غدًا تتجه أنظار العالم الإسلامي إلى صعيد عرفات، حيث يقف ملايين المسلمين في مشهد مهيب يتجرد فيه البشر من كل الفوارق، وتقف الإنسانية بأسرها في حضرة ربها، لا يحملون سوى دعواتهم وآمالهم ورجاءهم في الرحمة والمغفرة.
غدًا يقف الحجاج على جبل الرحمة لأداء الركن الأعظم من مناسك الحج، ذلك الركن الذي اختصره النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف: «الحج عرفة»، وكأن الرحلة الإيمانية بكل تفاصيلها تنتهي إلى هذه اللحظة الفارقة، لحظة يقف فيها الإنسان خاشعًا، متخففًا من أعباء الدنيا وزينتها، لا يطلب إلا رضا الله وعفوه.
العالم أكثر نقاءً في يوم عرفة حيث الملايين واقفون تحت راية واحدة، مرتدين ملابس بيضاء، تُذكر الإنسان بحقيقته الأولى والأخيرة، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين لون وجنسية ولغة. الجميع يرفعون أيدهم بالدعاء إلى المعبود بحق، يرددون بخشوع "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك".
ولمن لا يعرف، يقع جبل عرفات على الطريق بين مكة والطائف، على بُعد نحو 22 كيلومترًا من مكة المكرمة، و10 كيلومترات من مِنى، و6 كيلومترات من مزدلفة. وترتبط تسميته بروايةٍ تقول إن سيدنا آدم وأمنا حواء، بعدما أهبطهما الله إلى الأرض، التقيا في هذا المكان وتعارفا، فصار شاهدًا على أول لقاء إنساني فوق الأرض، قبل أن يتحول إلى أعظم مشاهد الإيمان في التاريخ الإسلامي.
يبدأ الوقوف بعرفة بعد زوال شمس التاسع من ذي الحجة وحتى فجر يوم النحر، فيما يظل الحجاج طوال النهار غارقين في الدعاء والذكر وطلب المغفرة، وهو مشهد ارتبط أيضًا بخطبة الوداع التي أرسى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، مبادئ إنسانية خالدة، دعت إلى المساواة وصون الحقوق وحرمة الدماء والأموال.
أحاديث نبوية كثيرة أكدت فضل يوم عرفة، وأن الدعاء فيه مستجاب، وأن الله يباهي بأهل هذا الموقف ملائكته، فيما يُستحب لغير الحجاج صيامه، لما فيه من تكفير للذنوب ورفعة للدرجات، فعن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".. فعلينا جميعًا اغتنام هذه الفرصة والإلحاح في الدعاء وطلب المغفرة.
في يوم عرفة تتجلى حقيقة الإنسان أمام خالقه؛ تنكسر القلوب القاسية، وتلين الأرواح المتعبة، ويشعر المرء بأن الرحمة الإلهية أقرب إليه من حبل الوريد، لذلك يصف علماء الدين هذا اليوم بأنه ذروة الرحلة للحاج، ومحطة الصفاء الكبرى التي يعود منها القلب أكثر نقاءً وطمأنينة.
يبقى يوم عرفة موعدًا سنويًا تتطهر فيه القلوب، وتجتمع فيه الشعوب تحت راية واحدة، ليؤكد أن الإيمان ما زال قادرًا على جمع القلوب، وأن الرحمة ستظل دائمًا الطريق الأقرب إلى الله، فيا أيها النابشون في أتون الحرب استقيموا يرحمكم الله.
ومع غروب شمس يوم عرفة، تبدأ أفراح عيد الأضحى المبارك الذي تتجدد فيه معاني الفداء والتضحية المستلهمة من قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين امتثل لأمر الله في واحدة من أعظم صور الطاعة والإيمان.
العيد لا يقف عند حدود الذبح والاحتفال، بل يمتد إلى قيم الرحمة والتكافل وصلة الرحم ومساندة المحتاجين، لتتحول المناسبة إلى رسالة إنسانية كبرى تُذكّر العالم بأن الخير لا يزال حيًا في القلوب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض