أعمال يوم عرفة المستحبة في القرآن والسنة
أثبت القرآن الكريم والنصوص النبوية فضائل يوم عرفة، فهو اليوم الذي كمل فيه الدين وتمت فيه النعمة، وهو اليوم المشهود، ويوم الحج الأكبر عند فريق من العلماء، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى به في القرآن الكريم وهو سبحانه لا يقسم إلا بعظيم.
الأعمال المستحبة في يوم عرفة
ويوم عرفة من الأوقات الفاضلة التي رغّبَ الشرع الشريف في اغتنامها، ودلَّت الأحاديثُ على أعمالٍ بخصوصها لغير الحاج في هذا اليوم الأغر، منها:
أعمال يوم عرفة
1- الصيام لغير الحاج؛ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه الإمام مسلم.
قال العلامة النووي في "شرحه على مسلم" (8/ 51، ط. دار إحياء التراث العربي): [معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين. قالوا: والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات] اهـ.
وقال إن فضل يوم عرفة ثابتٌ بالقرآن والسنة، فهو اليوم الذي كمل فيه الدين وتمت فيه النعمة، وهو اليوم المشهود، ويوم الحج الأكبر عند فريق من العلماء، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى به في القرآن الكريم وهو سبحانه لا يقسم إلا بعظيم. الطيبي في "شرح المشكاة" (5/ 1608، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [قيل في تكفير ذنوب السنة التي بعدها: هو أنه تعالى يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفارة السنة الثانية إن اتفق فيها ذنب] اهـ.
وعلى استحباب صومِ يومِ عرفةَ لغير الحاجِّ تطابقت أقوال الفقهاء.
قال العلامة الكساني في "بدائع الصنائع" (2/ 79، ط. دار الكتب العلمية): [وأما صوم يوم عرفة: ففي حق غير الحاج مستحب، لكثرة الأحاديث الواردة بالندب إلى صومه، ولأن له فضيلة على غيره من الأيام] اهـ.
وقال العلامة الحطاب في "مواهب الجليل" (2/ 401، ط. دار الفكر): [(وصوم عرفة إن لم يحج) ش: يعني أنه يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» رواه مسلم، وأبو داود] اهـ.
وقال العلامة الرَّمليُّ في "نهاية المحتاج" (3/ 206، ط. دار الفكر) عند الحديث عن صوم التطوع: [(و) صوم يوم (عرفة) وهو تاسع الحجة؛ لخبر مسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»، والمراد بالسنة التي قبل يوم عرفة: السنة التي تتم بفراغ شهره، وبالسنة التي بعده السنة أولها المحرم الذي يلي الشهر المذكور، إذ الخطاب الشرعي محمول على عرف الشرع] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 493- 494، ط. عالم الكتب) في باب صيام التطوع: [(و) يسن صوم (عشر ذي الحجة) أي: التسعة الأول منه؛ لحديث: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر» (وآكده يوم عرفة، وهو) أي: صومه (كفارة سنتين)؛ لحديث مسلم عن أبي قتادة مرفوعا في صومه: «إني لأحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده] اهـ.
2- الدعاء والذكر طوال يوم عرفة؛ تعرضًا لنفحات الله الطيبات في هذا اليوم المبارك فخير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ فعَنْ عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي، ومالك في "الموطأ".
قال المُلا عليٌّ القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 1802، ط. دار الفكر): [خير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ لأنه أجزل إثابة، وأعجل إجابة] أهـ.
وكأن دأب سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم الإكثار من الدعاء ليلة عرفة ويومه، ومن الأدعية الواردة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذا اليوم الأغر ما رواه الترمذي وابن خزيمة عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «أَكْثَرُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي الْمَوْقِفِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وَإِلَيْكَ مَآبِي، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْر ، وَشَتَاتِ الْأَمْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ».
3- حفظ السمع والبصر؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفضل يوم عرفة: «يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ» رواه أحمد وابن خزيمة.
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِصَالِحِكُمْ، وَشَفَّعَ صَالِحُكُمْ فِي طَالِحِكُمْ، تَنْزِلُ الْمَغْفِرَةُ فَتَعُمُّهُمْ، ثُمَّ تُفَرَّقُ الْمَغْفِرَةُ فِي الْأَرَضِينَ فَتَقَعُ عَلَى كُلِّ تَائِبٍ مِمَّنْ حَفِظَ لِسَانَهُ وَيَدَهُ» رواه عبد الرازق في "مصنفه".
4- الخلوة للذكر من بعد صلاة العصر إلى الغروب، فقد روي عن بعض التابعين والسلف أنه كان يختلي بنفسه من بعد عصر يوم عرفة إلى غروب الشمس، ويُرغِّب أصحابه في ذلك؛ اغتنامًا لهذه الأوقات الشريفة، وتعرضًا لنفحات الله فيها، ومن هؤلاء التابعين، التابعي الجليل سعيد بن المُسَيَّب، والتابعي الثقة العابد عَطَاء الخُرسَاني.
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ «أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَقْصُورَةِ، وَيَسْتَقْبِلُ الشَّامَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وعن عمر بن الوَردِ قال: قال لي عطاء الخراساني: «إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل» رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض