الأكبر أمام أي مشروع فني جديد داخل القلعة الحمراء؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض