ﻋﺮﻓﺔ.. ﻣﻴﺜﺎق اﻟﻐﻔﺮان وﻓﺮﺻﺔ اﻟﻌﻤﺮ ﻟﺒﺪاﻳﺔ ﺟﺪﻳﺪة
ﻳـﻮم اﻟﺠــــــــــﺎﺋﺰة اﻟﻜـــــــﺒﺮى
تشرق شمس التاسع من ذى الحجة، ويأتى يوم عرفة حاملا فى طياته «الجائزة الكبرى»، إذ تفتح السماء أبوابها لرحمات لا تنقطع، فصيامه يُكفر ذنوب عامين كاملين، ولا يوجد يوم يعتق الله فيه من النار مثل هذا اليوم المبارك، كما أنه لم يكن هذا اليوم عادياً فى تاريخ الأمة، ففوق صعيد عرفات الطاهر، وفى يوم جمعة مشهود، توجت الرسالة واكتمل البنيان فى حجة الوداع بنزول قوله تعالى:(اليوم أكملتُ لَكُم دِینَكُم وَأَتممتُ عَلَیكُم نِعمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ الاسلام دينًا) (المائدة: ٣)، وقال عنها رجل من اليهود إلى سيدنا عمر رضى الله عنه: «يا أمير المؤمنين، آية فى كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً»
ومن واسع كرم الله ولطفه، أن المسلمين يقفون فى يوم عرفة حجاجا كانوا أم مُقيمين صائمين فى ديارهم، فى حضرة «تاج الأيام» وجوهرة الزمان»، يفيض بأسرار وكنوز يترقبها المسلمون قطرة تلو أخرى، مستمسكين بالأمل والدعاء حتى مطلع فجر اليوم العاشر، ليحتضنوا بعدها فرحة عيد الأضحى المبارك بقلوب بيضاء ونفوس مطمئنة.

عرفة حياة جديدة
قال الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء، إن العشر الأُوَل من ذى الحجة من أعظم أيام السنة وأعظمها منزلة عند الله تعالى، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، موضحًا أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود بها عشر ذى الحجة، مشيرًا إلى أن الله شرفها بكونها ضمن الأشهر الحرم، وخصّها بيوم عرفة الذى يمثل ذروة هذه الأيام وواحدًا من أعظم مواسم الرحمة والمغفرة، كما روى عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِى الْحِجَّةِ... وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ...» (مسند أبى يعلى (٢٠٩٠).
وأوضح جمعة أن يوم عرفة يومٌ تتنزل فيه نفحات الله على عباده، ويغمره الدعاء والرجاء، وهو يوم مغفرة وعتق من النار، مبينًا أن صيامه لغير الحاج يكفّر ذنوب سنة ماضية وسنة لاحقة، بما يعكس عِظم الفضل الإلهى المرتبط بهذا اليوم المبارك.
وأضاف جمعة أن بعض الروايات أشارت إلى أن تسمية «عرفة» قد ترتبط بتعارف سيدنا آدم عليه السلام على حواء بعد هبوطهما إلى الأرض، فى دلالة رمزية على بداية حياة الإنسان على الأرض بما تحمله من عبادة وابتلاء وعمارة.
وأشار جمعة إلى أن الحاج يعود من وقوفه بعرفة نقياً من الذنوب كيوم ولدته أمه، وكأن هذا الوقوف يمثل نقطة تحول وبداية جديدة فى علاقته مع الله تعالى، وصفحة بيضاء تنطلق منها حياة إيمانية جديدة.
وعن صيام يوم عرفة، أكد الدكتور على جمعة أنه سنة مؤكدة لغير الحاج، لما ورد فى فضل هذا اليوم العظيم من مغفرة سنة قبله وسنة بعده لمن صامه.
وأضاف أن جمهور الفقهاء يرون عدم استحباب صيامه للحاج، خشية أن يضعفه عن الوقوف والدعاء بعرفة، وهو ما رجحه المالكية والحنابلة بالكراهة، بينما اعتبره الشافعية خلاف الأولى، مستدلين بما ورد عن شرب النبى صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة.
وأشار إلى أن الحنفية أجازوا صيامه للحاج إذا لم يؤثر على أداء المناسك، مؤكدين أن الحكم يدور مع القدرة وعدم المشقة، وأن الأَوْلى للحاج هو التفرغ للعبادة والدعاء فى هذا اليوم العظيم.
عرفة يوم الغفران والعتق
ويوم عرفة من أعظم أبواب الرحمة الإلهية، وبوابة واسعة لمحو عثرات الماضى وبناء مستقبل جديد، حيث يُتفضّل فيه على العباد بالمغفرةٍ، وفتح أبواب العتق من النيران، أما عن تكفير الذنوب للحاج، فقد ورد عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ،... فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِى شُعْثًا غُبْرًا، اشْهَدُوا أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ..» (صحيح ابن حبان التقاسيم والأنواع (٤٠٩٨).
وأما غير الحاج، فقد سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة فقال صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّى أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ، وَالَّتِى بَعْدَهُ» )الترمذى (٧٤٩)، ابن ماجه (١٧٣٠).
أما عن العتق من النيران، ففى يوم عرفة تتجلى أعظم صور الرحمة الإلهية والفضل الربانى، فعن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (مسلم (١٣٤٨).
كما بيّن العلماء أن مباهاة الله بعباده فى هذا اليوم هى إظهار لشرفهم وفضلهم، وأن سؤال الملائكة: «ما أراد هؤلاء؟» يحمل معنى القبول والرضا الإلهى التام، حيث تكون المغفرة والرحمة حاصلة لهم بإذن الله.
ويشمل هذا الفضل العظيم الحجاج فى صعيد عرفات، كما يشمل غير الحجاج ممن يتعرضون لنفحات الله بالذكر والدعاء والتوبة الصادقة، ليبقى يوم عرفة محطة استثنائية للغفران والعتق من النار وتجديد الصلة بالله تعالى.

عرفة يوم التعرف
أكد الدكتور عمرو الوردانى أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن يوم عرفة لا يقتصر على كونه يومًا للدعاء أو الصيام فحسب، بل هو يوم «التعرّف» بالمعنى العميق، الذى يعيد فيه الإنسان اكتشاف ذاته، ويجدد فيه صلته بربه، فيتحول إلى محطة روحية لإعادة بناء الوعى الإيمانى وبداية حياة جديدة أكثر صفاءً وقربًا من الله تعالى.
وأوضح الوردانى أن يوم عرفة يُعد من الأيام التى شرفها الله تعالى وخصّها بخصوصية عظيمة، حيث ارتبطت بنفحات ربانية استثنائية وبحضور النبى صلى الله عليه وسلم فى مشهده الأعظم، ما يمنحه مكانة فريدة وبهاءً روحانيًا يميزه عن سائر الأيام، داعيًا إلى التعامل معه باعتباره فرصة لا تتكرر للتجدد الروحى.
وأشار إلى أن تسمية “عرفة” تحمل عدة دلالات عميقة، إلا أن المعنى الأوسع والأهم يتمثل فى كونه يوم معرفة الله تعالى حق المعرفة، مؤكدًا أن أعظم ما يقال فيه هو دعاء التوحيد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
وأضاف أن يوم عرفة يفتح أمام الإنسان مساحة روحية واسعة يمكن تلخيصها فى «خماسية إيمانية» تبدأ بالتعرّف على النفس بعيدًا عن الألقاب والأهواء، ثم إعادة تعريف الذات كعبدٍ محتاج إلى الله، يليها الاعتراف بنعم الله المتتالية، ثم العرفان بالفضل والشكر، وصولًا إلى “المعروف” وهو التوجه إلى الله بكل ما فى القلب من احتياج وثقة ويقين.
وشدد على أن الفوز بهذا اليوم العظيم يتطلب التحرر من كل تعلق بغير الله، ومن مشاعر القلق والخوف والوحدة، مؤكدًا أن الإنسان فى هذا اليوم يقف بين يدى ربٍ كريم لا يخذل عباده.
برنامج يوم عرفة
يوم عرفة من أعظم أيام الله، ويستحق أن يُرتب له الإنسان برنامجًا روحانيًا متكاملًا يساعده على اغتنام لحظاته، وفى هذا السياق اقترح الدكتور عمرو الوردانى أن يبدأ المسلم يوم عرفة من صلاة الفجر، حيث يبقى فى مصلى الفجر حتى الشروق، إحياءً لسنة النبى صلى الله عليه وسلم، موضحًا أن من صلى الفجر ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة، وهو ما يعكس عِظم هذا العمل وبساطته فى الوقت نفسه.
وأضاف أن هذا الوقت الممتد بين الفجر والشروق يمكن استثماره فى ثلاثة محاور رئيسية، تبدأ بالإكثار من أذكار الصباح والمساء بروح جديدة مختلفة، بحيث يستشعر الإنسان معانى الذكر كأنه يعيشها لأول مرة، متأملًا تجليات الله فى يوم عرفة الذى تتنزل فيه الرحمة والفضل.
وتابع أن المحور الثانى يتمثل فى الإكثار من الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم شكرًا لله على نعمة الهداية والرسالة، بينما يتمثل المحور الثالث فى قراءة السور القرآنية التى يميل إليها القلب، لما لذلك من أثر فى تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم وتحويل العلاقة معه إلى حالة من الحب والتأمل والتدبر.
واختتم الوردانى بأن يوم عرفة يمثل فرصة استثنائية لميلاد روحى جديد، يخرج فيها الإنسان من ضيق نفسه إلى سعة رحمة الله، ومن شعور الاغتراب إلى أنس القرب الإلهى، ليُكتب من عباده الذين عرفوا ربهم فامتلأت قلوبهم بالطمأنينة والرضا والتسليم.
فى ختام هذا البيان الإيمانى، سواء وقف المسلم تلبسه الأنوار فوق صعيد عرفات الطاهر كأول يوم ولدته أمه، أو مكث فى دياره صائماً يترقب مغفرة عامين متتاليين وعتقاً محققاً من النيران؛ فإن الثابت الأصيل هو أن هذا اليوم يمثل فرصة العمر وبوابة العبور من ضيق النفس إلى سعة الرحمة الإلهية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض